اللغة العربية ومواكبة روح العصر

د. نادية رمضان النجار

 لا شك في أن حيوية أية لغة ومرونتها تتمثل في مقدرتها على مواكبة روح العصر؛ وذلك بأن يستعملها أبناؤها في جميع مناحي حياتهم العلمية والتعليمية والفنية والحضارية ليس هذا فحسب، بل أيضًا هي التي تتعدى حدودها لتنال وضعًا جيدًا في الخارج؛ فتصير لغة العلم وأسلوبه ومنهجه ومصطلحه، ولا يتحقق ذلك إلا بتوفر الخصائص الآتية:
1- وضوح يجلو الحقائق ويعين على فهمها واستيعابها.
2- دقة تعصم من الخطأ وتجنب من الفضول وتطابق المراد.
3- بساطة وبعد عن التعقيد الذي يسلم إلى الإبهام والغموض.
4- أن تكون مصطلحات العلم صادقة الدلالة على المعنى العلمي الذي يُراد بها، بعيدة عن كل ما يورث الالتباس، مؤنس الدلالة محدد المفهوم([1]).
وبالرغم من توفر هذه السمات في اللغة العربية ذاتها وقدرتها العلمية على مدار التاريخ. إلا أنها عاجزة في الوقت الحاضر عن استيعاب علوم العصر، ولا تفي بأغراض تدريس هذه العلوم؛ لافتقارها إلى المصادر العلمية والفنية، وافتقارها إلى المصطلحات الدقيقة كذلك.

والحقيقة أن هذا واقع لا يمكن إنكاره، إلا أنه لا يرجع إلى العربية ذاتها وإنما يرجع إلى المتكلمين بها، ولاسيما من العلماء الذين كفواعنالابتكاروالتفكيرالعلمي المبدع، وقنعوا في بعض الحالات بالتقليد والنقل للفكر الغربي، ومن الطبيعي أن نقل الفكرة الأجنبية أو تقليدها يستتبع حتمًا وبالضرورة نقل الوسائل اللغوية المعبرة عنها، واستخدام مصطلحاتها الفنية. والعكس يحدث مع العالم المبتكر المنشئ، فهو يملك أدوات تعبيره، فهي بمثابة القوالب اللغوية التي يبلور فيها فكره وإبداعه([2]). ويؤكد ذلك العالم الفرنسي "فندريس" إذ يقول: «الواقع إننا لا نعلم إطلاقًا لغة قد قصرت عن خدمة إنسان عنده فكرة يَود التعبير عنها»، ثم يقول عقب ذلك: «فلا ننصت إذن إلى أولئك المؤلفين العاجزين، الذين يُحَملون لغاتهم مسئولية النقص الذي في مؤلفاتهم؛ لأنهم هم المسئولون على وجه العموم، عن هذا النقص»([3]).
بالإضافة إلى ما سبق هناك أسباب أخرى أدت إلى ضعف العربية وعجزها عن مواكبة روح العصر ومنها:
1) ما قام به الأتراك عندما عمدوا إلى تتريك الدواوين والجيش والتعليم فضعفت العربية([4])، ثم ازداد ذلك الضعف عندما وقعت الدول العربية تحت نير الاستعمار شرقًا وغربًا، فقصد إلى إحلال لغته محل اللغة العربية، بدعوى صعوبة قواعدها تارة، وصعوبة كتابتها تارة أخرى، وعدم مواكبتها لروح العصر تارة ثالثة؛ ومن ثَمَّ أصبحت اللغة الأجنبية هي اللغة التي تدرس بها العلوم، بدعوى أنها لغة عالمية وأنها غنية بالمصطلحات الدقيقة والواضحة الدلالة.
2) تأثر بعض أبناء العربية بلغة أجنبية درسوا علومهم بها واستدعت دراستهم تعلم جانب من قواعدها وأصولها فيدينون لتلك اللغة بولاء عجيب يتجاوز حد المعقول ويُزَهِّدُهم في العربية ويصرفهم عن الإيمان بمقدرتها على استيعاب العلوم وبجدوى التعريب، وليس معنى ذلك أن ننغلق على أنفسنا، فلا نتصل بالثقافات الأخرى، بل على العكس فالانفتاح على الآخر وثقافته مطلب ضروري، إلا أن ذلك يستلزم من جانب آخر الحفاظ على الأصالة والهوية القومية؛ فيتطور المجتمع ويتغير دون أن يفقد هويته الأصلية، ويتقبل التغير دون أن يغترب فيه، وبذلك يجمع بين التراث والمعاصرة. ولعل كثيرًا من هؤلاء لم تسنح لهم الفرصة للاطلاع على دقائق اللغة العربية ولطف خصائصها في التعبير وسعة عطائها في الوضع والاشتقاق والمجاز، ولو تسنى لهم اكتشاف بعض ذلك لما وقفوا منها هذا الموقف المتهاون الظالم([5]).
3) ضعف الملكة التعبيرية لدى كثير من الباحثين والدارسين، حين يعجزون عن إيصال حقائق المعرفة، أو التعبير عنها بدقة؛ فينقطع ما بينهم وبين أهل العلم من أسباب التواصل الفكري، وتهبط قيمة ما يريدون عرضه وإضافته إلى المعرفة من جانب، وتضيع جهود قيمة ثمينة لو ملك أصحابها ناصية التعبير الواضح السليم لعادت بنفع عظيم، ولأثرت تقدمًا ومزيدًا من السعة في المعرفة([6]).
