|

اللغة العربية في إفريقيا.. حضور قوي ودور متراجع
أ. عمر عبد الفتاح
لقد كان للإسلام الدور الأبرز في انتشار اللغة العربية؛ حيث سارت العربية مع الإسلام جنبا إلى جنب، وحلقت معه أينما حل وحيثما ارتحل، كما كان للهجرات العربية لإفريقيا دور في نشر اللغة العربية، كذلك كان للتجار وللطرق الصوفية وللدعاة وللمعلمين جهود صادقة في نشر الإسلام واللغة العربية في إفريقيا.
ولم يتوقف الأمر عند إلمام مسلمي إفريقيا باللغة العربية على القيام بالشعائر الدينية، أو إتقان بعضهم لقواعد العربية وعلومها، بل انتشرت العربية في كثير من الأقطار الإفريقية، حتى إنها استخدمت كلغة تواصل مشتركة بين القوميات المختلفة القاطنة في هذه الدول، كما استخدمت كلغة للتعليم وللثقافة وللأدب، وظهرت الكتب والمصنفات التي وضعها كثير من العلماء الأفارقة المسلمين باللغة العربية في شتى مجالات العلم؛ وخاصة العلوم اللغوية والشرعية، كذلك دونت عشرات من اللغات الإفريقية بالحرف العربي، بل والأكثر من ذلك أن العربية استخدمت كلغة للإدارة والحكم في كثير من الدول الإفريقية، فوُضِعت بها المراسيم، وصيغت بها القوانين، وصارت لغة المراسلات والمكاتبات الحكومية.
غير أن اللغة العربية شهدت تراجعا ملحوظا على الصعيد الإفريقي؛ وخاصة في أعقاب قدوم الاستعمار الأوروبي للأراضي الإفريقية، وما صاحبه من فرض ونشر للغات المستعمر، ومحاربة لنفوذ وتفوق وانتشار العربية على الساحة الإفريقية، فتوقف الامتداد الكبير الذي حققته العربية خلال عصور التفوق الحضاري الإسلامي، وبدأ انحسار وتراجع اللغة العربية أمام تقدم اللغات الأوروبية.
ورغم ما تعرضت له اللغة العربية من تحديات ومعوقات منذ قدوم الاستعمار الأوروبي لإفريقيا، وفقدانها لكثير من الإنجازات التي حققتها فيما مضى، إلا أن حضورها في القارة الإفريقية -جنوب الصحراء- لا زال مشهودا وإن تفاوت من منطقة لأخرى.
فما زالت اللغة العربية والثقافة الإسلامية تتمتعان بحضور قوي في بلدان شرق وغرب إفريقيا، أما في وسط إفريقيا فباستثناء تشاد وشمال الكاميرون؛ لا نكاد نجد للغة القرآن الكريم أثرا كبيرا.
وفي دول جنوب إفريقيا يصل حضور اللغة العربية لأقل معدلاته في دول القارة الإفريقية تقريبا، وربما يعود السبب في ذلك إلى أن الإسلام يمثل دين الأقلية في هذه البلدان، ونحن نعلم أن خريطة الإسلام تكاد تطابق خريطة انتشار اللغة والثقافة العربية في إفريقيا.
العربية والإسلام.. ارتباط وثيق
أما عن أهم أدوار واستخدامات اللغة العربية في إفريقيا جنوب الصحراء فهي كما يلي:
يعد الدور الديني أحد أهم الأدوار التي تقوم بها اللغة العربية على الإطلاق في دول إفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث تعد العربية اللغة الدينية للمسلمين هناك؛ فهي لغة القرآن الكريم، ولغة الشعائر الدينية، وبها تقام الصلاة، وتلقى خطب الجمعة والعيدين، وفي بعض الأحيان تلقى بها دروس العلم في المساجد، ولذلك فإنها تتمتع بمكانة كبيرة في نفوسهم، وهم ينظرون إليها نظرة احترام وتقديس، وهي في نظر كثير منهم لغة الفكر والحضارة والتاريخ، ولغة الرسالة التي يحملونها في الحياة، وهي لغة علمائهم وفقائهم وأئمتهم، وهي بالنسبة إليهم ليست لغة قبيلة معينة، أو شعب معين، ولكنها لغة الأمة والإسلام، مهما اختلفت لغاتهم وألوانهم وأوطانهم وأزمانهم.
ويحرص الكثيرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء على تعلم العربية؛ فأي مسلم -بصرف النظر عن لغته الأم- لابد له من الإلمام ببعض العبارات العربية، مثل الشهادتين "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله"، أو عبارة التحية "السلام عليكم"، أو البسملة، أو غيرها، كما يجب عليه حفظ الفاتحة وبعض الآيات القرآنية باللغة العربية؛ حتى يستطيع أن يؤدي صلاته.
