تأثير اللغة في النمو الاقتصادي و الاجتماعي في الدول العربية

د. محمد مراياتي

يتجه الاقتصاد عالمياً نحو اقتصاد مبني على المعرفة. ومن النظريات الاقتصادية الحديثة التي تصف هذا التوجه: "نظرية النمو الجديدة". تبيّن هذه النظرية أهمية المعرفة العلمية والتِّقانية في النمو المستدام، ومن ثَم في توليد فرص العمل، وزيادة دخل الفرد، وفي التنويع الاقتصادي. كما تتجه المجتمعات نحو ما يسمى "بمجتمع المعلومات".
 إن الجهود والاستثمارات الكبيرة التي تضعها الدول العربية للتوجه نحو (مجتمع المعلومات) لن تكون مجدية إذا لم يرافقها وجود المعرفة والمعلومات العلمية والتقانية باللغة العربية لكي تكون في متناول الفرد العربي. إذ لن يقوم مجتمع المعلومات في الدول العربية بدون وجود معرفة باللغة العربية.
 سنركز في هذا البحث على دور استعمال القوى العاملة للّغة العلمية والتقانية في زيادة النمو الاقتصادي. وهذا الدور - حسب رأي بعض الاقتصاديين - أكبر أثراً بكثير من الدور الثقافي أو الفني أو الأدبي. على أن استعمال القوى العاملة للّغة العلمية والتقانية لن يتحقّق إلا إذا كان تعليم العلوم والتقانة يجري باللغة الوطنية لهذه القوى العاملة.
 سنتجنب في هذا البحث موضوع الاستثمار الاقتصادي في تعلّم اللغة الأم (أو اللغة الثانية) في الوجوه الثقافية، أو الفنية، أو الأدبية. فبعض الاقتصاديين يرى أن المبالغ المصروفة في هذه الحالة هي - من الناحية الاقتصادية - استهلاك وليست إنتاجاً، إلا إذا أخذنا بالحسبان موضوع وحدة الأمة(Socio political integration) والحالة النفسية الجماعية للأمة (Socio psychological identity) فعندئذ يُعَدّ هذا الاستثمار من باب المصاريف الثقافية غير الاستهلاكية.
 هناك حقيقة هامة تجدر الإشارة إليها، وهي أن البحوث والدراسات في اقتصاد اللغة تكاد تكون معدومة في الدول النامية. على حين أن الاهتمام باقتصاد اللغة بدأ قبل عقدين في العديد من الدول المتقدمة، وما زالت البحوث والدراسات في هذا المجال تتزايد باطراد؛ آية ذلك إنشاء مجموعات بحثية لدى مختلف أقسام الاقتصاد في الجامعات ومراكز البحوث لهذه الغاية.
      يعالج هذا البحث أيضاً مسألة تعاظم أهمية اللغة في عملية النمو الاقتصادي والاجتماعي، ووظيفة اللغة في هذه العملية. ثم يتطرق باختصار إلى علاقة اللغة بالاقتصاد، ودورها في الاقتصاد العالمي، وخاصة في زمن المناداة بالعولمة من جهة، وبروز التكتلات الاقتصادية من جهة أخرى. ثم نأتي على ذكر النظريات أو النماذج الأساسية في اقتصاد اللغة، وأهمها: نظرية رأس المال البشري (Human Capital)، ونموذج التجارة (Trade Model)، ونموذج العائدات المتأتية عن انتشار اللغة (Network externalities). ثم ننتقل بعد ذلك إلى الحديث عن أثر الترجمة ونشر اللغة العلمية والتقانية في نقل التقانة (أو نقل المعرفة عموماً). وأخيراً نوجز القول في بعض الآثار السلبية التي تنتج عن التقصير في ترجمة العلوم، وفي تعليم العلوم بغير اللغة الأم، أو لغة القوى العاملة. وننهي البحث ببعض الاستنتاجات والتوصيات.