4) تعدد الترجمات واختلاف الرموز والمصطلحات العلمية من قطر إلى قطر، فيشق على أي عالم عربي أن يفهم ما يكتبه عالم عربي آخر، وليس أدل على ذلك من أن هناك كتاب رياضيات وضعته منظمة اليونسكو للعالم العربي بلغة أجنبية، ثم ترجم هذا الكتاب إلى خمس لغات علمية عربية (مصرية، عراقية، سورية، كويتية، أردنية) وكل ترجمة تستعمل رموزًا ومصطلحات تختلف عما استعملته الترجمة الأخرى بحجة أن اجتهادها هو الصائب في نظرها. ولاشك في أن هذا يؤدي إلى تمزق الوحدة العربية، ويحول دون وجود لغة علمية واحدة([7]).
وهكذا تضافرت هذه الأسباب فأدت إلى ضعف العربية عن أداء دورها العلمي في العصر الحديث؛ حتى إنها هُجرت كلغة لتدريس العلوم. إلا أن التاريخ يؤكد مقدرتها العلمية وذلك من خلال موقفين تعرضت لهما العربية:
الأول: كان في أول ظهور الإسلام عندما ظهرت مصطلحات جديدة، ذات دلالة شرعية وقد نجحت في ذلك أيما نجاح.
الثاني: في العصر العباسي الأول عندما ترجمت أمات الكتب والمؤلفات من اليونانية والسريانية والفارسية، فلم تعجز العربية عن تحمل تبعاتها، ولم يشك واحد من المترجمين آنذاك في قصور الفصحى عن استيعاب الأفكار الفلسفية والعلمية، التي كانت لمفكري الإغريق والرومان والسريان وغيرهم.
وما نجاح تدريس الطب بالعربية الفصحى في سوريا الشقيقة، في عصرنا الحاضر، إلا برهان آخر على قدرة لغتنا الجميلة على استيعاب علوم العصر، والتعبير عن مظاهر مستحدثات الحضارة([8]). وهذه التجربة ليست جديدة أيضًا على العربية؛ فقد تمكن علماؤنا القدماء من رصد المصطلحات العلمية في مؤلفات بعينها كـ: (مفاتيح العلوم "للخوارزمي"، التعريفات "للجرجاني"، المعرب الأعجمي في لغة العرب "للجواليقي"، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم "للتهانوي")، ولا شك في أن دقة المصطلح العلمي من أول مبادئ التأليف العلمي بالعربية، ولذلك يتحمل مجمع اللغة العربية القاهري تبعة وضع معاجم متخصصة لاصطلاحات العلوم والفنون، فقد صدر منها أجزاء كثيرة، فلو عُني علماؤنا المحدثون بالرجوع إليها والنظر فيها؛ لأغناهم ذلك عن استعمال كثير من المصطلحات الأجنبية. وبذلك تكون العربية قادرة على تناول الأشياء مهما استدقت بصورة عربية بحتة، تخدم الأدب والعلم والفن والصناعة([9]). وهكذا يمكن إعادة الحياة إلى العربية العلمية وردها إلى سابق عهدها من الازدهار والرقي، الذي به استوعبت أدق العلوم والتقنية، والدليل على ذلك ما أنتجه "ابن القيم وابن حيان وابن سينا والرازي". وإن الشهادة الدامغة حول ذلك العصر تؤخذ من علماء غير العرب؛ فهذه العالمة "زيغريد هونكة" في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب)؛ تقر بعظمة العلوم العربية وتأثيرها على الغرب. وقال "Alvaro" يومها: «لقد أصبح شبابنا لا يعرفون من اللغة اللاتينية شيئًا وهم عاجزون عن قراءة صفحة واحدة من الكتاب المقدس، ويتباهون بكتب العرب يحملونها تحت إبطهم، ويتكلمون بها في الأسواق. وكان في ذلك الوقت المثقف العالمي هو من يجيد اللغة العربية؛ ولذلك أحرق الأسبان الكتب العربية في الساحات العمومية كي لا تنافس كتبهم»([10]).
ولا مراء في أن العربية قد توفرت لها كثير من السمات التي تؤهلها لأن تكون لغة علمية، قادرة على استيعاب روح العصر بمستحدثاته وفنونه وعلومه، وسوف نعرض لسبل نمو العربية العصرية؛ لكفاية الأداء العلمي، وتتمثل في:

1) إحياء الألفاظ القديمة المماتة:
فالعربية تحتوي على حوالي مائة ألف جذر، ولا يُستعمل منها سوى عشرة آلاف؛ ومن ثَمَّ فهناك نسبة كبيرة من ألفاظها مماتة أو مهجورة، وهذا يوجد فيجميع اللغات. وقد انتبه بعض الباحثين الغربيين إلى أهمية هذه الثروة الراكدة في لغاتهم، فاستغلوها في وضع مصطلحات تقتصر على المعنى العلمي المراد فقط، فلا تلتبس بأي معنى غيره. وهذه طريقة في الاصطلاح العلمي تعتمد على الاقتراض من اللغة نفسها. وجدير بالمتحمسين لتعريب العلم أن يتوسعوا في استعمالها، فمادتها في اللغة غزيرة، وحقهم في قصر اللفظ المختار على المعنى العلمي المراد مضمون بعدم استعمال اللفظ في لغة الحياة العامة([11]).

2) الاشتقاق:
ويعرف بأنه عملية استخراج لفظ من آخر، أو صيغة من أخرى بشروط معينة أهمها الاتفاق أو المقاربة في المعنى، والانطباق أو الاشتراك في الحروف الأصلية. والاشتقاق نوعان صغير وكبير، وأهمهما الأول؛ لكونه يعمل على تنمية الثروة اللغوية بزيادة صيغها وألفاظها، مثل: اشتقاق (ضرب - يضرب - اضرب - ضارب - مضروب) من مادة (الضرب). وقد اشتق المحدثون بعض الألفاظ المعاصرة قياسًا على أوزان مسموعة عند العرب، وذلك في الألفاظ الجامدة، نحو: (تمحور من محور - تموضع من موضع - تموسم من موسم - مَذهَبَ من مذهب - منهَجَ من منهج - تمركز من مركز)، وقد سمع منه قديمًا: (تمذهب - تمدرع من مدرعة - تمنطق - تمندل من منديل - تمسكن)([12]).
