|

يوم بلا عامية
د. خالد الخاجة
اللغة هي وعاء الفكر ومادته، وأداة الإبداع وروعته، وجسر التواصل بين الأجيال وصلابته، فبقدر رسوخ معانيها، بقدر نقل التراث من السلف إلى الخلف، وبقدر الغربة عنها، يكون تردي حال أصحابها. فإذا نظرت في سير التاريخ، تجد أن المستوى الثقافي للأمم، واللغة من أهم أقنيته، كان كاشفاً دوماً عن حالها في بقية المجالات، وبداية التردي يبدأ من الفكر.
ومن الصعوبة بمكان أن تجد أمة تهاونت في حق تراثها وميراثها الفكري والثقافي، قد أصابت نجاحاً حقيقياً ومكانة يعتد بها، أو ارتقت مرتقاً بارزاً على سلم الحضارة الإنسانية، كما أن عصور التردي دائماً لازمها اضمحلال فكري وثقافي، ولذلك اعتبرها الخبراء والمختصون إحدى أهم المقومات الأساسية لأية أمة.
لذا، كانت الإمارات دوماً لها جولات متعددة ورؤية واضحة في ما يخص قدر اللغة، والدور الذي تقوم به في الحفاظ على هوية الدولة، وكان أحدث تلك المواقف، مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، للتمكين للغة العربية، وآليات التمكين، تلك المبادرة التي استوجبت أن تتحمل كافة المؤسسات في الدولة مسؤوليتها الوطنية في تحويلها إلى واقع ملموس.
ولأن إمارة عجمان تحتفي دائماً بيوم العلم، الذي صار من معالمها الثقافية التي ننتظرها كل عام، لتكرم فيه أهل العطاء والإنجاز في ميدان الثقافة والبحث العلمي، كان من المسلّم به أن ترعى اللغة أيضاً، لأنهما صنوان. فإذا أردنا أن ينتج أبناؤنا إبداعاً حقيقياً، فلن يكون بغير لغتهم الأم، وكلمة الأم تعني أنها قدر محتوم، وأن الارتباط بها يشبه ذلك الحبل السري الذي يمد الجنين في بطن أمه بأسباب الحياة، كما أن البديل مهما كان، لا يمكن أن يقوم بالدور الذي تقوم به، ومتى كان للأم بديل أو من يقوم مقامها!.
لذلك، كانت الرعاية الكريمة والحضور لسمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي، رئيس دائرة التنمية السياحية في إمارة عجمان، للدورة الثانية لحملة «لغتي هويتي» التي أطلقتها جامعة عجمان تحت شعار «يوم بلا عامية»، وكان أبطالها طلبة الجامعة، وهم من استوقفتني فصاحة لغتهم وسلامة لسانهم، الذي رسم أجمل اللوحات باللغة العربية في أصعب مستوياتها، وسعادتي أن الطلبة قدموا أنفسهم وكأنهم منذ الصغر لم ينطقوا بغير الفصحى، فها هي الخنساء التي ترثي أخاها صخر، وها هو المتنبي صاحب الخيل والليل والبيداء والسيف والرمح والقرطاس والقلم.
كما أن اللافت ذلك العرض المسرحي بالعربية الفصحى، الذي أمتعنا وأضحكنا على ما فيه من تناقضات تعاملنا مع اللغة، وكشف بجلاء أننا يمكن أن ننتج فناً مبدعاً جاذباً بالعربية الفصحى، يجذب مختلف المستويات العمرية، لا كما يعتقد البعض أن مسرحية بالفصحى تعني درساً في القواعد النحوية، أو كأنها تدريب على الخطابة، ما يجعل الكثير يعزفون عن مشاهدتها.