أولاً - ازدياد أهمية اللغة في النمو الاقتصادي
 يتجه الاقتصاد العالمي أكثر فأكثر نحو الاعتماد على المعرفة، ونحو اقتصاد يدعى بالاقتصاد المبني على المعرفة (Knowledge based economy). وتتعاظم في هذا الاقتصاد قيمة المعلومات وأهميتها، كما تزداد فيه قيمة ودور الأصول غير المادية (intangible assets) أو الأصول المعرفية. ومن ظواهر هذا التحول توجه المجتمعات أيضاً إلى ما يسمى بمجتمع المعلومات (Information Society). ويميل البعض إلى إطلاق تعبير ثورة المعلومات على هذا التحول الذي يشهده العالم حالياً.
 ومن أهم مظاهر هذا التحول تعاظم تأثير العلم والتقانيا (المعرفة) في النمو الاقتصادي. وقد انكبّ علماء الاقتصاد الكبار على محاولة فهم هذا التحول وقياسه، وطوّروا نظريات النمو الاقتصادي القائمة (Growth theory)، وطرحوا نظريات جديدة؛ فقد أَدْخلَ سولو Solow - عالم الاقتصاد المعروف والحائز جائزةَ نوبل - عاملَ التقدم التقني (Technical Progress) على النظرية الكلاسيكية الجديدة للنمو الاقتصادي. ورأى اقتصاديون في أواخر الثمانينيات وفي التسعينيات من القرن الماضي أن هذا غير كافٍ ليؤدي العلم والتقانيا دورهما في النمو الاقتصادي، وذلك لأن هذا العامل يدخل بصفة خارجية (exogenous)، لذلك طرحوا نظرية جديدة تربط النمو بالتقدم العلمي والتقاني بأسلوب مباشر وبصفة داخلية (endogenous). ومن هؤلاء الاقتصاديين باول رومر (Paul Romer) من جامعة ستانفورد – وهو مرشح للحصول على جائزة نوبل على هذه النظرية التي سُميت "بنظرية النمو الجديدة" New growth theory. وخلاصة القول أن النمو الاقتصادي لبلد ما (أو إقليم ما) يرتبط ارتباطاً مباشراً بالمستوى العلمي والتقاني لهذا البلد، وخاصة مستوى القوى العاملة فيه، وبمعدل النمو العلمي والتقاني.
 إن اللغة هي وعاء المعرفة العلمية والتقانية، لذلك فإن دور اللغة العلمية والتقانية في تحسين مردود القوى العاملة (أي بلغة الأم) يتعاظم بدرجة كبيرة مع التوجه نحو الاقتصاد المبني على المعرفة. وتُعدّ الترجمةُ العلمية من وسائلِ إغناء اللغة العلمية والتقانية للقوى العاملة، أي من وسائل النهوض الاقتصادي والاجتماعي.
 ومن المعروف أن النمو الاقتصادي هو مفتاح حلِّ أهم القضايا الاقتصادية العربية المعاصرة؛ وهي: توليد فرص العمل، وتنويع النشاطات الاقتصادية، وزيادة دخل الفرد؛ أي زيادة الناتج الإجمالى المحلي العربي. كل هذا يبيّن أهميةَ الدور الذي تنهض به اللغة العلمية والتقانية للقوى العاملة العربية، وأهميةَ تعليم العلوم والتقانيا باللغة العربية، وكذلك الترجمة في المجالات العلمية والتقانية، وربما يعطي مؤشراً لأحد عوامل الإخفاق الاقتصادي العربي الحالي؛ لأن القوى العاملةَ العربيةَ ضعيفةُ المعرفة، ولا تتحدث في العلم والتقانيا بلغة الأم.
 ومن المفيد هنا التذكير بحقيقة هامة تبيّن مدى الإخفاق الاقتصادي الذي أشرنا إليه آنفاً، وهي أن الناتجَ المحلي العربي للدول العربية مجتمعةً هو قرابةُ 600 مليار دولار سنوياً، (ومن ضمنه النفط والغاز والفوسفات وغيرها). وهذا الناتج يزيد قليلاً عن ناتج هولندا وحدها، وهو ثلث ناتج إيطاليا، ونصف ناتج إسبانيا!!
 من جهة أخرى فإن عملية التنمية لا تجري إلا بالتنمية البشرية المستدامة، وهذه لا تتحقق دون الاستثمار الصحيح للإنسان وخاصة معرفته، وهذا بدوره يفضي إلى لغته العلمية والتقانية.
 وأخيراً، فإن التوجه نحو الإقليمية الذي يقابل انتشار العولمة (الاتحاد الأوربي، NAFTA ....) يتطلب الاهتمام بلغة الوطن العربي، والاعتناء بالترجمة العلمية والتقانية، وبتعليم العلوم باللغة العربية في جميع الدول العربية للتوجه نحو اقتصاد عربي معرفي، وللاستفادة - كما سنرى - من عائدات اقتصادية كبيرة تتأتى عن طريق ما يسميه الاقتصاديون بعائدات التشبيك الناتجة عن وجود اللغة المشتركة في التجمعات الإقليمية.