وما من شك في أن هذه الطريقة في تخليق ألفاظ جديدة وتوليدها بعضها من بعض؛ تجعل من اللغة جسمًا حيًا تتوالد أجزاؤه ويتصل بعضها ببعض بأواصر قوية واضحة، وبذلك يقوم الاشتقاق بدور كبير في التوليد اللغوي لألفاظ جديدة من جهة، ومن جهة أخرى يميز بين الألفاظ الأصلية والدخيلة؛ لأن ما يخضع له يعد من الأصيل؛ وما لا يخضع له يكون من الدخيل.
3) القياس اللغوي:
هو استنباط مجهول من معلوم، أو وزن ما لم يرد على ما ورد، فإذا اشتق اللغوي صيغة من مادة من مواد اللغة على نسق صيغة وردت في مادة أخرى ولم ترد في هذه المادة، سُمِّي عمله قياسًا([13]).
وقد عُرف عند القدماء، فها هو "ابن جني" يخصص له فصلاً في كتابه الخصائص، يذكر فيه أن «ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب»([14])، وهو في مجمله «قياس الشيء على نظيره». وقد عُرِف أولاً عند الأصوليين ثم أخذه عنهم اللغويون. وهو يعني القانون أو القاعدة التي وضعت على كل ظاهرة اطردت وشاعت في اللغة؛ ومن ثَمَّ يمكن حمل ما لم يرد من كلام العرب على ما ورد سماعه عندهم.
وقد أجاز مجمع اللغة العربية القاهري العمل بمبدأ القياس، لانتهاج
القدماء إياه، فأجاز أسماء جديدة لم تكن مسموعة عند العرب على صيغ سمعت عندهم، مثل: (الهاتف - المصعد - الملاكمة - المصارعة - الشطيرة - المغنطة - البلمرة - الأكسدة ...) وجميعها كلمات لم ينطق بها القدماء لكنها قيست على صيغ سُمِعَت عنهم. وكذلك أقر أفعالاً بدلالات جديدة لم تسمع عن العرب
نحو: (صوّت) أي أبان عن رأيه، وهي مأخوذة من صوّت أي أصدر صوتًا، وكذلك الفعل (سلط) كان في القديم يستخدم للدلالة على إطلاق السلطان والقدرة، وأصبح الآن يستخدم للدلالة على إصدار شحنة كهربائية وكذلك الفعل (طور) فقد اشتق قياسًا من صيغة (فَعَّل)، و(كيَّف) الهواء، أي غير درجة حرارته بمكيف الهواء، و(لقَّح) أي أدخل في جسم الإنسان أو الحيوان اللقاح، وكما أجاز ألفاظًا حديثةً على وزن (فاعَل) للدلالة على المشاركة والمعاونة، مثلا (راسل - خاطب - خاير)([15]).
وهكذا تظهر أهمية القياس في ظهور كلمات وألفاظ جديدة لم تكن مستعملة من قبل، قياسًا على ما ورد استعماله عند العرب للمشابهة الصوتية، أو اللفظية، أو المعنوية؛ وبذلك تنمو اللغة وتزدهر.

4) النحت:
النحت من ضروب التوسع([16]) في اللغة، وهو «أن تعمد إلى كلمتين، أو جملة، فتنتزع من مجموعة حروف كلماتها، كلمة فذة، تدل على ما كانت عليه الجملة نفسها»([17])، ومثل هذا الاختزال في الكلمة المنحوتة المعبرة عن الانتماء إلى (دار العلوم) فتكون (درعمة) اسمًا، و(درعمي) صفةً([18]).
وقد أجاز النحت أكثر القدماء، وعلى رأسهم "الخليل بن أحمد" في معجمه (العين) حيث نحت (حيعل) من جملة (حي على الفلاح)، وأجاز ذلك لما سمع عن العرب من قولهم: (تعبشم الرجل وتعبقس ورجل عبشمي) إذا كان من عبد شمس أو من عبد قيس، فأخذوا من كلمتين متعاقبتين كلمة، واشتقوا فعلاً([19])، وهذه المشتقات المنحوتة عند "الخليل" تأخذ حكم ما تم انتماؤها إليه، فهي تعامل معاملة الأسماء إذا صارت اسمًا، كما تعامل معاملة الأفعال إذا صارت فعلاً.
وقد اختلف اللغويون المحدثون في التوسع باستعمال النحت في اللغة الحديثة. فهناك من يقول بعدم الحاجة إلى النحت، لا لشيء إلا لأن علماء العصر العباسي، على حد قوله، لم ينحتوا كلمات علمية. وآخرون يقولون إنهم لا يركنون إليه في المصطلحات الجديدة إلا نادرًا؛ لا لسبب إلا لأنه، على حد قولهم، نادر في العربية. وهناك فريق معاصر آخر يرى في النحت وسيلة لإغناء العربية الحديثة، وطريقًا في التوسع يكفل لها مواكبة الحضارة وعلومها.
ألا ترى أننا في كثير من الأحيان نعبر عن بعض المعاني العلمية بتراكيب متنوعة. فإذا كانت هذه التراكيب قصيرة وسهلة، يمكننا أن نستمر في استعمالها على حالها، أما إذا كانت طويلة وصعبة، فمن مصلحة العلم واللغة أن ننحتها لأجل تسهيل استعمالها وانتشارها، نحو: (عمليات فوسطحية، تحسطحية، فوصوتية، تحتربة، تحشاطئ، فوقكلوى)، وهذه تراكيب إضافية. وقد شاع مؤخرًا تراكيب منحوتة من صفات نحو (شرق أوسطي - رأسمالي فوق البنفسجي - تحت الحمراء)([20])، ومؤدى هذا الرأي أنه يقول بقياسية النحت عند الحاجة، ولا شك أن هذا طريق سوي من طرق نمو اللغة وتطورها.
