|

فى حرب المصطلحات: أسرلة اللغة العربية
د. محسن خضر
الموضوع أوسع من مسعى الفلسفة التحليلية والوضعية على ضبط المفردات، وتحديدها تحديداً دقيقاً، بحيث تتحول الفلسفة إلى خادمة للعلم، وتهيئ للعلماء اللغة المنظبطة التى يستعملونها. والإطار أوسع من مسعى برتراندراسل وفيتجنستين وكارناب وآير وزكى نجيب محمود الممثل الوحيد للاتجاه الوضعى المنطقى فى فضائنا الفلسفى العربى.
إنه يتعلق بصياغة الهوية الحضارية للأمة، وبلورة شخصيتها القومية، والإسهام فى النضال التاريخى لأمتنا ضد المشروع الصهيونى عندما يتعلق الأمر بغزو المصطلحات الغربية والصهيونية لأجهزة إعلامنا ولغتنا وحديثنا اليومى بحيث نضفى المشروعية على مصطلحات مخادعة تخدم فى النهاية مصالح المشروع الصهيونى فى حربه ضد كل ما هو عربى وإسلامى.
كيف تسللت عشرات المصطلحات الاستعمارية والصهيونية إلى لغتنا مع إنها تناهض الحق العربى والفلسطينى فى حقوقه وأرضه ووطنه السليب. هل نحن أمام ظاهرة (أسرلة اللغة العربية) كما يصفها إعلامى بارز مثل صلاح الدين حافظ الأمين العام لاتحاد الصحفيين العرب، وكيف استدرجت بعض فضائياتنا إلى استضافة ساسة وكتاب صهاينة لتمرير منطقهم ومصطلحاتهم ولغتهم، وبحيث يربطونها بالتوراة والتاريخ اليهودى الطارئ فى فلسطين، وتدمير ثقافة الشعب الفلسطينى وسرقة لغته، وتشويه أسماء مدنه وقراه ومقدساته، وطمس ما يدل على عروبتها واسلاميتها، وتزويد كل معلم ولو لشارع أو تل أو طريق؟
وحسنا، فعل اتحاد الصحفيين العرب عندما انتبه بوعى كامل إلى (حرب المصطلحات) فى القضية الفلسطينية، وصراعنا مع المشروع الصهيونى، فأصدر هذا الكتاب (حرب المصطلحات) ليقدم صرخة تحذير هائلة تؤسس بوعى وفهم لخطاب عربى اعلامى وسياسى وثقافى يفند ويفضح الهجمة اللغوية والاصطلاحية العربية والصهيونية على لغة خطابنا الإعلامى والسياسى والثقافى والكتاب يحلل قضية الاسم الصهيونى وتسلل الإسرائيليات المزيفة إلى لغتنا العربية سياسيا وإعلاميا بشكل خاص، وهى هجمة تهدف تزويد وتزيف الحقائق وهو ما نجحت إسرائيل فيه باختراق العالم وصولاً إلى غرف نومنا وواعية لدور الإعلام الحاسم فى تغليب رأى على رأى ولتزوير الفاضح للحقائق والوقائع اليومية بحيث تسلك عشرات المصطلحات والكلمات والأسماء العربية الملغمة اعلاميا عن طريق استعارتها من الإعلام الصهيونى أو نقلها حرفيا من الإعلام الغربى ودون تمحيص أو نقد كما يلاحظ صلاح الدين حافظ (نتذكر أن وكالات الأنباء الأربع الرئيسية فى العالم: رويتر ويونايتوبرس وأسوشيتدبرس والفرنسية تضخ فى اليوم 50 مليون كلمة).
هل نعود إلى ابن خلدون الذى انتبه إلى ظاهرة الهزيمة النفسية عندما حذر من أن (المغلوب مولع بتقليد الغالب) وهكذا تساير الهزيمة الإعلامية والنفسية هزيمتنا الحضارية والعسكرية.
كيف لم ننتبه إلى عشرات المصطلحات والتعابير المدسوسة التى نحتها الإعلام الغربى والصهيونية وفرضها علينا وهى مقدمتها (الصراع العربى الإسرائيلى) بدلاً من (القضية الفلسطينية) و(سكان الأراضى) بدلاً من (الشعب الفلسطينى) و(المستعمرات) بدلا من (المستعمرات) فالأولى تجمع لسكان غرباء، فى حين أن الثانية يقطنها أصحاب الأرض الشرعية، و(مطار بن غوريون) بدلاً من (مطار مدينة اللد) و(المخربون) بدلاً من (الفدائيين) و(ايلات) بدلا من (خليج العقبة) و(بحيرة الجليل) بدلا من (بحيرية طبرية) و(أعمال الشغب) بدلا من (الانتفاضة) و(المظاهرات) و(الدولة العربية) بدلا من (الدولة الصهيونية) وصولا إلى آخر الصيحات المزيفة على المستوى الاعلامى (الانتحاريون) بدلاً من (الاستشهاديين) و(الإرهاب) لوصف (المقاومة).
يلاحظ المفكر الكبير عبد الوهاب المسيرى أن سمات أربع للمصطلحات العربية الصهيونية.
الأولى: أنها تنبع من المركزية الغربية.
الثانية: تصدر عن رؤية إنجيلية لأعضاء الجماعات اليهودية.
