|

نوافذ .. ألـ التعريف
أحمد بن سالم الفلاحي
تسجل “ألـ” التعريف في قاموس اللغة العربية سبقا معرفيا عاليا، وتمثل أهمية أكبر كلما ابتعد الاسم عن محيطه المعرفي، وبقدر هذه الأهمية تجد “ألـ” التعريف المكانة التي تستحق من الاهتمام، وخاصة في الكتابة، ذلك أن النطق بها قد لا يشكل هذه الأهمية، فقد تمر الكلمة مرورا عابرا دون أن يلتفت إليها في تسميتها النكرة بخلاف الكتابة طبعا.
فأي محدد مهم تلعبه “ألـ” التعريف في حياتنا العامة، أو الخاصة على حد سواء، وأي إسقاط يمكن أن نلعبه نحن الناطقون باللغة العربية على سبيل المثال لتحديد هذه الأهمية التي تلعبها “ألـ” التعريف في حياتنا، خاصة وان حياتنا فيها من النكرات، والمنكرات لا حد لها، كما بها من المعرفة والجهل الشيء المماثل أيضا، ولذلك يجهد مدرسو اللغة العربية في البدايات الأولى لتلقين “ألـ” التعريف للطلبة في بداية تعليمهم، وكم تضرب الامثال بـ “ال” القمرية، للأسماء التي تكتب فيها “ألـ” التعريف مع النطق، وبـ “أل” الشمسية، للأسماء التي تكتب فيها “ألـ” التعريف من غير النطق، وتظل هذه المسألة شيئا متوهما في بداية الأمر في ذهنية الطالب، حتى يستوعبها استيعاب فهم، لا استيعاب حفظ.
وعلى الرغم من هذا الجهد المعرفي منذ البدايات الأولى لـ “ألـ” التعريف، إلا أنه لا يزال كثير من الناس، ومن الذين مروا بهذه التدريبات كلها يخطئون في كتابة “ألـ” التعريف في الاسماء، ولا نقول لهؤلاء إلا “كان الله في عونكم”، ومشكلة “ألـ” التعريف أنها تتجاوز، في واقع الناس، المعنى اللغوي، حيث يسقطها هؤلاء الناس على كثير في حياتهم اليومية، حيث يصنف الناس، على سبيل المثال، وفق “ألـ” التعريف هذه، وترتب مجالسهم، ومواقعهم وفق هذا المفهوم، سواء على مستوى المستويات الاجتماعية أو الأدارية، وقس على ذلك أمثلة كثيرة في حياتنا اليومية.
ومما تروي كتب التاريخ أن أبا العلاء المعري أثناء مكوثه في بغداد في رحلته العلمية، كان حاضرا في أحد مجالس خلفاء بني العباس في ذلك الوقت، فدخل رجل وتعثر برجل أبي العلاء المعري، فقال الرجل من هذا الكلب، فرد عليه ابو العلاء “الكلب من لا يعرف سبعين اسما للكلب” عندها أدناه الخليفة فوجد فيه الفطنة والذكاء وحب المعرفة، وكثيرا ما نسمع اليوم عندما يشار إلى فلان من الناس، كثيرا ما تستحضر الذاكرة هذا الإنسان، لعلها تجد له “ألـ” التعريف لتنقذه من الإهمال وحكم السفهاء في شخصه وذاته، وفي مجتمعنا التقليدي كثيرا ما تلصق “ألـ” التعريف على ابن فلان، وليس على ما يحمله من معرفة، أو جهد خلاق يكون له شفيعا بين الناس، فلا تزال الأمور تحكم بمرجعياتها التاريخية الواهنة، على عكس ما يفترض، بخلاف المجتمعات الحديثة التي تجاوزت هذه المظان كلها.
وأي كان الأمر فهناك من يحفر في الصخر، فيؤسس عشرات من “ألـ” التعريف بحكم جهده، وصدقه في دنيا الناس، ولا يهمه إن أشار إليه الآخرون او أهملوه، فيكفيه أن عقد من نفسه صفقة رابحة من العمل الصادق الخلاق، وأتاح لنفسه أن تسبح في ميادين الرضا، فتلك هي الغاية، وتلك هي المبتغى.
عُمان
|
|
|
|