|
ندوة تمكين اللغة العربية
هدى سلوم
إن الحياة كما أراها لعبة لغة.فأن تعرف كيف تلعب معها وبها وفيها، هذا يعني أنك تعرف كيف تعيش، فاللغة شخصية وسمات وخصائص، وبالتالي فهي هوية.
إنها الجسر الذي يصل بين الحياة والفكر. وهي عنصر أساسي وأولي في الحياة الاجتماعية،فعندما تتعرض أمة ما لأخطار فإنه لمن الطبيعي أن تتعرض لغة هذه الأمة للأخطار ذاتها،ولكن ما يمكن أن نقوله في هذا، هو أن المجتمع الذي يقدم الاختراعات في مجال ما، يحول المجتمعات الأخرى إلى مجتمعات متلقية تبحث أول ما تبحث عن تسميات لهذه الاختراعات وهنا يظهر التمايز بين لغات هذه المجتمعات، لأن بعضها يمتلك الخصائص القادرة على استيعاب متطلبات التطور والازدهار العلميين وتتبوأ اللغة العربية منزلة مرموقة بين هذه اللغات.
هذه المقدمة بدأ بها الدكتور محمد بصل محاضرته (العربية وتحديات الراهن) في ندوة تمكين اللغة العربية بدار الأسد للثقافة، حيث تابع بقوله:
إن لغة المجتمع المنتج سوف تهيمن وتطغى وقد تلغي المجتمع المتلقي تماماً، وفي التاريخ أمثلة كثيرة، إلا أن اللغة العربية وعلى الرغم مما اقترضته قديماً وحديثاً لم تضعف أو تضمحل والدليل هو أن هذه اللغة وصلتنا بعد قرون طويلة من الاحتلال والاستعمار وحملات التشويه والإلغاء في بعض الحالات،قوية وغنية وسليمة ومحافظة على أحكامها وقواعدها ونواميسها،فالخصائص التي تمتلكها العربية في بنيتها تجعلها قوية ومتجددة ولقد آن الآوان لينزع مجمع اللغة العربية طربوشه وينخرط في مسارات الواقع ومستجداته، وأضاف:
إن اللغة العربية هي من أكثر اللغات التي شغف بها أصحابها، فتكلموا عليها وألفوا فيها ووضعوا لها القواعد والمقاييس ووضعوا خصائصها وضعاً علمياً معمقاً، فالاشتقاق هو وضع وتوليد وتلبية أكيدة لدلالات جديدة،وإن البحث عن تسميات جديدة لمفهومات جديدة يجب أن ينجز في إطار الحقل الاشتقاقي للكلمة والحقل الدلالي للمفهوم، فالحل كامن في اللغة ذاتها ولعل اللغويين العرب وعوا تماماً الوظائف البنيوية للغة، وعلى الرغم من أن العربية هي التي كانت تقرض اللغات الأخرى فإنها في أيامنا تقترض أكثر مما تقرض، فإن أحداً لا يرجع على هذه الخصيصة التي تتيحها اللغة ذاتها ناهيك عن الأنواع المتعددة للاشتقاق وهذا ما يجعل العربية متفردة في قوتها فهل الناطقون بها أقوياء اليوم؟
يلجأ الباحثون المحدثون في الأغلب الأعم إلى التعريب قبل الاشتقاق والتعريب هنا بمعنى الترجمة أو النقل أو التوليد وليس بمعنى أن المعرب هو كلمات أعجمية باعتبار الأصل وعربية باعتبار الحال ولا حتى بمعنى أن تتفوه به العرب على مناهجها بحيث أن ما عربته العرب صار عربياً، بل بمعنى إضافة أل التعريف في أحسن الأحوال للكلمات الأجنبية، وعندما نواجه لفظاً أعجمياً ونتعرف على مفهومه ولا نقدر على اختصار هذا المفهوم بلفظة عربية فإننا نعرب اللفظة الأجنبية أي نكسبها وزناً من أوزان العربية ونخضعها لأحكام العربية، لكن النتيجة التي توصل إليها ابن جني في القرن الرابع الهجري هي التي تختصر إشكالية التعريب برمتها وتضعنا نحن أبناء القرن الواحد والعشرين أمام حقيقة لغوية لا يستطيع العلم إنكارها: إن ما قيل عن كلام العرب فهو من كلام العرب وكل ما عرب من ألفاظ أعجمية صار عربياً لأن العرب أجرته مجرى أصول كلامها.