ومن أراد أن يزداد تفقها في شئون دينه فعليه أن يزداد علما باللغة العربية؛ ليطلع على المؤلفات الدينية الأصيلة من كتب الفقه والشروح والتفاسير والحديث... إلخ.
وأدى هذا الارتباط الوثيق بين اعتناق الإسلام واللغة العربية لمنح العربية درجة من الانتشار في كل المناطق التي تضم جماعات مسلمة، وكلما زاد عدد المسلمين كانت فرصة إقامة حلقات العلم والمدارس الإسلامية أكبر، الأمر الذي يستتبع انتشارا للغة العربية.
حضور فاعل في مؤسسات التعليم
تتمتع اللغة العربية بحضور فاعل في التعليم في عدد غير قليل من دول إفريقيا جنوب الصحراء، سواء في التعليم الإسلامي الأهلي أو في التعليم الحكومي، وإن كان حضور العربية أكثر بروزا وكثافة في التعليم الأهلي عنه في التعليم الحكومي.
فللعربية وجود قوي في المؤسسات التعليمية الإسلامية التقليدية كالخلاوي، والكتاتيب، والمحاضر، والدارات.
ويتم تعليم العربية في هذه المؤسسات بشكل بدائي، والهدف الأساسي منه ديني؛ حيث يتم تعليم العربية من أجل تمكين الطلاب من قراءة وتلاوة القرآن الكريم، والنصوص الدينية الأخرى المكتوبة بالعربية، وغالبا ما تنتهي هذه المرحلة بختم الطالب للقرآن الكريم.
ونظرا لأن هذه المدارس القرآنية لا تفي بمتطلبات العصر؛ لعدم تدريسها المواد الحديثة، كما أنها في الغالب لا تخضع لإشراف الحكومة، ولا تحظى باعترافها؛ لذلك أخذت هذه المدارس في فقد الكثير من أهميتها، ولكن رغم ذلك ما زالت هذه المؤسسات التقليدية تحظى بحضور شعبي واسع في الدول الإفريقية جنوب الصحراء.
أما في المؤسسات التعليمية الإسلامية النظامية الأهلية، التي تضم عددا من المدارس والمعاهد الحديثة، والتي قد تتبع بعض المنظمات والجمعيات الأهلية، أو تتبع أفرادا، فهي عادة ما تعتمد العربية لغة للتدريس فيها، وهي تطبق المنهج الدراسي الأزهري، أو المنهج السوداني، أو المنهج السعودي، أو المنهج الجزائري، أو المنهج الليبي، طبقا للجهة الممولة.
والبعض الآخر منها يتبع مناهج ومقررات وزارة التعليم في دولها؛ بحيث تدرس المواد المختلفة بلغة الدولة، بالإضافة إلى تعليم اللغة العربية والتربية الإسلامية كمواد دراسية.
وهذا النوع من المدارس ينتشر في معظم دول إفريقيا جنوب الصحراء، وتجد هذه المدارس قبولا كبيرا من المسلمين؛ نظرا لما تتمتع به من إمكانيات تعليمية أكثر تقدما؛ ولأنها ذات مستوى تعليمي أفضل، بالإضافة إلى أن عددا من الحكومات الإفريقية اعترفت بها وبالشهادات التي تمنحها.
الاستخدام في وسائل الإعلام
تستخدم اللغة العربية في وسائل الإعلام في دول إفريقيا جنوب الصحراء بنسب متفاوتة من دولة لأخرى، كما تتباين نسبة حضورها في وسائل الإعلام الحكومية عن نظيرتها الخاصة؛ ففي دول شرق إفريقيا -على سبيل المثال- نجد أن اللغة العربية تحظى بحضور ملحوظ على الساحة الإعلامية بشكل عام:
ففي جيبوتي يبث التلفزيون الحكومي ساعة للأخبار باللغة العربية يوميا، كما يفرد للبرامج الثقافية ساعات معتمدة بالعربية ليومين في الأسبوع، وللبرامج الدينية ساعات معتمدة بالعربية لثلاثة أيام أسبوعيا، أما الإذاعة فتبث ثلاث ساعات بالعربية يوميا للبرامج المختلفة، إلى جانب ساعة للأخبار بالعربية، كذلك تصدر جريدة "القرن" الحكومية الناطقة بالعربية مرتين أسبوعيا.
وفي إثيوبيا تخصص الإذاعة الإثيوبية ساعة يوميا من إرسالها للبث باللغة العربية، وتتناول هذه الفترة الأخبار المحلية والعالمية، كما تتضمن بعض البرامج والأغاني العربية.