ويمكن أن ندرج ما يعرف بـ(التركيب الأوائلي) في هذا المصدر من مصادر نمو اللغة، وهو: (تركيب لفظة معينة من أوائل حروف كلمات أخرى، نحو كلمة NATO المركبة من الحروف الأولى في الكلمات: North Atlantic Treaty Organization التي تعني: منظمة حلف شمال الأطلسي. وهذا النوع من التركيب لم يكن معروفًا قبل الحرب العالمية الثانية، فمعجم أكسفورد الشهير لا يحتوي على كلمة Acronymy ويعني التركيب الأوائلي([21]).
وقد شاع من هذه التراكيب في اللغة المعاصرة مثل (يونسكو Unesco، ناسا Nasa) وهي أسماء لمؤسسات وهيئات ومنظمات دولية. ومنها ما يدل على مخترع مثل (رادار - فيديو - ليزر). وقد تكون لأمراض مثل (إيدز). ونقل هذه الألفاظ إلى العربية لا يراعي في الأغلب نظام أجزاء الكلمة في العربية؛ إذ تجد أن (المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة) يختصر اسمها إلى (والثقافة). في حين أن الفرنسيين يراعون نظام الكلام في لغتهم، فقد قالوا (أوتان) في (ناتو)، و(سيدا) بدلاً من (إيدز) الإنكليزية([22]).
وبالرغم من أن طريق الاختصار لم يكن من سمات العربية إلا أننا لا نعدم شواهده، فقد شاع منه قديمًا كلمة (إلخ) وهي مختصره من (إلى آخره)، و(نا) بمعنى حدثنا، و(إهـ) بمعنى (انتهى كلامه أو انتهى الكلام). والملاحظ أنها قد تكون مختصرة عن الحروف الأوائل كما في (إلخ) أو الأواخر كما في (إهـ ونا).
ولأهمية النحت في نمو الثروة اللغوية، اهتم به مجمع اللغة العربية، فقُدمت فيه أبحاث ضافية عُرضت فيه على لجنة الأصول، وبعد دراسات وبحوث متعددة، أقره المجمع مشترطًا له الاقتصار على المصطلحات العلمية، والسماع، إلا أن كثرة المستحدثات والمخترعات اضطرت المجمع إلى عدم تقييده بالمصطلحات العلمية وجعله قياسيًا؛ وبذلك تخلص النحت من القيود التي كانت موضوعة له من قبل، وظهرت تراكيب جديدة، نحو: (فحمائيات) التي نحتت من (فحم،وماء)للتعبيرعنCarbohydrates.وكذلككهروكيميائيوكهرومغناطيسي.
وهكذا يعد النحت من مصادر نمو العربية، فهو يزيدها ثراءً وغنى، ولاسيما في التراكيب الطويلة التي يشق على المتحدثين التداول بها؛ وهكذا يمكن للغة أن تسخر إمكاناتها لاستيعاب طوفان الحضارة الحديثة، وذلك بقيد مراعاة أوزان العربية، وانسجام حروف التراكيب المنحوتة.

5) النقل والترجمة:
ويراد بالترجمة هنا نقل المعارف والآداب والعلوم المختلفة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، ولنسمِّها "الترجمة الثقافية". وتظهر الحاجة إلى هذا النوع من الترجمة في المجتمعات المستقرة الآخذة بأسباب المدنية والحضارة؛ وذلك عندما تشعر جماعة بحاجتها إلى اقتباس المعارف والعلوم من جماعة أخرى، أو الإفادة من إبداعتها في الآداب والفنون([23]).
وتاريخ الترجمة عند العرب قديم قِدم احتكاكها بالثقافات الأخرى. ولعل العصر الأموي يُعد باكورة عصور الترجمة، ثم ازداد الاهتمام في العصر العباسي، الذي أنشئت فيه الدواوين ودور الحكومة والمدارس، وكثر استقدام العلماء من متعددي اللغات، فمن اليونانية إلى السريانية إلى الفارسية إلى القبطية إلى الهندية، حتى استقرت دور الترجمة؛ فأدى ذلك إلى إثراء العربية بما دخل إليها من مصطلحات وتعابير جديدة في مختلف العلوم والفنون، فتحولت من لغة قبلية إلى لغة عالمية قادرة على استيعاب كافة مجالات الحياة([24]). وظل هذا الأمر، حتى إذا ضعفت العربية، ضعف معها دور الترجمة.
وقد تنبه المثقفون العرب في مطلع القرن التاسع عشر إلى البون الشاسع بين العرب وغيرهم من الأمم المتقدمة؛ فأدركوا الحاجة الملحة إلى اللحاق بركب الحضارة؛ ومن ثَمَّ أُرسلت البعثات العلمية، واستُقدِم المعلمون من أهل اللغات الأخرى، وظهرت الحاجة إلى ترجمة مصادر الفكر الغربي؛ لتقديمها إلى القارئ العربي، فترجمت الفلسفة اليونانية والآداب الفرنسية والإنجليزية، وجاء حين قدَّم فيه الأدب الروسي روائعه، حتى بلغت حركة الترجمة ذروتها في الخمسينيات وبداية الستينيات، فأدى ذلك إلى انفتاح العرب على العالم، وتفاعل الفكر العربي مع الفكر العالمي؛ ومن هنا تظهر أهمية الترجمة في تفاعل الثقافات وليس باتباع ثقافة معينة، ويتم ذلك بالترجمة المتبادلة، ويكون بنقل الفكر والمعرفة الغربية إلى العربية والعكس، مع الحفاظ على الموروث الثقافي العربي؛ لكي يتوافر لفكرنا أصالة التراث وروح المعاصرة؛ فتكتسب العربية العصرية من روح العصر تقدُّمه ومن روح العربي تراثه الثقافي الإسلامي.