واختتم الدكتور بصل حديثه قائلاً:
ثمة مسائل وأبنية وأوزان وأحكام في العربية يقاس عليها الكلام الأجنبي، فيصبح كلاماً عربياً، هذا ما قاله الخليل واستخدمه سيبويه ونظر له ابن جني، فهل نخشى على اللغة أكثر من هؤلاء العلماء؟ بل هل يخشى على العربية وهي التي تملك أحكاماً وضوابط ومقاييس قادرة على استقبال وهضم كل ما دخل وما سيدخل إليها؟.
- الدكتور عدنان الأحمد، شارك بمحور آخر في الندوة (اللغة العربية والمعاصرة)، حيث قال بداية:
في السبعينيات من القرن الماضي نشرت دار مير في موسكو مجموعة كبيرة من الكتب العلمية الحديثة بالعربية منها:
بيولوجيا الفضاء، طاقة الذرة، علم التحكم الأتوماتيكي،أسس الميكانيكا التطبيقية، الرياضيات العالمية للمدارس الفنية وغيرها...وهذا كله ينفي أي شك يقدرة اللغة العربية على المعاصرة، وتابع:
أعرف أن الحديث عن لغة عربية معاصرة طويل ومتشعب، يمتد إلى التعليم، والإعلام والأدب والنقد....وغير ذلك كما أنه يرتبط بمستويات اللغة نفسها، ولكنني أعرف أيضاً أن هذا الحديث ينبغي أن يبدأ من الاهتمام باللغة وينتهي إليه ولذلك فإنني أرى أن أي اتهام للغة جهل وأية رغبة في الاستعانة باللغات الأخرى عجز وكل دعوة إلى استبدال العامية بها تخريب وأرى أنه من الواجب أن نبحث عن طريقة للتواصل مع العربية والوقوف على قدراتها وأسرارها أفضل من التي نتعامل معها بها حتى اليوم، ينبغي علينا أن ندرس اللغة دراسة توليدية لا أن ندرس النحو التوليدي وحده، ومن المؤسف أن النشاط العلمي في دراسة اللغة العربية الذي بدأ منذ وقت باكر على يد الخليل بن أحمد (175 ه) وتلميذه سيبويه (180 ه) لم يلق من الاهتمام والرعاية ما ينهض به ليكون علم لغة عربياً مستقلاً ومن المؤسف أيضاً أن الدراسات الصوتية العربية القديمة لم تلق من الاهتمام والرعاية ما ينهض بها لتكون علم صوتيات عربياً، مع أن ابن جني (392 ه) استعمل لفظه ((علم)) للدلالة على هذا اللون من الدراسة اللغوية قبل أكثر من ألف عام، وأضاف: نحن بحاجة إلى دراسة لغتنا دراسة جدية، حقاً، إننا نهتم بالنحو العربي وهذا شيء عظيم ولكننا نهتم به من حيث هو قواعد لتعلم إنشاء الجمل السليمة ولتعلم الكتابة الصحيحة في حين أن النحو هو قوانين للفكر داخل هذه اللغة وبعبارة بعض النحاة القدماء: النحو منطق العربية، ولكن دور النحو في أداء المعنى لا يحظى إلا بقليل من الأهمية ولذلك يتخرج طلابنا من الجامعات وهم يلمون بأبرز القواعد النحوية ولكنهم لا يعرفون إلا شيئاً يسيراً عن وظيفة تلك القواعد في التعبير ومع ذلك فإن ما تزودوا به من النحو أكثر بكثير مما تزودوا به من الدراسة اللغوية والصوتية، ولذلك فإنهم لا يعرفون إلا شيئاً يسيراً عن طريقة توليد الألفاظ وشيئاً أقل عن أهم خصائص أصوات الحروف العربية ويجهلون أو يكادون وظيفة هذه الأصوات في أداء المعنى.