كما تصدر عدة صحف إثيوبية باللغة العربية، ومنها: صحيفة "العلم" الحكومية، وهناك أيضا بعض الصحف والمجلات العربية المستقلة التي تصدر في إثيوبيا مثل: مجلتي "بلال" و"الرسالة"؛ وهما مجلتان إسلاميتان تعكسان وجهة النظر الإسلامية والمجتمع المسلم في إثيوبيا، أما التلفزيون فلا يقدم أي برامج دينية إسلامية أو عربية.
وبالنسبة لإريتريا نجد أن وضع اللغة العربية في الإعلام يكاد ينعدم باستثناء صحيفة حكومية وحيدة هي "إريتريا الحديثة"، بالإضافة إلى وجود رمزي ومحدود للغة العربية في الإذاعة الإريترية.
والأمر اللافت للنظر هو الغياب الإعلامي الواضح للغة العربية في دولة الصومال العربية، كذلك يقل حضور العربية بشكل عام في بقية دول شرق إفريقيا
وفي دول غرب إفريقيا نجد كذلك حضورا للغة العربية في وسائل الإعلام المختلفة: ففي مالي تستخدم العربية في الإذاعة والتلفزيون والصحافة؛ فتستخدم في بث الأخبار في الإذاعة الوطنية مرّة في الأسبوع كغيرها من اللغات الأجنبية، إضافة إلى برامج تعليم اللغة العربية عبر الإذاعة الحكومية والمستقلة، كذلك ظهرت بعض الصحف العربية كالمستقبل، والصداقة، والنجم.
وفي نيجيريا تبث إذاعة صوت نيجيريا بالعربية، وفي سيراليون يوجد حضور محدود للعربية، يتمثل في منشورة شهرية تصدر في "فريتاون" بهدف تنمية عادة القراءة بين التلاميذ والمعنيين بالعربية؛ وذلك في إطار دعم مشروع التعليم العربي.
وفي دول جنوب إفريقيا يقل حضور العربية بشكل كبير في وسائل الإعلام المختلفة: ففي دولة مثل جنوب إفريقيا؛ والتي شهدت فترة ما بعد التفرقة العنصرية نشاطا إعلاميًّا موسعا من قبل المسلمين في مجال الدعوة للإسلام، حيث نُشرت الملصقات، وطُبعت المجلات، وأُصدرت الصحف، وافتتحت بعض المحطات الإذاعية والقنوات التلفزيونية، ودُشنت المواقع الإلكترونية.
ورغم هذا كله لم تستخدم اللغة العربية في هذا النشاط؛ بل تم استخدام اللغة الإنجليزية في أغلب الأحيان، وهو ما يشير إلى تراجع وضعف حضور العربية إعلاميا في ذلك الإقليم بشكل عام.
العربية كلغة رسمية
يقصد باللغة الرسمية اللغة المستخدمة في إدارة وتسيير الأعمال الحكومية، والتي تتم بها المكاتبات والمراسلات وكافة أعمال الدولة، وغالبا ما ينص دستور الدولة ويحدد لغتها، أو لغاتها الرسمية، وفي أحيان قليلة أخرى يمسك عن ذكرها.
والملفت للنظر في هذا الشأن أن أغلب الدول الإفريقية، وخاصة الدول الإفريقية جنوب الصحراء، تبنت اللغات الأوروبية كلغات رسمية لها؛ حيث نجد أن هناك ثلاثا وأربعين دولة، من بين ثلاث وخمسين دولة إفريقية تستخدم اللغات الأوروبية كلغات رسمية؛ حيث اختارت اثنتان وعشرون دولة إفريقية اللغة الفرنسية لغة رسمية لها، بينما توجد تسع عشرة دولة إفريقية تستخدم اللغة الإنجليزية لغة رسمية لها، في حين اعتمدت خمس دول إفريقية اللغة البرتغالية لغة رسمية لها، أما اللغة الإسبانية فقد أقرتها دولة واحدة لغة رسمية لها.
وهناك بعض الدول التي اختارت لغة إفريقيا كلغة رسمية أولى، أو ثانية إلى جانب إحدى هذه اللغات العالمية.