فإذا حدث ذلك توفر للغتنا ثروة لغوية، تعمد إلى سد الخلل بين نواحي تخلفنا وتقدم غيرنا؛ فتسعفنا في إثراء لغتنا وتطويرها لنتعرف بها العالم ونواكب خطاه، وبذلك تغدو لغتنا عالمية بحق؛ لأنها ستكون تعبيرًا عن وجودنا الفاعل أولاً؛ ولأنها سوف تستوعب تراث العالم في مختلف مجالات المعرفة الإنسانية من طريق تمثل العلماء والمفكرينوالأدباء العرب لذلك التراث، وجهودهم في الإضافة إليه وتطويرهثانيًا([25]).
ولا شك في أن ترجمة بعض الألفاظ الأجنبية يتطلب استثارة كنوز العربية بإيجاد مقابلات توازيها في لغتنا، كما تتطلب استغلال قدرتها وذخيرتها من المفردات لتمكينها من استيعاب الأفكار والنظريات العلمية والمنتجات التقنية والتعبير عنها. وعلى هذا الأساس تبرز مسألة ترجمة المصطلحات العلمية والتقنية، مثل ترجمة مصطلح ­Quality Control إلى المقابل العربي (ضبط الجودة) وهو من التراكيب الحديثة في العربية، ويفضل الدكتور "إبراهيم السامرائي" أن يكون المقابل العربي (السيطرة على النوعية) فهو أجود في رأيه من (ضبط الجودة). كما استحسن أيضًا ترجمة كلمة Easel إلى (لافوت) على صيغة (فاعول) وهي اسم آلة كـ(ساطور وشادوف). ومن هنا كان الأستاذ "أحمد الأخضر غزال" على حق في اعتماد (الحاسوب) للكمبيوتر([26]).
وقد أقر مجمع اللغة العربية القاهري مبدأ النقل والترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية، وذلك بإيجاد المقابل الملائم للمصطلح المترجم، ولاسيما إن كان من ذوات السوابق أو اللواحق، فوضعوا قواعد يحتكم إليها تتمثل في:
1- أن يترجم الصدر hyper بكلمة (فرط)، والصدر hypo بكلمة (هبط).
2- تُترجم الكلمات المنتهية بـable (بالفعل المضارع المبني للمجهول) كما في:
ينقل أو يحمل
portable
يباع
salable
يطرق
malleable

ويُترجم الاسم منها بالمصدر الصناعي فيقال: منقولية، مطروقية ومبيعِّية.
3- تُترجم اللاحقة oid بكلمة (شبه) فيقال:
شبه فلز
metalloid
شبه غروي
colloid
كذلك يصح ترجمة هذه اللاحقة في الاصطلاحات العلمية (بالنسب مع الألف والنون) فنقول:
فلزاني
metalloid
غروانّي
colloid([27])
وبذلك تحيا العربية باستثارة ذخائرها واستيعابها لكل ما هو جديد من تقنيات العلم ومستحدثات العصر.

6) التعريب اللغوي:
ويُعنى به نقل اللفظة الأجنبية بحالها إلى اللغة العربية، مع نوع من التعديل أو التغيير في صورتها بالقدر الذي يتناسب مع القواعد الصوتية والصرفية في اللغة العربية. أو بمعنى آخر هو تطويع الألفاظ الأجنبية بردها إلى الصور العربية صوتيًا وصرفيًا، ويشيع العمل به في نقل العلوم والفنون الحديثة([28]).
والتعريب ليس بدعًا في العربية، فالقدماء أخذوا به، ووضعوا له قواعد ومبادئ يجب اتباعها في العمل به، كما أنهم اهتموا بالمعرب في القرآن وغيره من كلام العرب، وليس أدل على ذلك من أنهم وضعوا مؤلفات بعينها تُعنى بالمعرب والدخيل في العربية، منها: (المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم - للجواليقي).
والألفاظ المعربة قسمان:
أحدهما: أخذ صورة البنية العربية من حيث الصيغة والوزن، مثل: (إستبرق - سجيل - وصراط - وكُميت وغيرها). وهو ما أسميناه بالمعرب اللغوي. وأمثلته العربية الحديثة كثيرة نحو: (تلفزة - مرناة - مرآة).
والثاني: نوع آخر بقي على صورته الأجنبية، مع إبدال بعض الأصوات التي لا توجد في العربية بأصوات عربية مثل: (فردوس، وسَجَنْجَل، وجُلُسَان، وغيرها) ومنه ما تركوه على حاله فلم يغيروه نحو (خُرَاسان - خُرَّم - كُرْكم)([29])، فضلاً عما دخل إلى العربية الحديثة من هذا النوع مثل: (تليفون - تليفزيون - أكسجين - هيدروجين .. وغيرها)، وهو ما أسميناه بـ(الدخيل)؛ إذن الدخيل هو اللفظ الذي دخل العربية إما بلفظه ودلالته تمامًا، أو بتحريف طفيف في النطق، مثال ذلك كلمة (كوفية) فهي من اللاتينية Cophea وكلمة (جمرك) وهي أيضًا من اللاتينية Commercium أي التجارة، وقد دخلت العربية عن طريق التركية([30]).