ثانياً - وظيفة اللغـة في النمـو الاقتصـادي
 يُعدّ استعمال اللغة بمردود جيد وكفاءة عالية أساسياً لتحقيق النمو، وضرورياً في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وذلك لعدة أسباب منها: أولاً تُوفِّر اللغةُ تبادلَ ونقلَ المعرفة والخبرة بين أفراد المجتمع ومؤسساته، وهي وسيلة التواصل بين أجزاء منظومة العلم والتقانيا أو مركبات النظام الوطني للإبداع، فهي كالمال؛ إذا توفَّر تحقَّق تبادُل السلع من وجهة النظر الاقتصادية (وظيفة communicate)، انظر الشكل (1). ثانياً: يحقِّقَ إتقانُ القوى العاملة للغة العلمية والتقانية نقْلَ التقانيا للمجتمع من منابعها العالمية (وظيفة translate). ثالثاً: إن العمل المشترك المنتِج والفعّال في المكتب والمصنع والحقل يحتاج إلى لغة علمية وتقانية حيّة. وإن العمل المشترك والتعاون ضمن الأمة يؤدي إلى زيادة دخل الجميع، وهذا لا يتحقق إلا باستعمال اللغة الأم (وظيفة cooperate). رابعاً: إن تعلم العلم والتقانيا والتدرب عليهما، وتحويل هذه المعرفة إلى خبرات وإلى أفعال ومنتجات وخدمات، يحتاج إلى لغة (وظيفة learning) . خامساً: إن استخدام التقانيا استخداماً فعّالاً من قبل القوى العاملة ومن قبل كامل المجتمع، وخاصة استخدام تقانة المعلومات والاتصالات، يحتاج إلى انتشار هذه التقانات بلغة الأم، للوصول إلى ما يسمى بمجتمع المعلومات، الذي لا يمكن أن يكون بلغة أجنبية!
 أخيراً نذكر أن البنك الدولي أجرى دراسةً شملت أكثر من 60 دولة وأكثر من 60 ألف جهة مختلفة، ولُخِّصَت نتيجة هذه الدراسة في أن حاجة الدول النامية إلى تحقيق النمو الاقتصادي تكمن في رفع مستوى المعرفة لأفراد المجتمع، لا في مساعدات إنسانية.

ثالثاً -  اللغـة والاقتصـاد
يعدٌّ "رأس المال البشري" مثل "رأس المال المادي" عاملاً من عوامل النمو، وتُعدّ عائدات الاستثمار في كل منهما أساساً للنمو. وإن تعلم وممارسة اللغة العلمية والتقانية بالعربية هو رأس مال بشري كما سنرى لاحقاً. وكذلك فإن دور اللغة في الاقتصاد يوازي دور النقد.
      عند النظر في الأهمية الاقتصادية للغة، لا بد من التمييز - ولو بوجه تقريبي - بين عدة مستويات أو أنواع للّغة. فمن هذه المستويات والأنواع ما يُعدّ، من وجهة النظر الاقتصادية، رأس مال بشرياً له عائد اقتصادي ويؤدي دوراً في النمو الاقتصادي، ومنها ما يُعدّ استهلاكاً ثقافياً، ومنها ما هو مكتسب طبيعي لا أثر له في النمو الاقتصادي.
   نميز فيما يلي بإيجاز بين المستويات والأنواع التالية:
1- لغة الأم، وهي تُكتسَب وفق مستويين:
أ – اللغة العامة، التي يتعلمها الفرد في البيت بهدف التواصل العادي، وهي مكتسبة؛
ب- اللغة العلمية والتقانية، التي نتعلمها اختيارياً وفق قرارات فردية وحكومية، وتُعدّ زيادةً في رأس المال البشري للفرد وللمجتمع؛

