|

اللغة العربية خارج دائرة الخطر
عاصم الشيدي
قلل الدكتور عز الدين مهيوبي رئيس المجلس الأعلى للغة العربية في الجزائر مما يقال حول الخطر الكبير الذي تمر به اللغة العربية معتبرا الأمر مرحلة عادية تمر بها كل الأمم والشعوب عندما تبدأ في الانبهار بالآخر، مشيرا إلى أن الأوروبيين أنفسهم كانوا في مرحلة الدول الأندلسية ينبهرون باللغة العربية ويقلدون العرب في لغتهم وفي لباسهم وطرائق تفكيرهم حتى جاء عصر الأنوار في أوروبا وسقط العرب.
وكان مهيوبي يتحدث مساء أمس في محاضرة برواق الفكر في مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان ضمن الفعاليات التي ينظمها مركز الدراسات والبحوث بالمؤسسة.
وحملت المحاضرة التي حضرها السيد عبدالله بن حمد البوسعيدي وسعادة الدكتور إبراهيم بن أحمد الكندي الرئيس التنفيذي للمؤسسة وجمع من المهتمين عنوان «2100 عالم بلا لغة» تطرق خلالها إلى ما سماه بالأمن اللغوي والحروب الثقافية في العالم المعاصر.
وقال الدكتور مهيوبي: إن هناك نوعين من الأمن: الأمن المادي الذي تحرص خلاله كل بلد على تأمين الصحة والماء وكل ما يلزم المواطنين، وهناك أمن القيم وأمن الهوية وتحرض خلاله الدول على تأمين لغاتها الوطنية بالقرار السياسي والفعل الثقافي والأدب والدين والتربية والقوانين. مشيرا إلى أن كل بلد يسعى إلى وضع لغته في مأمن من تأثير اللغات القاتلة الأخرى. واستعرض الباحث آراء بعض الخبراء الذين يؤكدون على أن أفضل وسيلة لقتل لغة في بلد ما هي تعليم لغة أخرى، ولذلك يطلق على اللغة الإنجليزية قاتلة اللغات، لأنها ابتلعت الكثير من اللغات الأخرى.
وحسب الباحث فإن نظرة على واجهة المشهد العالمي يجعلنا نرى الكثير من الصراعات تنطلق من أمن اللغة وأمن الثقافة، مدللا على ذلك بالصراع الطاحن بين اللغة الانجليزية واللغة الإسبانية في أمريكا، مشيرا إلى ما طرحه هنتنجون الذي رأى أن هناك أزمة هوية في أمريكا مطالبا بضرورة استخدام القوة لفرض الثقافة البيضاء وهي الانجليزية والدين المسيحي.. لأن بعض التقديرات كانت ترى أنه خلال 50 سنة يمكن للإسبانية أن تتجاوز اللغة الانجليزية في أمريكا.. وارتفعت أصوات تطلب بجعل اللغة الانجليزية اللغة الأولى في الولايات المتحدة وهذه سابقة.
كما استشهد الباحث بما يدور من صراع بين روسيا وأوكرانيا مشيرا أن العنصر اللغوي يقف في المشهد موقفا حاسما من حيث إن روسيا ترى أن حدودها تصل إلى حيث تصل لغتها. وقال مهيوبي إن اللغة الفرنسية تعاني كثيرا في الوقت الحالي ولذلك ارتفعت الأصوات محتجة عندما تمت الموافقة لإجراء البحوث العلمية في الجامعات الفرنسية باللغة الانجليزية معتبرين القرار خيانة وطعنا في ظهر اللغة الفرنسية.
وحول وضع اللغة العربية تحدث مهيوبي عن العربية بأنها خارج دائرة الخطر كما يصور البعض، معتبرا أن ما يحدث هو حالة عابرة في حياة الأمة التي تعيش مرحلة الاستهلاك المادي والقيمي وحالة الانبهار بالآخر، وهو ما جعل الكثير من الشباب العربي يستخدمون اللغة الانجليزية. لكنه تحدث عن التأثيرات السلبية لهذه المرحلة بالقول إن اللغة الآن لا تشهد تطورا، بل تبقى مكانها، لأن تطور اللغة يتطلب تطورا موازيا في المجتمع، وعندما يكون المجتمع منتجا فإن اللغة تتطور من تلقاء نفسها.
لكن مهيوبي اعتبر أن اللغة العربية ستكون بين ثلاث لغات رئيسية في العالم خلال السنوات القادمة وهي بالترتيب اللغة الانجليزية واللغة العربية واللغة الصينية. معتبرا هذه اللغات مختلفة تماما عن بعضها البعض سواء من حيث معاجمها أو من حيث طريقة كتابتها وشكلها.