ولاجدال في أن حياة كل لغة مرتبطة بقدرتها على استيعاب كل ما يطرأ عليها من جديد في الفكر والثقافة والعلوم والتقنية؛ ولكي تواكب اللغة العربية طوفان التقدم الحضاري العالمي، فلابد لها من التنمية اللغوية، التي تُثري اللغة بالمفردات والأساليب والمصطلحات العلمية، ويتحقق ذلك بالتعريب اللغوي الذي يمنح العربية فرصة التفاعل في البيئات العلمية فيزيد من ثروتها، وينمي محصولها والتعامل بها، وبذلك ينزاح عنها توهم ضعفها واتهامها بالعجز عن ملاحقة العلوم وما يجد فيها من تطور([31]).
ولما كان لمجمع اللغة العربية الدور الأكبر في الحفاظ على الفصحى ونقائها أدى ذلك إلى تشدده في مبدأ التعريب، فلم يُجز العمل به إلا عند عجز العربية عن الوفاء بما يقابل الألفاظ الأعجمية مقابلة مماثلة، كما اشترط للفظ المعرب أن يخضع لقواعد العربية في أوزانها وصيغها، وجاء ذلك في الجلسة الحادية والثلاثين من الدورة الأولى، وقد اقتصر ذلك على المصطلحات العلمية والفنية دون الألفاظ الأدبية والعادية([32]). ثم أصدر المجمع قرارات أخرى تكمل القرار الأول بإيجاز التعريب، وقد جاء منها:
1- يفضل اللفظ العربي القديم على المعرب إلا إذا اشتهر المعرب.
2- ينطق الاسم المعرب على الصورة التي نطقت بها العرب.
3- عند تعريب أسماء العناصر الكيماوية التي تنتهي بالمقطع ium يُعرب هذا المقطع بـ(يُوم) ما لم يكن لاسم العنصر تعريب أو ترجمة شائعة كما في: ألومنيوم - بوتاسيوم - كالسيوم.
4- تتخذ الحروف العربية أساسًا لترجمة رموز العناصر الكيميائية، على أن يترك للمختصين اختيار الحروف التي ترمز لكل عنصر.
5- يرجح أسهل نطق في رسم الألفاظ المعربة عند اختلاف نطقها في اللغات الأجنبية.
6- الكلمات العربية التي نقلت إلى اللغات الأجنبية وحرفت تعود إلى أصلها العربي إذا ما نقلت إلى العربية مرة أخرى، فيقال في Alhambra (الحمراء) لا (الهمبرا) وفي Arsenal (دار الصناعة) لا (الترسانة).
7- ترجح كتابة الكلمات الأجنبية المعربة المنتهية بـlogy الدلالة على العلم: (تاء) في آخرها فيقال: جيولوجية - بيولوجية - سوسيولوجية([33]).
أما ما يتصل بأسماء المخترعات الحديثة، فنرى أن يجتهد المجمعيون والمؤسسات اللغوية في وضع أسماء عربية تصاحب ظهور المخترع، مع حث وسائل الإعلام والمهتمين باللغة على شيوع وانتشار تلك الأسماء العربية، فيقترن المخترع باسمه العربي؛ وبذلك نحافظ على لغتنا من جهة، وتتجدد بمواكبة الجديد من جهة أخرى.

7) المولَد والمحدَث:
المولد هو: «لفظ عربي الأصل والجذور، أي ينتمي من حيث البنية إلى جذور عربية، إلا أنه حدث له تغير دلالي أو اشتق من جذور عربية بدلالة جديدة لم تعرفها العربية القديمة، نحو (مصنع - مجمع - مسرح) فهي على صيغة (مفعَل). كذلك (مطار) التي كانت تدل قديمًا على موضع تطير منه أو إليه الطيور، (موقف) على وزن (مفعِل) للدلالة على مكان تجمع السيارات، (محطة) على وزن (مفعَلة) للدلالة على مكان توقف القطارات بعد أن كان المعنى القديم (مكان يوضع فيه الشيء أو يستقر فيه)»([34]). وهذا ما اصطلح عليه بعضهم بالتوسع الدلالي الذي يحرص فيه على وجود علاقة بين المعنى القديم والمعنى الذي اكتسبته اللفظة حديثًا ومن أمثلته قديمًا (الجبرية، القدرية، الجريدة، المقامة، لاهوت، ناسوت، المتن، أدب، وغير ذلك). وفي العربية الحديثة والمعاصرة نجد: (المدفع، الطائرة، الباخرة، الإذاعة، الجامعة، المكتبة، الإعلام، التبشير، وغير ذلك)([35]).
أما المحدث فالمراد به الألفاظ التي ولدها المحدثون في العربية الحديثة والمعاصرة، وأقرها مجمع اللغة العربية واستخدمها في المعجم الوسيط([36]) ومن أمثلته في الأفعال:
v استأنف الحكم: طلب إعادة النظر فيه.
v برر عمله: زكَّاه وذكر من الأسباب ما يبيحه.
v أبرق: أرسل برقية.
v بشر بالدين: دعا إليه.
v ابتكر الشيء: ابتدعه غير مسبوق إليه.
من الأسماء:
v البدال: بائع الأطعمة المحفوظة والقطاني والسكر والصابون ونحوها.
v البدلة: الحُلة التي تلبس خارج البيت عادة.
v الباردة مؤنث البارد، وحرب باردة: حرب الدعاية والكلام دون سلاح.
v البراد: إناء يبرد الشراب.
v المبرة: موضع البر كالملجأ والمستشفى([37]).
ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى أن أكثر المحدثين قد أقروا الاعتماد على المولد والمحدث من الألفاظ، إلا أنهم اختلفوا في الفرق بينهما، فهناك فريق يرى أن المولد والمحدث شيء واحد، ويخص المولد بأنه ما ولده المولدون من صيغ وألفاظ جديدة بعد عصر الاحتجاج.