2- اللغة الثانية، يمكن اكتسابها أيضاً وفق مستويين:
أ - اللغة العامة، التي يتعلمها الفرد بهدف الترفيه والثقافة والسياحة (وتعد في معظمها استهلاكاً)
ب – اللغة العلمية والتقانية، التي يجري تعلُّمها اختيارياً من قبل الفرد ومن قبل الحكومة، وتُعدّ زيادة في رأس المال البشري تؤدي إلى نمو اقتصادي.
 إذاً فاستعمال اللغة العلمية والتقانية من قبل القوى العاملة باللغة الأم، ومن قبل فئة من القوى العاملة باللغة الثانية إضافة إلى اللغة الأم، يعدّان خيارين متاحين للفرد وللحكومة (أو المجتمع)، ويحتاجان إلى استثمار مالي، ويعتبران زيادة في رأس المال البشري كما سنرى لاحقاً.

والترجمة العلمية والتقانية تُعد وسيلة أساسية من وسائل تطوير المستوى الثاني (2-ب) سواء للّغة الأم، أو للّغة الثانية، ويُعدّ كذلك تعليم العلوم والتقانيا بلغة الأم وسيلة أخرى.
 إن رأس المال البشري هذا يزداد وينمو بالممارسة والاستعمال، على عكس رأس المال المادي الذي يُستهلك بالاستعمال مع الزمن.
 إن استعمال اللغة العلمية والتقانية ضروري لكل القطاعات الإنتاجية والخدمية. ولكن بدرجات متفاوتة من قطاع إلى آخر. والجدير بالذكر أن هناك قطاعات إنتاجية وخدمية شديدة الاعتماد على اللغة (Language intensive) ولا بد من العمل فيها واستثمارها اقتصادياً للغة الأم. وتزداد هذه القطاعات عدداً وأهمية مع توجُّه الاقتصاد نحو اقتصاد المعرفة. ومن أمثلة هذه القطاعات: الإعلام، والدعاية، والنشر، والطب، والتسلية، والخدمات الاستشارية، وتقانة المعلومات، والإنترنت...
 ويقول الاقتصاديون إن العائد الاقتصادي للاستثمار في إتقان لغة العلم والتقانيا بلغة الأم مؤكَّد، نظراً للوظائف الاقتصادية للّغة التي ذكرناها آنفاً، أما الاستثمار في إتقان لغة العلم والتقانيا باللغة الثانية، فلا يحصل إلا إذا استُعملت هذه اللغة في النشاطات الاقتصادية.
 ومن المعروف أن كثيراً من الدول قد تنبَّهت إلى دور اللغة الاقتصادي، واستثمرته. ومن الأمثلة العالمية على قيام تكتلات اقتصادية وسياسية وثقافية مبنيّة على اللغة، تكتلات: الكمنولث، والفرانكوفونية، والجامعة العربية. وتختلف أهمية دور اللغة الاقتصادي بين تكتّل وآخر.
 هذا وإن العديد من الدول ذات المجتمعات المتعددة اللغات، اعتمدت لغة رسمية لتدريس وتعليم العلم والتقانيا بها، وتترجِم إليها رسمياً. ولم تكن دواعي هذا الاعتماد ثقافيةً وسياسية فقط، بل كانت لما هو أهم منها، وهو الدواعي الاقتصادية. ومن أمثلة هذه الدول: ماليزيا، وسنغافورة، وهونغ كونغ، وتنزانيا. وعند رسم العلاقة بين الناتج الإجمالي المحلي وعدد اللغات لبعض الدول? نجد أنه كلما كثر عدد اللغات في دولة ما قلَّ ناتجها الإجمالي ، انظر الشكل رقم (2)
من جهة أخرى يبين المخطط رقم (1-آ) لغات العالم الرئيسية وعدد المتكلمين الأصليين بها عام 1999، العربية هي الخامسة قبل الروسية والألمانية واليابانية والفرنسية !!!!. ويبين المخطط (1-ج) أن العربية والإسبانية هما ، خلافاً لكل اللغات الأخرى، أكثر اللغات تشتتاً في العدد الكبير من الدول التي تنطق بها !!! وأخيراً المخطط رقم (1-ب) يؤكد أن العربية تبقى في المرتبة الخامسة عالمياً عندما نأخذ بالحسبان متكلمي اللغات الأصليين والثانويين.
 وأخيراً وليس آخراً، نشهد في العالم توجهاً لدعم اللغات الإقليمية في مقابل العولمة، وهناك مؤشرات على توجه العالم إلى وجود عدة لغات عالمية (Lingua franca) تجني عائدات اقتصادية من تعلم الغير لها مثل: الإنكليزية، والفرنسية، والإسبانية، والصينية، والألمانية، والعربية. وتقول إحدى النظريات إن بقاء اللغة مرهونٌ بما يُتداول فيها من إبداع وابتكار علمي وتقاني وثقافي. وهذا كله يستدعي اختيار دعم الترجمة العلمية والتقانية إلى اللغة العربية، ويستدعي تعليم العلوم والتقانيا باللغة العربية حتى تبقى إحدى لغات (Lingua franca).  
 تشير الإحصائيات المتعلقة بوجود اللغة العربية على الإنترنت إلى أنها تأتي في المرتبة 16، أما من حيث عدد المتكلمين بها فهي من اللغات الخمس الأولى (انظر المخطط 1 )، وهي لا تزال من اللغات الست الرسمية في الأمم المتحدة.