الثالثة: ان الصهاينة انطلقوا من المركزية الغربية وعمقوها بإضافة المركزية الصهيونية التى جوهرها هو أن اليهود كيان مستقل وهى ظاهرة (حيبتوية المصطلح) بترويج مصطلحات مثل (التاريخ اليهودى) و(العبقرية اليهودية) و(الجوهر اليهودى).. الخ.
الرابعة: التطبيع بإخفاء صفة العمومية والطبيعية على الظواهر الصهيونية مثل: (الصهيونية باعتبارها القومية اليهودية)، ووصف الصهيونية بأنها (حركة التحرير الوطنى للشعب اليهودى) ومن الخطورة أن تقع أجهزة أعلامنا فى تمرير المسميات الصهيونية دون أن تترجمها أو تعريها، فنحن نستخدم مصطلحات (الليكود) و(المعراج)، و(المتسفاة)، و(الدياسبورا) بدلا من أن نترجمها إلى مقابل عربى، فى حين نترجم مسميات (حزب العمال) و(حزب المحافظين) Conservative Party، وكذلك (الحزب الديمقراطى) و(الحزب الجمهورى) الأميركيين، فلماذا لا نطبق نفس الأمر على الأحزاب الإسرائيلية بدلا من تسويق المسميات اليهودية كما هى فتضفى عليها المشروعية والتطبيق لدى المواطن العربى؟
ويرتبط بالمواجهة تشجيع العقل العربى على التحول من موقف التلقى إلى الإبداع من خلال المعجم الحضارى الخاص بنا كما يدعو المفكر العربى الفلسطينى أحمد صدقى الدجانى بالموقف أمام كل مصطلح وقفة نقدية قبل الانجرار فى فخ استخدامه، فنحدد وننحت مصطلحاتنا الخاصة، نحى القديم ونتفاعل معه، فمن المآخذ التى نلتفت إليها استخدام الغرب لمفهوم (العالمية) ليعنى كل ما هو غربى، من منظور المركزية الغربية، أو تبنى مفهوم (التقدم) الداروينى العار من أى مضمون أخلاقى والذى يعنى فى النهاية غزارة الإنتاج الاقتصادى المادى، والتوسع فى استغلال مصادر الطبيعة لمصلحة الإنسان، والحصول على أكبر قدر من الملذات الدينوية، مع أن مفهوم (التقدم) من وجهة نظر إسلامية يتكامل الحرية بالمسؤولية، وحرية التفكير والتعبير بالعدل، والإبداع الخلقى والجمالى، والإيمان بنظره كونية تعطى التحرر معنى وشكلا دينياً.
ولنا فى تجربة صلاح الدين الأيوبى مع ريتشارد قلب الأسد درس حيث استخدم مصطلح (الموادعة) بالإضافة إلى استخدام مصطلحات (الهدنة) و(المهادنة) و(المسالمة) ولكل سياقه الخاص الدلالى.
كما نجد فى التاريخ العربى درساً آخر، عندما استخدم الفلاحون الفلسطينيون مصطلح (المسكوب) لتسمية المستوطنين الصهاينة فى نهاية القرن 19 ولم يسموهم (الرواد) أو (الحالوب) مما يضفى عليهم المشروعية فى هذه الحالة نجح الإعلام العربى فى الخمسينيات والستينيات فى كسب معركة المصطلحات بالإصرار على التسمية العربية، كما كان الحال فى تسمية (الخليج العربى) بهذا الاسم مع أن المراجع الأجنبية تستخدم مصطلح (الخليج الفارسى) وبالرغم من الحساسية الإيرانية تجاه هذه التسمية.
ولم ينجح إصرار الإذاعة الإسرائيلية على استخدام ألفاظ (المخربون) و(صوت إسرائيل من أورشليم القدس)، واستخدام (يهودا والسامرا) بدلا من (الضفة الغربية)، ولكن بعد الحملة الأميركية ضد الإرهاب طاطأنا رؤوسنا ورضينا بالتشكيك الغربى فى مصطلحات (الاستشهاد) و(الزكاة) بحيث تحولت إلى (إرهاب) و(تمويل الإرهاب)، وهكذا أصبح سليمان الحلبى وعز الدين القسام وجول جمال وأحمد عبد العزيز إرهابيين بامتياز لمجرد مقاومتهم للاحتلال البريطانى والاسرائيلى.
يجب ألا نسمح بالانجرار نحو فرض الرؤية الغربية الصهيونية على مجريات الصراع، بل علينا أن نتجاوز هذا التلقى إلى موقف الإبداع بحيث ننحت من قرآننا وتاريخنا وتراثنا المسميات التى تضفى رؤيتنا على الأحداث والمسميات. نجح الآخرون فى استرقاقنا الاعلامى واللغوى مستغلين فوضى الحرب الأميركية الكونية ضد الإرهاب، وغداً سوف نستسلم لتمرير مصطلح (تحرير العراق) بدلا من (غزو العراق) و(تفكيك قواعد الإرهاب فى لبنان) بدلا من (العدوان على حزب الله) والعدوان على كل قطر عربى.
هذه معركة جديدة فرضت علينا: أسرلة الإعلام العربى ويجب ألا نخسرها كما خسرنا حروبا كثيرة غيرها.
الوطن
|
|
|
|