والحق أن الدعوة إلى «يوم بلا عامية» تستحق التوقف والعناية، ذلك أنه إذا بعدت المسافة بيننا وبين ما كنا عليه، وجب أن نكسر هذا الحاجز ولو لساعات، حتى نثبت لأنفسنا أننا قادرون على الفعل، حتى ولو بدا الأمر لأول وهلة طريفاً. أليس للراغبين في الحفاظ على نظافة البيئة خالية من التلوث، دعوات لا تنتهي بالحد من الانبعاثات الحرارية، التي تؤثر في درجة حرارة الأرض، حتى باتت الدعوات بالتخلي عن ركوب السيارات مألوفة، ولم يقل عنها أحد أنها تخلٍّ عن مكتسباتنا الحضارية، حتى أصبح ركوب الدراجات ثقافة في أكثر المجتمعات رفاهية وتقدماً.
أليست للراغبين في التخفيف من ضغط الوسائل التكنولوجية، دعوات للتخلص منها أياماً لإحداث حالة من الاسترخاء واللياقة والصحة النفسية، فلا بأس من أن تكون هناك دعوة للحديث بالفصحى، ولو ليوم واحد، نبتعد فيه عن العامية، لنعرف كيف هو حالنا مع لغتنا، وهل نستطيع أن نستخدمها في صورتها الفصحى المبسطة، ولو ليوم واحد، لنعبر عما نريد.
وهنا أود أن تكون هناك حملة «يوم بلا عامية»، تشمل مدارسنا في كافة مراحلها، لكي نكسر حاجز الوحشة بين أبنائنا وبين لغتهم، خاصة وأن حب اللغة والتعلق بها يأتي عندما يستطيع الفرد أن يدرك مقاصدها ويفهم معانيها، عندئذ لن تجد شاباً يستخدم من خلال أدوات التواصل الاجتماعي أو عبر رسائل المحمول، تلك الطريقة المشوهة في كتابة العربية بالحروف الإنجليزية والأرقام، ولا يظن البعض أنها لا تعدو أن تكون شكلاً يعبر عن روح الشباب الذين يبتكرون أساليبهم في التعبير عن أفكارهم، وما كان في فترات سابقة قد أصبح ظاهرة منتشرة بين جيل الشباب.
وقد يكون غداً قاعدة عامة، لنجد شبابنا في وادٍ ولغتهم في وادٍ آخر، أو في أحسن الأحوال، يقتصر استخدامها على المؤسسات التعليمية، بمعزل عن تلبية احتياجات الناس اليومية، وكأنها لغة متحفيه أو جزء من التراث، وهو ما يزيد الشُّقة بينها وبين أبنائها.
ولا شك أن غربة أبنائنا عن لغتهم عامل مهم ومؤثر في اتخاذهم قرار اختيار التخصص في مرحلة الجامعة، وابتعادهم عن تخصصات أخرى. وهنا أقول، إنه في الوقت الذي يضع المسؤولون التوطين في مجال الإعلام على رأس أولوياتهم، فإن تخصص الصحافة في كليات الإعلام من التخصصات المهجورة والمهددة بالتوقف لعزوف الطلبة عنها، إن لم يكن قد جمدت بالفعل في بعض الجامعات.
رغم أن الفنون الصحافية هي أصل الفنون الإعلامية والأب الشرعي لها، غير أن السبب لا يرجع فقط إلى المحفزات الوظيفية، بقدر ما يرجع إلى عدم القدرة على امتلاك إحدى أهم أدواتها، وهي اللغة.. فكيف بمن يجد صعوبة في كتابة سيرته الذاتية أن يرصد بقلمه حدثاً ويحلله! لا شك أن الأمر يزداد صعوبة، وهو ما يمثل خطراً شديداً، لذا، يجب الانتباه في تكوين كوادر مواطنة في مجال الإعلام.
وهنا، تجب العودة إلى أصل المشكلة، وليس أعراضها، والبداية الصحيحة لعلاجها تبدأ من اختيار معلم اللغة العربية، المعني بتعريف أبنائنا في مراحلهم السنية الأولى بلغتهم وتقديمها لهم، فإما أن يحسن التقديم، فيخرج لنا جيلاً محباً للغته، يتحدثها دون جهد أو عنت، وإما غير ذلك، فيغترب أبناؤنا عن لغتهم، وتغترب اللغة عنهم، فنستجدي من جديد يوماً بلا عامية.
البيان
|
|
|
|