رابعاً - النقد ( أو العملة ) و اللغة
تعد اللغة كالنقد من الناحية الاقتصادية ، فالنقد يستعمل لتسهيل تبادل السلع أو الأ صول المادية و رفع كفاءة هذا التبادل و إنتاجيته ، و اللغة تستعمل لتسهيل تبادل السلع أو الأ صول الفكرية ، ومن ثَم المعرفة و منها العلوم و التقانيا. إن عمليات التصميم و الإنتاج و التجميع الصناعي تجري بفعالية و بإتقان

باستعمال اللغة العلمية و التكنلوجية. و من هذا المنطلق ذهب الاقتصاديون إلى معالجة قضايا اللغة (و خاصة العلمية و التقانية) باستعمال القوانين و المبادىء التي يعالجون بها قضايا النقد أو العملة ، فهناك تَوازٍ بين اللغة و النقد، انظر الشكل (1). فأولاً: كما أن للأمة رصيداً أو ثروة نقدية، لها أيضا رصيدٌ أو ثروة لغوية، وثانياً: كلٌّ من العملة و اللغة "تصك" و يعتنى بتنظيم "صكها" و لا تترك دون تحكم و متابعة من قبل الدولة، و ثالثا ً : تأتي قيمة النقد و كذلك قيمة اللغة من تداولها، فإذا أهملت الدولة التداول بعملتها أو بلغتها (مثلاً التعليم بغير اللغة الوطنية) فإن لهذا آثاراً اقتصادية هائلة.  رابعاً: هناك قيمة وظيفية للنقد أو قيمة استعمالية و تمثلها النقود الورقية، و كذالك هناك قيمة  وظيفية للغة تمثلها لغة الحياة اليومية و لغة تبادل المعلومات اليومية من أجل وظائف الحياة العادية. وهناك من جهة أخرى قيمة سلعية للنقد، تمثلها النقود الذهبية أو الفضية مثلاً، التي لها قيمة في ذاتها إضافة إلى قيمتها الرمزية بصفتها نقداً، و كذلك اللغة فهناك معلومات علمية و تقانيية لها قيمتها في ذاتها لما لها من قيمة إنتاجية، وهي سلعة في ذاتها لا بد من دفع الذهب للحصول عليها. خامساً: تعتمد كفاءة عمل المؤسسات في كل قطاع اقتصادي على حسن تبادل المواد و السلع و الآلات، ويسهل النقد و آلياته هذا التبادل، وكذلك تعتمد أيضاً علي تبادل المعلومات و الخبرات و تسهل اللغة العلمية و التقانية هذا التبادل. إن غنى اللغة المستعملة في كل قطاع اقتصادي تعتمد على نمو اللغة الوطنية، و على كمية الترجمة إليها من المعرفة العالمية للعلوم و التقانيا، و على نمو المصطلحات العلمية و تداولها و انتشارها، انظر الشكل (3). سادساً: إن  تعدد المصطلح العلمي و التقاني و عدم تداوله هو "تضخم" في اللغة، أي ازدياد كمية مفرداتها دون استعمال لها، ومن ثم دون قيمة لها. ويحْدث هذا أيضاً في التضخم النقدي، حيث يزداد النقد و لكن تنقص قيمته الشرائية. سابعاً: إن وحدة العملة في دولة ما أو في أمة ما تؤدي الى مكاسب اقتصادية كبيرة معروفة. وهذا دعا إلى توحيد العملة حتى عبر الدول، لا لدولة واحدة أو لأمة واحدة. وكذلك اللغة فإن تعدد اللغات المتداولة و خاصة في المجالات العلمية و التقانية