وفريق يرى أن المولد يختلف عن المحدث. فالمحدث عنده هو ما اصطلح عليه بـ(المولد غير المقصود): أي ما ينشأ عفوًا وتسوق إليه الحاجة سوقًا طبيعيًا دون تكلف الدرس أو البحث، ويجري على ألسنة الناس وأقلامهم منبعثًا عن سليقة لغوية يستجيب لها الجمهور، وهذا النوع قديم في العربية والدليل على ذلك كلمة (تبدي) في قول عمر بن أبي ربيعة:
وتَبدَّتْ لي فأبْدَت واضحًا منها محيضا
ومن أمثلة اليوم في لغتنا إطلاق كلمة فنان على الماهر في الفنون.
والقسم الثاني هو المولد قصدًا ويُعنى به ما يضعه المتخصصون أفرادًا وجماعات بعد الدرس وإعمال الفكر، كأكثر الأوضاع الجديدة التي افترضتها المجامع اللغوية وبعض رجال الغة في شتى الأمصار، ومن أمثلة ذلك: (التوقيع، المقامة، الدولة، القطار، النحو، المضيفة، الحضارة)([38]). وهذه دلالات جديدة لصيغ قديمة عُرفت عند القدماء، ومنها أيضًا الانتقال من المعنى الحسي إلى المعنى المجرد، نحو (فتح) في (فتح الباب)للدلالةعلىالغلبةوالتمكينإلىمعنى(بدأ)، فيقال فتح الجلسة و(قضى)، فيقال فتح بين الخصمين، (هدى وأرشد) فيقال فتح عليه([39]).
ومهما يكن من أمر فالعمل به يُثري العربية، ولاسيما بعد إقرار المجمع له، وقد عني المعجميون برصده في معجماتهم، كالشهابي وغيره([40])؛ ودافعهم إلى ذلك أن الأقدمين قد استحدثوا ألفاظًا لما جَدَّ عندهم من مسميات أو حين أقروا استعمال بعض الألفاظ المستحدثة، والمعيار في ذلك هو الاستعمال، فالكلمة المستعملة الشائعة أولى من غيرها بالإقرار. أما الكلمات الغريبة فلا تخلو من تكلف لعدم شيوعها.

8) السوابق واللواحق:
يُعد دخول السوابق Prefixes واللواحق Suffixes من الخصائص المُمَيزة للغات الهندية الأوروبية، وهذا ما يعرف بـ"الإلصاق"، ولذلك تمكنت هذه اللغات من صياغة المصطلحات العلمية الدقيقة فاحتلت مكان الريادة فيها. وبالرغم من أن العربية لا تتميز بهذه الخصيصة إلا أننا لا نعدم شواهدها فيها قديمًا وحديثًا، فمن أمثلتها قديمًا استخدام (غير) كسابقة للدلالة على النفي نحو (غير شرعي)؛ وقد أُجيز إدخال (أل) عليها وإلحاقها باسم بغرض نفيه، مثل (الغير جميل والغير متقن). أما في الحديث فشاع منه عبارات نحو: (تجنب الأخطاء الغير عادية - الفتاة الغير محتشمة يسمونها متحررة - لا تحرجه بكثرة المطالب الغير ضرورية)([41]).
كما شاع دخول (ال) على (غير) وما بعدها عند أصحاب المعجمات المصطلحية كالشريف الجرجاني في قوله: (السبب الغير التام، الأفعال الغير المتناهية، الفعل الغير العلاجي، المركب الغير التام)([42]).
ثم نجد ذلك عند التهانوي في نحو: (الأحكام الغير المأخوذة، العلوم الغير المنسقة، الألفاظ الغير المصطلحة، المبادئ الغير البينة، القضاء الغير المحض)([43]).
ومثل ذلك السابقة (لا) فقد ذكر منها الأقدمون: (اللامتناهي، اللاضروري، اللاشعوري)([44])، وهي معبرة عن مصطلحات يونانية تبدأ بالسوابق in - an - non - un - a وغيرها. أو اللاحقة Less نحو wireless (لاسلكي).
وكذلك ظهر في العربية الحديثة سابقة (شبه) في نحو (شبه جزيرة، شبه رسمي، شبه غروي) المعبرة عن اللاحقة السريانية (oid) في نحو colloid التي شاعت ترجمتها إلى اللاحقة (آني) في نحو (سكراني، غرواني، سمكاني). كذلك اللاحقة form تفيد الشيء نفسه، ومنها (شرشراني Falciform، مسماراني Cumiform)([45]).
ولاشك أن هذا الطريق يُثري اللغة ثراءً حسنًا ولاسيما في مصطلحات العلوم والفنون، التي تحتاج العربية التزود منها؛ لمواجهة الطوفان الحضاري بما يحتاج إليه من ألفاظ جديدة.
ويمكن تقديم بعض الاقتراحات التي لو أُخِذ بها لارتقى شأن العربية:
أولها: توظيف العربية في شتى مناحي حياتنا ومؤسساتنا ولاسيما وسائل الإعلام؛ ويبدأ ذلك من خلال برامج تعليم الأطفال قبل سن المدرسة، ويستلزم ذلك غرس الشغف لديهم بالمطالعة منذ نعومة أظافرهم؛ حتى يغدو الكتاب الصديق الصدوق، ولابد من تشجيع الكتابة للأطفال وتخصيص جوائز للمبدعين منهم، والعمل على إيجاد برامج بديلة للبرامج الأجنبية تتسم بالطابع العربي والقيم العربية الأصيلة، وبلغة شائقة([46]). وكذلك العناية بغرس بذور التفكير العلمي لدى الناشئة، وذلك من خلال تعويدهم على ممارسة قواعد التفكير العلمي، وتحصينه بمهارات التفكير الناقد الذي بواسطته يميز بين الغث والثمين، والنافع والضار([47]).
