|

لغتنا العربية، وعلاقتها بالثقافة - 1
د. رضا العطار
اللغة العربية هي لغة الثقافة للآقطار العربية, وعلى الفاظها بنئ المجتمع الذي نعيش فيه
فيجب ان ندرسها ونتعرف الى ما جل ودق من معانيها, علما اننا لا نستطيع ان نفكر بلا لغة. اي ان معانينا انما هي الفاظ قبل كل شئ, وتفكيرنا انما هو كلام صامت. والكاتب الذي مارس الكتابة هو اول من يعكس صحة ما اقول. فان المعاني كثيرا ما تأتي عقب الآلفاظ, وقلة الكلمات في لغة المتوحشين هي من اكبر الآسباب لتوحشهم لآنهم لايجدون المعاني الراقية لعدم وجود الكلمات التي تعين هذه المعاني.
واللغة التي تحتوي الكلمات الدقيقة التي تعين المعاني المفهومة المحدودة تساعد الآمة على الرقي خلاف اللغة التي تحتوي الكلمات على معاني مختلفة واحيانا متناقضة فانها تأخر الآمة لانها تفسد المنطق وتعطل التفكير. وهي تكون عندئذ بمثابة النقد الزائف الذي لا يشترى بمقدار ما كتب عليه من قيمة او ان قيمته تزيد او تنقص بلا حساب.
ولغتنا العربية مع العناية في الاستعمال وانتخاب الاحسن من الالفاظ وترك السيء تعد من افضل اللغات. ونستطيع مع هذه العناية ان نصل منها الى الاسلوب الاقتصادي او حتى الى الاسلوب البرقي في التعبير. ولكننا ورثنا عادات كتابية جعلت لغة العرب عند امم العرب الان كما كانت اللاتينية عند الاوربين في القرون الوسطى. اي مجموعة من الزخارف اللفظية والمرادفات السخيفة والامعان في الآعيب البلاغية الصبيانية حتى انقطع التفاعل بينها وبين المجتمع، فالمجتمع يتطور بعيدا عن اللغة العربية التي اصبحت خرساء لا تنطق بكلمات نحو مائة علم وفن باصطلاحات حديثة تتماشى وروح العصر، يستمتع وينتفع بها جميع الامم المتمدن دوننا.
ولهذا الانفصال القائم بين اللغة والمجتمع نجد ان الادب متأخر لا يعبر عن النفس العربية, بل اننا لا نكاد نعرف ما هو فن الدرامة بصورة وافية لهذا السبب ايضا. وهناك من يزعم اننا سوف نكتب كما نتكلم الان باللغة العامية. بل يجب ان نسعى ونجد كي نصل الى هذه الغاية. والخبط كثير في هذه المشكلة وانها في الحقيقة مشكلة التفكير.
فالثقافة العربية واللغات الاخرى في مباراة، سوف تسقط فيها اللغة التي تعجز عن التثقيف والخدمة. وهناك حركات ذهنية جديدة مثل الحركة السينمائية اي البلاغة الجديدة التي تطارد الزخارف وتبتكر الالفاظ المفيدة. وهناك – الانجليزية الاساسية – التي تعتمد على 946 كلمة اساسية فقط لدراسة اللغة ويقصد منها تعميم الانجليزية في العالم كله بتسهيلها الى اقصى حد ممكن حتى لا يحتاج الآجنبي لتعلمها الا بضعة اشهر . واول
ما نحتاج اليه نحن العرب لاصلاح لغتنا ان نجعل زيادة كلمة في التعبير خطأ لا يختلف من الخطأ في نصب الفاعل او رفع المفعول .
وطالب الثقافة في البلاد العربية يحتاج الى ان يعرف اللغة العربية معرفة دقيقة ووافية حتى لا يجد نفسه غريبا عندما يقرأ كتاب الاغاني او مؤلفات المعري او ابن خلدون . وخير الطرق لتعلم اللغة ان ندرس الموضوعات التي نهتم بها فتنتقل الينا كلمات اللغة في الجو الذي استعملت فيه. فالطبيب العصري يمكنه ان يقرأ في لذة وفهم كتاب
ابن ابي اصبيعة – طبقات الاطباء – وهو عندئذ لا يبالي بعض الكلمات التي تصادفه مهما تكن غريبة عليه لانه سيفهمها في جو المعاني المحيطة بها. ودارس الفلسفة يستطيع ان يتابع ابن رشد او ابن سينا في التعبيرات الغريبة التي يعجز المتخصص في اللغة عن فهمها. ويجب ألا نتعمد دراسة اللغة كأنها مادة منفصلة, لان الواقع ان اللغة هي اسلوب للتعبير. والتعبير يعني في النهاية معالجة موضوعات.
ولسنا نقصد من هذا الى اننا لا نحتاج الى معجم نستشيره كلما صادفتنا صعوبة لغوية بل بالعكس, فان طالب الثقافة لا يمكنه ان يستغني عن الرجوع الى المعجم واستشارته من وقت لاخر, وعليه ان يدرك ان دقة الفهم والتمييز تعني دقة التعبير. والكاتب الذي يرضى بالجملة المفككة ويهمل العبارة المحبوكة على قدر المعاني المطلوبة انما يؤذي القارئ لانه يحمل اليه تفكيرا مفككا غير محبوك.
كما يجب علينا الا نترك دراسة اللغة للمتخصصين لاننا اذا فعلنا هذا اهملنا الوسيلة العظمى بالتفكير, لاننا نفكر باللغة. ومن الافضل لكل مثقف ان يمارس الكتابة. اما بطريق مراسلة الصحف واما بتأليف رسالة او كتيب في موضوع يهتم به. لان الكتابة تحمله على التدقيق في اختيار الكلمات والدقة في استعمالها. والفائدة تعود عليه في النهاية لانه يتعود هذه الدقة في دراسته وتربيته الذاتية.
ويجب ان نميز بين الفهم السلبي والفهم الايجابي للغة. فاننا حين نتعلم اللغة الانجليزية مثلا انما نعني اننا نتعلم قراءتها. فنحن نقرأ كتابا انجليزيا فيكون فهمنا سلبيا. ولكن اذا كنا نقرأ هذا الكتاب ثم نعالج تلخيصه باللغة الانجليزية فان فهمنا له يعتبر فهما ايجابيا.
صوت العراق
|
|
|
|