أما عن الدول التي اختارت اللغة العربية كلغة رسمية لها في إفريقيا، فنجد أنها لم تقتصر فقط على دول شمال إفريقيا الناطقة بالعربية، والتي تضم مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، بالإضافة إلى السودان وموريتانيا؛ بل تعدتها لتضم أربع دول إفريقية أخرى اختارت اللغة العربية لغة رسمية لها، إلى جانب لغات أخرى؛ وهذه الدول هي: تشاد، وجزر القمر، وجيبوتي؛ والتي تبنت العربية كلغة رسمية إلى جانب الفرنسية، والصومال التي اختارت العربية كلغة رسمية إلى جانب اللغة الصومالية؛ ليصير بذلك عدد الدول الإفريقية التي اختارت العربية لغة رسمية لها إحدى عشرة دولة.
لغة تعامل مشترك
لا يعد وجود اللغة العربية كلغة رسمية في بعض دول إفريقيا جنوب الصحراء الشكل الوحيد لحضورها هناك، بل نجدها حاضرة بقوة في عدد من الدول الأخرى؛ باعتبارها لغة وطنية لبعض القوميات بها؛ بحيث تتحدث هذه القوميات اللغة العربية، وتستخدمها في التعامل فيما بين أفرادها، أو تستخدمها كلغة إدارة للإقليم الذي تقطنه، أو تستخدمها في بعض مراحل التعليم بها.
فعلى سبيل المثال نجد أن دولة إثيوبيا، التي حوربت فيها اللغة العربية لفترات طويلة، وتم العمل على تحجيمها من قبل ملوك وحكام إثيوبيا، رغم عدد المسلمين الكبير بها، شهدت مؤخرا الاعتراف باللغة العربية كلغة وطنية لإقليم بني شنقول - جوموز المتحدث بالعربية والمجاور للحدود السودانية، والذي اختار اللغة العربية كلغة للإدارة والعمل بالإقليم، وكلغة تعليم في مرحلة التعليم الأوَّلي؛ وذلك وفقا لدستور1994 الذي نص على اعتبار الأمهرية لغة العمل والإدارة للحكومة الفيدرالية الإثيوبية، مع إعطاء وضع متساو لكل اللغات الإثيوبية، كما منح كل إقليم في الاتحاد الفيدرالي الحق في تحديد لغات العمل الخاصة به.
وفي دولة مالي تعد اللغة العربية -المتمثلة في اللهجة الحسانية- إحدى اللغات الوطنية الأساسية المفصلة في القانون 049- 96 المتضمن كيفية ترقية اللغات الوطنية، والذي حرره واعتمده المجلس الوطني للنواب في أغسطس 1996، وتولت رئاسة الجمهورية نشره وإذاعته.
وبناء على هذا القانون تتمتع هذه اللهجة بكافة الحقوق المكفولة لسائر اللغات المحلية، وتلعب نفس الأدوار؛ كالتوعية ونشرة الأخبار في الإذاعة والتلفزة الوطنية.
\كما تعد اللغة العربية إحدى اللغات الوطنية في النيجر طبقا لدستور 1989؛ رغم أن نسبة متحدثيها كلغة أم في النيجر قليلة نسبيا؛ حيث تصل لحوالي % 0.3 من عدد السكان البالغ 8 ملايين نسمة.
إلا أن وضع اللغة العربية -كلغة تعامل مشترك في دول إفريقيا جنوب الصحراء- آخذ في التراجع أمام انتشار وسيطرة اللغات الإفريقية المحلية الكبرى؛ كالسواحيلية والصومالية والأمهرية في شرق إفريقيا، والهوسا والفولانية والماندينجو في غربها من ناحية، وأمام التقدم والنفوذ الكبير للغات الأوروبية الرسمية في تلك الدول من ناحية أخرى.
أما في بقية الدول الإفريقية جنوب الصحراء التي لا تستخدم فيها العربية كلغة رسمية أو كلغة وطنية، فنجد أن حضورها قد يكون ماثلا أيضا من خلال دورها الديني، ومن خلال وجودها في منظومة التعليم الأهلي أو الرسمي، كما ذكرنا من قبل.
وختاما ودون جلد للذات، أو إلقاء بالتبعة على الغرب والاستعمار، ودون سرد لتوصيات واقتراحات، يمكن القول: إن العربية في إفريقيا جنوب الصحراء قد استعادت بعض عافيتها بعد مرور حوالي نصف قرن على رحيل الاستعمار، ولكن ليس هذا هو أقصى ما تطمح إليه العربية من منزلة؛ فاللغة العربية بما لها من مكانة في نفوس مسلمي إفريقيا مرشحة لتتبوأ مكانة أعز من ذلك؛ بشرط أن ترتبط بمصلحة من يتعلمها، وأن تضمن له حراكا اجتماعيا، وتوفر له فرص عمل مناسبة، وبعبارة أخرى: أن تكون اللغة العربية لغة دنيا ولغة دين، دون إفراط أو تفريط.
أون إسلام
|
|
|
|