|

العربيّةُ وهويّة الأمة
د. محمد القضاة
لمّا كانَ للغةِ العربيّةِ منزلةٌ كبيرةٌ؛ إذ هيَ هُوِيَّةُ الأمةِ، وهيَ الوعاءُ الذي يحوي حضارَتَها وفكرَها وتراثَها، فإنني – بداية - أدعو أبناءها جميعًا، مبتدئًا بنفسي، إلى الإسهامِ في المحافظةِ على هذه اللغة، وإلى السعيِ نحوَ إحلالها في المكانةِ التي تستحقُّ وتستأهِلُ، خاصّةً أنها أضحتْ مُهدّدةً من أبنائها أولاً، ثمَّ من أعدائها الذينَ يُحيكونَ لها في ليلٍ ما يُحيكونَ، ويبذِلونَ في سبيلِ طمسها ما يبذِلون. ولستُ ههُنا معنِيًّا بِتَعْدادِ ما تنمازُ به اللغةُ العربيّةُ من خِصالٍ، فهيَ أكثرُ منْ أنْ تُحصى، والمَقامُ هُنا لا يُسعِفُ في بيانِ أبرزِ المشكلاتِ التي تعتَرِضُ طريقَها، والكلامَ لا يَفي وسائلَ النهوضِ بها حقَّها، فالحديثُ في هذا وذاكَ حديثٌ طويلٌ مُتَشَعِّبٌ، والوقوفُ عليهِ يَبْعَثُ في النفسِ أسًى لا يُوْصَفُ ومرارةً لا تُحْتَملُ؛ لذا فإنني أرغبُ في تجاوزِ ذلكَ كلِّه، والقَفْزِ عليهِ، وصولاً إلى تأكيدِ ضرورةِ عدمِ الخوضِ في مشكلاتِ الماضي وآلامِهِ، وعدمِ تذكُّرِها إلا للإفادةِ منها في تحسينِ صورةِ الحاضرِ، واسْتِشْرافِ الغَدِ المُشرق، الذي نَحْلُمُ فيهِ بأنْ نكونَ أبناءً بَرَرَةً لِلُغَتِنا، التي وَسِعتْ كتابَ اللهِ لفظًا وغايةً وما ضاقتْ عنْ آيٍ بهِ وَعِظاتِ.
ومناسبةُ الحديث عن العربيةِ المؤتمر الدولي الخامس لقسمِ اللغة العربية الذي ينعقد هذه الآونة وما زال حتى اليوم، تحت عنوان «العربية وهوية الأمة»، ويأتي المؤتمر في الذكرى الخمسين لتأسيس قسم اللغة العربية الذي كان نواة الجامعة الأردنية التي تحتفي هذا العام بيوبيلها الذهبي، والجامعةُ تؤمنُ أنّ للغةِ العربيّةِ منزلةٌ كبيرةٌ؛ إذ هيَ هُوِيَّةُ الأمةِ، ولها في أعناقنا دينٌ لا بُدَّ لهُ منَ الوفاءِ، وإنَّ بعضَ الوفاءِ يفرِضُ علينا جميعًا أن ننهضَ بها. أقول: يجبُ إيلاءُ اللغةِ العربيّةِ التي ترتبطُ بتاريخِنا وثقافتِنا وهُويّتِنا كلَّ اهتمامِنا ورعايتِنا؛ بحيثُ تعيشُ معَنا في مناهجِنا وإعلامِنا وتعليمِنا - كائنًا حيًّا ينمو ويتطوّرُ ويزدهرُ، ويكونُ في المكانةِ التي يستحقُّها جوهرًا لانتمائِنا القوميِّ؛ حتى تكونَ قادرةً على الاندماجِ في سياقِ التطوّرِ العلميِّ والمعرفيِّ في عصرِ العولمةِ والمعلوماتِ، لتصبحَ أداةً منْ أدواتِ التحديثِ ودرعًا متينةً في مواجهةِ محاولاتِ التغريبِ والتشويشِ التي تتعرّضُ لها ثقافتُنا؛ خاصّة أنّ المشكلات التي تعترضُ طريقَ اللغةِ العربيّةِ كثيرةٌ، غيرَ أنَّ أكثرَها خطرًا أبناؤها الذينَ تزعزعتْ ثقتَهُم بلغتِهِم، وقلَّ اعتزازُهم بموروثهِمُ الثقافيِّ والحضاريِّ، ممّا يعني أنَّ اللغةَ العربيّةَ لنْ تتمكّنَ مِنَ استعادةِ دورِها إلا إذا استعادَ أبناؤها دورَهم، واستعادوا إدراكَهُم ووعيَهُم لأهميّتِهم في هدايةِ العالمِ وتحقيقِ سِلْمِهِ ورخائه.
والجامعاتُ يجبُ أن تُحدثَ تغييراً في البنيةِ المعرفيةِ والثقافيةِ لدى المجتمع، خاصةً الطالبُ الجامعي لكي يكون مكمّلاً للنظامِ التعليمي والأكاديمي. والمؤتمرُ يطرحُ محاور عدة تتمحور حول معركة العربيّة اليوم وهي معركة الهُويّة الوطنيّة والقوميّة والدينيّة، والفوز بهذه المعركة مقدّمة أوليّة لكسب المعركة الحضاريّة التي تحدّدُ مكانة هذه الأمة بين الأمم. وهو ما نؤمله أن ينعكس على طلبة الجامعة الأردنية وهذا الجيل باكمله. حقًّا إنّ لغَتَنا العربيةَ بحرٌ في أرجائهِ الدرُّ كامنٌ، بحرٌ لا يَنْفَدُ ماؤهُ، بحرٌ لا يُعرَفُ أوّلُهُ منْ آخِرِهِ، ولا مُبْتَدَؤهُ منْ مُنْتَهاهُ. وكذا حديثُنا ههُنا عن هذه اللغةِ، فهوَ حديثٌ لا ينتهي عندَ حَدٍّ، ولا يقتَصِرُ على مَحَطّةٍ دونَ أخرى.
وبعدُ، فإنَّ واقعَ اللغةِ العربيّةِ، مهما يكُنْ شأنُ أهلِها معَها، ومهما تكُنِ الصعوباتُ التي تعترضُ سبيلَها أوِ الهجماتُ التي تتلقاها، يَشي بأنها لغةٌ حيّةٌ لا تُقهرُ، خالدةٌ بخلودِ القرآنِ الكريم ِالمحفوظِ بالمشيئةِ الإلهيةِ «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ». وإذا كان من شكرٍ فهو فالشكرُ كلُّه للجامعة الأردنية التي وفرت للمؤتمر أسبابَ النجاح والفلاح كي تبقى الجامعةُ منارةً علميةً شامخةً بين مناراتِ الوطنِ وجامعاتهِ. والشكر لكوكبةِ العلماء الذين جاءوا من أكثر من ثمانين جامعة عربيّة وعالميّة للمشاركةِ في المؤتمرِ، ولكلِّ إنسانٍ يخدمُ هذه اللغة ويحتضنُها كي تبقى صورةً ناطقة عن هويتِنا ووجودِنا وحضورِنا الحضاري
الرأي
|
|
|
|