|

جامعة الدمام وعبود خطرٌ على العربية
د . مبارك الخالدي
الأسبوع الماضي, وفي قاعة الدراسة، ضحكت في داخلي حتى كدت أستلقي على قفاي. لم يكن ذلك بسبب قول أو فعل بدر من أحد الطلاب في احدى مجموعات المستوى المتقدم في اللغة الانجليزية في المسار الطبي. ولكن من موضوع كان عليهم مناقشته فيما بينهم وشرح مضامينه وإجابة الاسئلة عنه: عدد من أقوال مشاهير غربيين. وكان ضحكي بالتحديد من السيناريو الذي رحت أرسمه لما أعتقد أنه يتعين عليّ القيام به بسبب هذا الموضوع. ويتلخص السيناريو في أن أكتب خطاباً إلى معالي مدير جامعة الدمام أتهم فيه الجامعة بالتآمر على اللغة العربية، والإسهام مع المتآمرين الآخرين في القضاء عليها قضاء مبرماً, وأُردف على الاتهام بالتهديد بنقل الموضوع إلى وكالات الانباء العربية والأجنبية إن لم ترعو الجامعة وتعود الى رشدها وتتوقف عن تهديد بقاء لغتنا الأم بإلغاء تلك الأقوال وما قد يوجد مثلها في الكتب الأخرى. فوفقاً لاستطلاع نشر في جريدة (اليوم) الاسبوع الماضي أيضا، يرى بعض المثقفين «أن استخدام الاقتباسات الغربية يشكل خطراً على اللغة العربية»، إذ «يؤدي إلى تجاهل التراث واللغة والإبداع عند البعض». والجامعة بفرضها على الطلاب تَعلُّمَ مثل هذه الأقوال المأثورة عن فلاسفة ومفكرين وأدباء غربيين تشكل خطراً لا يستهان به على اللغة العربية والتراث.
وأُوضح لمعالي مدير الجامعة في خطابي التاريخي الذي أدافع من خلاله عن مستقبل لغتي الأم، أن هؤلاء المثقفين ليسوا ضد الانفتاح على الآخرين والتواصل معهم في عملية تبادل وتلاقح علمي وثقافي وحضاري، ولا ضد البعثات لتلقي العلم وتعلم لغات الآخرين؛ فمنهم من يرقص فرحاً لو أن ابنه أو ابنته تكلمت الانجليزية بلكنة هندية أو فلبينية أو سيرلانكية بحسب جنسية الخادمة في بيتهم، ومنهم من يرسل أبناءه في الصيف للإقامة مع أسرٍ غربية من أجل تعلم لغة من اللغات الأجنبية. لكنهم من جانب آخر حريصون على أمن وأمان اللغة العربية والحفاظ على خصوصيتها -هي الأخرى- وذلك بحمايتها من اقتباس أقوال الغربيين. امتداداً لهذا الموقف الغيور على لغة الضاد، فإنه خليق بجامعة الدمام الموقرة أن تشارك في صد هذا الخطر الداهم الذي يتهددها بشطب أو تمزيق كل الصفحات التي تحمل عبارات وأقوالأ غربية، وفرض عقوبة قوية رادعة لكل من تسول له نفسه من الطلاب والطالبات تضمين أقوال وأمثال واقتباسات غربية في بحوثهم، أو تبادلها في أحاديثهم.
هذا هو موجز الخطاب ضمن سيناريو يمكن تنفيذه وإن بقدر قليل من الصعوبة. أما الصعوبة الحقيقية التي لا أزال أواجهها فتتعلق بكيفية التعامل مع منير عبّود كبير المتآمرين على اللغة العربية. لم أقرأ أي شيء خَطّهُ، كما يقال، يراع عبّود ويتضمن اقتباسات لأقوال وعبارات لغربيين. ولكن عبّود وبخبث منقطع النظير وَفرّ لغيره من الذخيرة ما يكفي لإثخان جسم اللغة العربية بالجراح التي يصعب برؤها. فهذا المتآمر الغامض ألف موسوعة تحوي أكثر من عشرة آلاف قول ومثل وحكمة، وسماها (موسوعة الأمثال والحكم والأقوال العالمية)، وحملتها أرفف المكتبات في انتظار هواة ومحترفي الاقتباسات الغربية ليرصعوا بها كتاباتهم وحالاتهم وتعليقاتهم الفيسبوكية وغير ذلك.
موسوعة عبّود ليست صفحة في كتاب يمكن، وبسهولة، نزعها وتمزيقها أو طمسها بالأسود. إنها كتاب متوافر في المكتبات من الخليج الى المحيط، والتخلص منه بأية طريقة من الطرق يتطلب مجهودا قومياً هائلاً لا يمكن القيام به لأن الجامعة العربية بجلالة قدرها ليست في وضع يؤهلها للقيام بهذه المهمة.
لكن ثمة طريقة أخرى عملية ومجربة في الغرب، وفي الولايات المتحدة تحديداً: تنظيم حملة صيد ساحرات (مكارثية قومية عربية)، لمطاردة المقتبسين الجدد والقديمين، والزج بهم في السجون لحماية التراث واللغة والابداع من شرهم المستطير.
اليوم
|
|
|
|