إلى اللقاء ـ موت اللغات

حسين درويش

السبت 21 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 22 فبراير 2003 خصصت اليونسكو يوم الحادي والعشرين من فبراير يوماً عالمياً للغات، وكان أن قامت بعض الجهات المختصة بهذا الشأن عربياً باعلان هذا التاريخ يوماً وطنياً للغة العربية، ولم تأل جمعية حماية اللغة العربية في الامارات جهداً في سبيل تعزيز موقع هذه اللغة، حيث أقامت الندوات والأمسيات التي امتدت لعدة أيام تخللتها محاضرات وبيانات تدعو إلى حماية هذه اللغة واعطائها ما تستحق من تقدير. ولأن اللغة رابط وطني مهم، فقد اعتمدته الدول كأحد مقومات وحدة الأمة واستطاعت أمم كانت مهددة بموت وحدتها الوطنية احياء نفسها عبر احياء اللغة واعتمادها كمرجع علمي وسياسي واقتصادي كما حدث في اللغة التركية التي عملت على احياء شخصية استقلالية في المنطقة وعززتها بأبجدية خليطة من أبجديات لاتينية وروسية وأرمنية. والحديث عن الأبجديات يقود إلى الاعتراف بأن هناك حوالي خمسة آلاف لغة متداولة في العالم اليوم، ولكن معظمها لغات شفوية لا أبجدية لها، مما يعني انها مهددة بالانقراض، حيث يصعب تعلمها دون قواعد كتابية. ويذكر العالم اللغوي الفرنسي كلود هاجيغ في كتابه «حياة وموت اللغات» ان هناك مجموعات بشرية في آسيا وأفريقيا لا يتجاوز عددها الألف شخص يتحدثون لغات خاصة بهم، ولكنها غير مكتوبة، حيث يجهل هؤلاء الشفويون الكتابة أصلاً، فما بالنا بالقواعد والأساسات البنائية لاستمرار اللغة، وعليه يؤكد العالم الفرنسي ان هناك أكثر من مئتين وخمسين لغة في العالم تموت كل سنة من أصل الخمسة آلاف لغة الباقية على قيد الحياة، وهذا يعني أيضاً حسب هاجيغ ان اللغات التي ستظل حية هي الانجليزية والاسبانية والعربية بالدرجة الأولى، ومن ثم لغات أخرى في مرتبة أدنى من الانتشار كالفرنسية باعتبارها لغة النخبة والصينية كلغة اجبارية رسمية في الصين الشعبية الاشتراكية. وايضاً ستبقى على قيد «الحياة» وليس «التداول» لغات دينية لدى بعض الشعوب. موت اللغة مأساة وطنية كبيرة، يدفعنا للحديث عنها اليوم هذا الخليط الهائل من المفردات التي تتداول بين الناس ومعظمها قادم من لغات أقل شأناً من العربية كالأوردية والفارسية والتركية، حتى بات الاسم أو الفعل في تلك اللغات هو المفردة المعبرة داخل النص بدلاً من المفردة العربية الصحيحة. المأساة الأكبر في موت اللغة هو استخدام جمل جاهزة من لغات أخرى وادخالها إلى العربية، كما يفعل الآن فريق كبير من المتعلمين الذين يتقنون الانجليزية، حيث يدخلون جُملاً جاهزة كاملة من الانجليزية إلى حديثهم كي يوحوا لمحدثيهم انهم يعرفون لغة أخرى بشكل جيد، ونقول «متعلمين» وليس «مثقفين» لأن المثقف لزام عليه أن ينتصر للغته ويدافع عنها لأنها الجدار الذي يحمي وجوده ومستقبله، وهو لا يميل إلى هذا الاستخدام مدركاً ان الانجليزية المستخدمة في النص اليومي بين الناس هي انجليزية الشارع وليس انجليزية شكسبير! إن أهم نقطة لحماية اللغة العربية اليوم هي المدرسة، ثم تليها المؤسسة الرسمية التي يجب أن تتخاطب كتابياً باللغة العربية. واعتمادها كمؤهل وظيفي وعلمي للدخول الى الوظائف الحكومية.. لكن هل يحدث هذا؟.. أبداً لا يحدث بكل أسف. بل الأمر من ذلك انك عندما تتصل هاتفياً بمؤسسة وطنية أو جمعية ذات صلة بالثقافة وحمايتها وتقول: ـ مرحباً.. أنا فلان أعطني المدير من فضلك. يجيبك على الخط الآخر شخص قائلاً: ـ أرباب ما في موجود.. ساوي كلام بعدين!


البيان