وقال الباحث: إن اللغة الانجليزية ستدخل في صراع مع اللغات التي من جنسها مثل الفرنسية والإيطالية والألمانية، صراع داخل العائلة الواحدة وستفوز اللغة الانجليزية لاعتبارات كثيرة ربما أهمها أنها لغة مفتوحة تقبل الآخر بشكل كبير، لكن ليست لغة شكسبير بل لغة بيل جيتس، لغة التقنية الحديثة وأشار إلى أن اللغة الفرنسية ستتقهقر لأنها لغة مغلقة. أما اللغة العربية فباعتبار اختلافها عن اللغة الانجليزية وعائلاتها القريبة، لغة لها معجمها الثري.. وأشار الباحث عن دراسة علمية أثبتت أن ما يستخدم من معجم اللغة العربية لا يزيد عن 0.04% فقط.
أما اللغة الثالثة وهي اللغة الصينية فلاعتبارات كثيرة ليس آخرها السكان والانتشار الاقتصادي لكن الصينيين وفق الباحث يطورون لسان لغتهم بشكل واضح ويطورون لغتهم بشكل علمي حتى تلقى رواجا. وفي المحصلة فإن اللغة الانجليزية المنتشرة الأولى تكتب من اليسار إلى اليمين واللغة العربية من اليمين إلى اليسار واللغة الصينية من الأعلى إلى الأسفل.. وتوقع الباحث أن يصل عدد المتحدثين باللغة الانجليزية خلال السنوات القادمة إلى حوالي 500 مليون فضلا عن الكم الهال من المسلمين الذين يتعاملون بجزء من اللغة.
واعتبر الباحث أن مسألة اللغة حاسمة في عالم اليوم.. لكنه عاد ليقول أن هناك لغة تموت كل أسبوعين وأن والخبراء في اليونسكو يعملون لحماية اللغات في العالم من الاندثار معتبرا أن الانترنت يعمل على بعض هذه الحماية.. ويساهم بشكل فعال في تطوير اللغات والحفاظ عليها، مشيرا أن في الانترنت اليوم أكثر من 500 لغة.. في إفريقيا الغربية الأفارقة الناطقون بالفرنسية صاروا يستخدمون بصورة واضحة لغاتهم المحلية لأنهم يجدون فيها متعة للتعبير عن هويتهم ولغة المستعمر لا شأن لهم بها.
واعتبر الباحث أن في العالم اليوم خيارين تعمل بهما الدول الاسكندنافية وهما خيار اللغتين: لغة خاصة بالمجتمع وهي اللغة الوطنية الداخلية التي تستخدم في الإعلام وفي المقاهي وفي الحياة اليومية ولغة المعرفة التي يتم بها الاستفادة بالنتاج المعرفي العالمي الذي تنتجه هنا اللغة الانجليزية.
وهذه الدول توصلت إلى أن كلفة الترجمة أغلى بكثير من كلفة تعليم اللغة الانجليزية لأفراد المجتمع، وهذا يحقق تماسا مع المعرفة التي تنتجها مراكز البحوث والجامعات في أمريكا.
وفي هذا السياق طالب الباحث الدول العربية بتطوير لغتهم من خلال مراكز البحث والإعلام لجعلها قادرة على التكيف من الواقع الحالي واقع العولمة.. معتبرا أن اللغة التي على الجيل أن يتعلمها اليوم ليست لغة المتنبي وأبي نواس ولكن لغة العصر معتبرا أن اللغة العربية تضم 12 مليون كلمة فيما اللغة الفرنسية لا تضم أكثر من 100 ألف كلمة فقط.
وفي السياق نفسه طالب الباحث أن يتم الاستفادة من جهود وخبرات كل البلاد العربية التي عليها أن تمتلك هيئة تعنى باللغة العربية تفعل هذه الخبرات لتقديم الأجود والأفضل.. مؤكدا أن ما تنتجه اليوم مجامع اللغة العربية لا يراه المجتمع ولا يتماس معه، ولذلك لا بد من تفعيل الأمر على صعيد الجامعات والإعلان ومحيط المجتمع.
وشهد اللقاء حوارا ثريا بين الباحث وبين الحضور تركز حول الخطر الذي تواجهه اللغة العربية وما على الدول ومجامع اللغة العربية والجامعات من جهود للخروج بأقل الخسائر.
عُمان
|
|
|
|