ثانيها: التصدي للازدراء الذي يلاقيه معلم اللغة العربية ومتعلميها، وذلك بالسخرية والاستهزاء منه في وسائل الإعلام وعلى صفحات الكتب والمجلات، ويستلزم ذلك الحرص على رفعة شأن معلم اللغة العربية ماديًا وأدبيًا، حتى يقارب غيره من معلمي العلوم الأخرى، إن لم يفقهم([48]).
ثالثها: تطوير طرق تدريس اللغة العربية بتبسيط قواعدها، وكثرة الاستماع إليها وانتقاء نصوصها العالية، وكثرة ممارسة قراءتها. ولابد من التركيز على الأمور الوظيفية في مناهج تعليم اللغة، والبعد عن المماحكات والتأويلات والشذوذ والاستثناءات، وتخليص المناهج من الحشو والتكرار، واستخدام التقنيات المعاصرة في عملية تعليم اللغة وتعلمها([49]).
رابعها: العناية بتعريب مصادر العلم ومراجعه؛ وذلك بنقلها إلى العربية حتى يتوفر تدريس العلوم بلغة أهلها؛ فيتمكن الطالب من فهمها بسهولة ويسر؛ ومتى تحقق ذلك كان قادرًا على الإبداع والابتكار؛ وذلك لأن فهم القواعد العلمية الأولى ضرورة للتطور والتجديد، ولاشك في أن الطالب الياباني والروسي والصيني لم يبدع أو يكتشف ويطور العلوم إلا بعد أن درسها بلغته القومية، وأحس بالسيطرة على هذه العلوم والاستفادة منها؛ لأن وجود كتاب باللغة القومية يغذي الطالب بالثقة، ويخلصه من عقدة النقص([50]).
خامسها: الاهتمام بأن تكون العربية لغة تكنولوجية وتقنية حديثة وذلك من خلال تفعيلها على أنها أداة تعبير وتفكير وهوية وإنتاج؛ فيتم بعث اللغة في نفوس أبنائها وإيقاظ غيرتهم عليها؛ فتكون لغة عولمة؛ لأن العولمة تحتاج إلى إبداع، وإلى تفعيل المؤسسات الإنتاجية والثقافية، كما تحتاج إلى رؤوس أموال تعمل لصالح المد الإعلامي النشط والصناعي الدائم، وهذا كله متوفر لدينا. فإذا لم تشارك العربية بدورها في العولمة؛ فسيؤدي ذلك لا محالة إلى اندثارها، ولا خوف عليها وعلى الخصائص الذاتية من العولمة فلن تذوب فيها ولا تُنتقص قيمتها أو تضعف قدرتها على أداء دورها إن كانت في مستوى العطاء([51]).
سادسها: تطوير اللغة العربية العلمية بتوحيد المصطلحات العلمية وتقارب الثقافات بين الدول العربية في النقل والتعريب من اللغات الأخرى؛ حتى يَسهل التواصل بين علماء العالم العربي.
سابعها: بعث الشعور والانتماء القومي في نفوس أبناء العربية بأنها ليست أقل عطاءً من عشرات اللغات التي اعتز بها أهلها، ولم يتخلوا عنها، فاستعملوها للعلوم، فاستوعبتها جيدًا ولم تقصر عنها في شيء. بل إن العربية أغنى في خصائص الاشتقاق والمجاز والقياس من كثير من اللغات التي باتت تُدعى باللغات الحية([52]).
ثامنها: دعم مسيرة التعريب؛ وذلك من خلال روافده، سواءً كانت بالترجمة والنقل، أو الاقتراض، من داخل اللغة وخارجها ... إلخ؛ لكون العربية لغة حية بما لها من خصائص وسمات؛ ومن ثَمَّ لديها القدرة على استيعاب متطلبات العصر. وعلى اتحاد مجامع اللغة العربية والجامعات العربية مسئوليات جسام تجاه لغتهم ونقل أمات الكتب العالمية والموسوعات ودوائر المعارف إلى العربية بيد أن دعم مسيرة التعريب يستلزم الانفتاح على اللغات الأخرى وامتلاك ناصيتها([53]).
تاسعها: العمل على نشر ثقافتنا وحضارتنا وتراثنا؛ وذلك باستخدام التقانة العلمية وشبكات المعلومات، فاللغة العربية تحفل بتراث إنساني في أغلب قيمه ومواقفه، وهو تراث موصول من جيل إلى جيل يدعو إلى الإخاء والمساواة، حي بقيمه وعاداته. فعلينا أن ننشرهذا ليعرفهالآخر،ويتعلممنهكمانتعلمنحنمنالآخر.
عاشرها: حاجتنا إلى نشر وإعلان توصيات المجامع اللغوية في إقرار مصطلحات العلوم والفنون والصناعات؛ وذلك من خلال جميع وسائل الإعلام بشتى أنواعها، وكذلك دعوة المعجميين والمتخصصين لوضع معاجم لغوية حديثة، يجمعون فيها المقابلات الفصحى المُيسِّرة للألفاظ الحضارية الدخيلة، كما هو الحال في معجم الألفاظ الحضارية لـ"محمود تيمور" ومعجم المحيط لـ"بطرس البستاني". فهما بقدر ما اقترضا من المعاجم العربية القديمة حرصا في الوقت نفسه على إدخال كل كلمة عربية جديدة تعبر عن فكرة مستحدثة في المحيط الثقافي. لأن المعجميين يهدفون إلى تعميم لغة قومية شاملة في مفرداتها واصطلاحتها الاستعمالية لاستيعاب المعاني الحضارية المستجِدة.


المكتبة