وأشار الدكتور الأحمد إلى انه ليس في العربية مشكلة فهي قادرة على أن تكون معاصرة عندما تريد ذلك فقال:
ولكن ذلك يتطلب منا أن نكون على معرفة بها وبإنجازات العصر الذي نحن فيه، لكي نحسن اختيار اللفظ الملائم للمعنى المراد التعبير عنه، إن المعاجم لا تفرخ ألفاظاً جديدة من تلقاء ذاتها، وأصحابها لم يكونوا على دراية بكل ما يمكن أن نحتاج إليه من ألفاظ ليضمنوها ما يكفينا مؤونة البحث، المعاجم تقدم كما كبيراً من الألفاظ والنحو يقدم قدراً كبيراً من القواعد والصرف يضع بين أيدينا خلاصة بحوثه في بنية الكلمة المفردة وما يطرأ عليها من تغيير يقصد به إلى التجانس الصوتي أو الخفة أو يتغير به المعنى تغيراً خاصاً والبلاغة تمدنا بطرائق الاستخدام المجازي للغة ويبقى أن نعرف نحن حاجاتنا ونحسن استخدام لغتنا على النحو الذي يجعلها قادرة على التعبير عن تلك الحاجات ولذلك استطيع القول بيقين شديد إن ما تتهم به لغتنا من عجز عن المعاصرة اتهام باطل وإن العجز الذي نشعر به هو عجزنا عن فهم لغتنا وعجزنا عن تطويرها، وتابع:
أجدادنا كانوا يتقنون لغتهم ويعتزون بها، أحاطوها بالمحبة والرعاية فنمت وأتت أكلها، أما نحن فنظرتنا إليها نظرة لا تخلو من ريبة وتعلقت عيوننا وأفئدتنا باللغات الشقر وما يدور حولها، فلا نحن وصلنا إليها ولا نحن نعمنا بوصال لغتنا، وقد ترتب على ذلك مشكلات جمة في الترجمة والتعريب، ليس أدل عليها من أزمة المصطلح التي نعانيها والتي تعود إلى سببين مباشرين، الأول قصور في فهم الدلالة الدقيقة للمصطلح والثاني القصور في فهم طبيعة العربية والسببان يعودان إلى عدم توحيد الجهود العربية في رعاية اللغة وحمايتها.
واختتم الدكتور الأحمد حديثه برؤية الأستاذ الأرسوزي فقال:
لقد رأى الأستاذ الأرسوزي أن دراسة اللسان العربي تستلزم اتجاهين، الأول يتناول ثلاثة مباحث هي:
مبحث الأصول: وبه ترجع الكلمة بالاشتقاق إلى الأصواب المقتبسة عن الطبيعة، ومبحث البيان: وبه تتعين العلاقة بين الصيغة والمعنى من جهة وبين وظيفة الكلمة وإعرابها من جهة أخرى، على اعتبار أن الصوت بادرة طبيعية للمعنى، ومبحث الإيقاع: وبه يدرس التصريف والإعلال والإدغام والإبدال.
أما الاتجاه الثاني فهو اتجاه المعنى وينبغي أن يتناول:
أمر الحدس الذي نكشف عن وجهاته المختلفة الكلمات المشتقة من المصدر ذاته سواء أكانت صوراً حسية أم مفاهيم معنوية، أمر تعيين ما كان لتداعي الصور ولظروف التاريخ من تأثير في إيجاد عدد عظيم من مشتقاته، أمر الكشف عن مغزى القواعد النحوية، مغزى تتضح به العقلية العربية ومراميها في الحياة.
الوحدة
|
|
|
|