في دولة ما يؤدي إلى خسارات اقتصادية كبيرة. فإذا رسمنا تابعَ أو منحنيَ تَغَيُّرِ الناتج الإجمالي المحلي في الدول مع تغير عدد اللغات لهذه الدول، ينتج التابع المبين في الشكل (2). أي إن كل دولة يزداد فيها عدد اللغات المستعملة ينقص ناتجها القومي، و من ثم ينقص دخل الفرد فيها.  ثامناً : إن تراكم رأس المال في اقتصاد ما يؤدي إلى زيادة نمو هذا الاقتصاد، وكذلك تراكم الرصيد اللغوي الحي للدولة. فرأس مال الأمة ثروة، وهو نتاج عمل الجماعة وكذلك الرصيد اللغوي، وتداول المصطلحات العلمية والتقانية يوازي تداول السلع. تاسعاً: صيرفة العملات ونشر استعمال عملة ما خارج دولتها يوازي الترجمة بين اللغات ونشر استعمال لغة ما خارج دولتها، انظر الشكل (4). لقد وجد بعض الاقتصاديين علاقة مطردة بين انتشار عملة دولة ما وانتشار لغتها (اللغة الإنكليزية

والدولار، واللغة اليابانية والين، وهكذا). عاشراً : يجب أن يكون لكل حكومة برامج لدعم استعمال اللغة الوطنية داخلياً، ودعم استعمالها لدى الدول الأخرى أي تصدير اللغة الوطنية، وهذا ما يسعى له العديد من دول العالم، وعائدات ذلك كعائدات استعمال نقد دولة ما من قبل الدول الأخرى. إن الدول التي تتداول بعملة غير العملة الوطنية وبلغة علمية وتقانية غير اللغة الوطنية، تخضع لتبعية اقتصادية تؤدي إلى جمود وعدم تطور العملة الوطنية واللغة الوطنية. حاديَ عشر : إن إيجاد وتوزيع النقد دون التداول به وظيفياً كإيجاد التعليم ونشر العلوم والتقانيا بغير لغة القوى العاملة، ومن ثَم عدم تداول العلوم والتقانيا من قبل هذه القوى. إن تطوير التعليم فقط (وضمناً الإقلال من الأمية) لا يؤدي بالضرورة إلى النمو والتنمية، خلافاً للانطباع العام السائد. المطلوب هو محو "الأمية الوظيفية للغة". فالأمية الوظيفية للغة (عدم تداول العلوم والتقانيا ضمن كل قطاع وبين القوى العاملة فيه) تجلب خسائر للأعمال تقدر ببلايين الدولارات سنوياً (تقرير Beton and Noyelle OECD). التعليم شرط لازم للنمو ولكن غير كاف كإيجاد النقد وعدم تداوله. والاستثمار في التعليم الذي لا يرافقه استثمار في تداوله من قبل القوى العاملة، هو استثمار ذو مردود ضعيف على النمو. ثانيَ عشر : اللغة كالنقد، فهي من مسؤوليات الحكومة، إذ لا بد لكل دولة من سياسة نقدية ناجحة. وبالمثل لا بد لها من سياسة لغوية وطنية معلنة، ومن خطط خماسية وسنوية، ومن تمويل لتنفيذ هذه الخطط، وذلك من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية مثلها في ذلك مثل السياسة النقدية، انظر الشكل (5). وكما أن هناك آليات لتنفيذ السياسة النقدية، هناك آليات موازية لتنفيذ السياسة اللغوية. والاستثمار في اللغة من مسؤوليات الحكومة بالتعاون مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، وهو مشروع استثماري كالاستثمار في الأدوات المالية. ومن أدوات السياسة اللغوية المعاجم والترجمة و الترجمة الآلية وبرمجيات معالجة اللغات الطبيعية والنشر والتعليم، وغيرها.

المعلوماتية