|

إنجليز أكثر من الإنجليز
أ. عبدالله السالم
زرت مرة معرضا للجامعات أقيم عندنا في الدوحة، تجولت بين مكاتب الجامعات الأجنبية الموجودة.
وتوقفت عند ركن إحدى أعرق الجامعات الأسترالية، وتبادلت الحديث مع الموظفة هناك عن آلية تقديم أطروحة الدكتوراه في أكثر من تخصص، وأخبرتني أن كل شيء متاح، والخطوة الأولى أن أتقدم بعرض مخطط مقترح للأطروحة التي أريد: PROPOSAL.
ولأن اللغة العربية لغة محرمة في الحرم التعليمي عندنا، محرمة ومعيبة فإني كنت أتحدث باللغة الإنجليزية، إلا أني وجهت سؤالا مشروعا لممثلة القبول والتسجيل في الجامعة الأسترالية العريقة هكذا:
ماذا إن قدم إليكم طالبٌ المقترح التخطيطي باللغة العربية ؟
فأجابت: لا شك أنه أسهل لو قدم باللغة الإنجليزية لكن لا بأس، قدمه إلينا باللغة العربية ولدينا في الجامعة جهة مختصة بالترجمة سنترجمه ونرفعه للكلية المختصة.
إذن القيمة لديكم في المادة المقدمة، وليست اللغة إلا وسيلة موصلة إلى هذه المادة، ولن تقف في وجه العلم. الأمر هكذا عندكم إذن !
ويسألون كثيرا لماذا تقدم علينا الغرب !
بالله عليك لو أنك طرحت هذا السؤال البشع الأحمق أعلاه في إحدى الدوائر التعليمية لدينا، ما الذي سيحدث ؟
أولا ستمر ثوانٍ من الصمت ثم ستسمع انفجار الضحك حولك من قبل الموظفين، ثم سيعنفك الموظف بصوت متقطع من شدة الضحك المتواصل، فإذا فشل في مواصلة الكلام سيرمي أوراقك في الخارج ويشير إليك بيده وهو غارق في الضحك المتواصل أن: الحقها الحقها، وأنت ذاهب للخارج ستسمع بعض التندر والشتائم التي يختمها بقوله: «لا عاد أشوف رقعة وجهك هنا يا جاهل» وربما سيتطوع ثقافيا ويتصل بالشرطة ليقبضوا عليك بتهمة الإقدام على أفعال غير لائقة في مكان عام.
لدينا شعور شبه عام بالنقص، ولغتنا وعاداتنا وأزياؤنا أشياء نخجل منها، ولا نظهرها في الأماكن العامة.
والآن نحن مشغولون بتعليم أطفالنا اللغة الإنجليزية والثقافة الغربية منذ الولادة.
حسنا اللغة الإنجليزية مهمة ونافعة وهي لغة العصر اضطرارا، لكن لا يكون تعليمها على حساب ضياع وازدراء لغتنا الأم !
إن كنا متحسرين أننا ولدنا نتكلم العربية فعلى الأقل من باب الرضى بالواقع.
نحن ولدنا مسلمين ولغتنا هي العربية ومهما فعلنا لا يمكن أن نغير هذه الحقائق، ومهما تعلمنا الإنجليزية فلا يمكن أن نكون إنجليزا، لن نكون إنجليزا أكثر من الإنجليز أنفسهم، أولئك الذين لا يتحسسون من قبول أطروحة دكتوراه بالعربية في إحدى جامعاتهم العريقة.
هذا التوجه لدينا بتعلم اللغة الإنجليزية والثقافة الإنجليزية أصبحت تأخذ منحى مزعجا.
ففي التوظيف مثلا أصبح إتقان اللغة الإنجليزية أهم معايير القبول، حتى لو كانت طبيعة العمل في تلك الجهة تتطلب إتقان شيء آخر.
وفي الوقت الذي نرى فيه الناس في إعلامنا ومحافلنا العامة يتخبطون في أساسيات اللغة العربية بلا حسيب ولا رقيب نجد أننا مهتمون أكثر من اللازم بتلقين أطفالنا أعمق قواعد اللغة الإنجليزية.
وتخيل جيل هؤلاء الأطفال بعد عشر سنين وهم يتحدثون في مكان عام، يتحدثون بلغة عربية مضحكة وحين تستعصي على أحدهم كلمة يتلعثم ويقولها بالإنجليزي، هل يرضيكم هذا ؟
الوطن
|
|
|
|