اللغة العربية في الأمم المتحدة والمحافل الدولية..الربداوي: اللغة والحضارة صنوان لا ينفك أحدهما عن الآخر

ثناء عليان

 لغةٌ إذا وقَعَتْ على أسماعِنا

كانتْ لنا برداً على الأكْبادِ ‏

سَتَظَلُّ رابِطةً تُؤَلِّفُ بيننا ‏

فهي الرجاءُ لناطقٍ بالضَّادِ ‏

هذه هي اللغة العربية التي تُعد أقدم اللغات الحية على وجه الأرض، والتي يرجع الباحثون عمرها إلى أكثر من ألف وستمئة عام، انتشرت في معظم أرجاء المعمورة، وأصبحت لغة العلم والأدب والحضارة، والسياسة، واستطاعت أن تستوعب الحضارات المختلفة لارتباطها بعدد كبير من العلوم والآداب، فهي العروة الوثقى التي تجمع الشعوب العربية والإسلامية، لتصبح قضية وجود وقاعدة كيان، إلا أنها تعرضت لتحديات كثيرة وللمحاربة تحت عناوين عدة ومسميات مختلفة. ‏

اللغة معجزة الفكر ‏

عن اللغة العربية وأهميتها العالمية والتحديات التي واجهتها أقامت جمعية نادي الإحياء العربي مؤخراً في المركز الثقافي العربي في «كفر سوسة» ندوة بعنوان «اللغة العربية في الأمم المتحدة والمحافل الدولية» ألقاها الدكتور محمود جبر الربداوي الذي عرّف اللغة بأنها فكر ناطق، ومعجزة الفكر الكبرى، وهي نظام من الرموز الصوتية يستعمله الإنسان للتعبير عن أفكاره وانفعالاته، ويذكر أن أكثر اللغويين والفلاسفة يرون أن اللغة والفكر متلازمان، فلا يأتي التفكير مجرداً من اللغة ولا اللغة مجردة من غير التفكير، مؤكداً على أن مفردات اللغة، إما هي علامات حقيقية للأفكار، أو هي التمثيل الطبيعي والخارجي لحالة داخلية، واللغة عبارة عن سلسلة من الكلمات عن تفكير كامل، ولا خلاف أن اللغة للفكر كالأرقام للحساب. ‏

صنوان لا ينفكان ‏

ويضيف: من الأسباب التي دفعتني للحديث عن اللغة العربية لأنها لم تعد لغة خاصة بالعرب وحدهم، بل أضحت لغة عالمية. منوهاً بالجهود المبذولة من قبل فروع اللغة العربية التي لم تكتف بالتشخيص وإنما تعدته إلى المعالجة، مؤكداً على أن تلك الجهود الجبارة وما انبثق عنها من معالجات كانت تقف عند باب مسدود يحول دون إخراجها إلى حيز التنفيذ ودون أن ترى النور، لافتاً إلى أن اللغة والحضارة صنوان لا ينفك أحدهما عن الآخر، مبيناً أن كل لغات العالم وخلال فترة لا تقل عن خمسة قرون تضاءلت أمام اللغة العربية، وترجم إليها الفكر اليوناني وغيره، فاستوعبتها وأثرت عليها. ‏

وقال الربداوي: إن تعزيز اللغات وتعدد الثقافات في الأمم المتحدة لشؤون الإعلام دفعه لاتخاذ قرار عشية الاحتفال باليوم الدولي للغة الأم الذي يحتفل به في الواحد والعشرين من شهر شباط من كل عام وبمبادرة «اليونسكو» للاحتفال بكل لغة من اللغات الرسمية الست للأمم المتحدة، فتقرر الاحتفال باللغة العربية في الثامن عشر من كانون الأول، كونه اليوم الذي صدر فيه قرار الجمعية العامة الذي بموجبه تم إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية الست وثقافتها وتطورها، بعد تقديم طلب من قبل العرب لتكون لهم لغة في الأمم المتحدة، حيث واجه هذا الطلب معارضة شديدة من خصومهم، ولاسيما عدوهم اللدود اسرائيل. ‏

عدنان يوسف ‏

ويؤكد الباحث على أن الفضل بإدخال اللغة العربية على الأمم المتحدة يعود لمندوب مصر عصمت عبد المجيد، لكن الفضل الأكبر يعود لرجل اسمه عدنان محمد يوسف الذي كان رئيساً فورياً لقسم الترجمة، فكرّس حياته في الأمم المتحدة وأمضى عمره لتذليل الصعوبات أمام اللغة العربية، فنجح بإعداد وتدريب أجيال عديدة في شتى المجالات كالهندسة والطب ونزع السلاح، وكان دائم النشاط لترسيخ اللغة العربية كلغة رسمية، وبعد وفاته سنة 2006 قامت الأمم المتحدة بإنشاء صندوق سموه صندوق محمد يوسف للغة العربية يمنح هذا الصندوق جائزة سنوية بقيمة مليون دولار يتقاسمها كل من يقدم عملاً جليلاً للغة العربية. ‏

ونوه الربداوي ببرنامج اللغات والتواصل بمقرالأمم المتحدة في نيويورك الذي يقدم دورات دراسية باللغات الاسبانية والانكليزية والروسية والصينية والعربية والفرنسية ليعزز التوازن اللغوي والتعددية اللغوية داخل الأمانة العامة، والغرض من هذه الدورات الدراسية هو إتاحة الفرصة للموظفين لتعلم اللغات الرسمية للمنظمة، وتعزيز قدرتهم على أداء الواجبات المهنية بمزيد من الكفاءة اللغوية، لافتاً إلى المجلس الدولي للغة العربية الذي نشأ بمبادرةٍ نادى إلى تأييدها ودعمها عدد كبير من الوزراء وأمناء المنظمة والهيئات والاتحادات العربية والعالمية الحكومية والأهلية المعنية باللغة العربية وثقافتها، فتأسس هذا المجلس كمنظمة أهلية دولية مستقلة وهو لا يتبع لأي جهةٍ حكومية أو أهلية، له كامل الحصانات والمميزات والإعفاءات الممنوحة للمنظمات الدولية العاملة في إطار الأمم المتحدة، إضافة إلى اتحاد الجامعات العربية الذي يمثل مؤسسة عربية ذات شخصية اعتبارية مستقلة، مقره مدينة عمان في الأردن، تأسس بمبادرة من الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية التي رعت عقد ندوتين: الأولى لعدد من المعنيين بالتعليم العالي في الوطن العربي في بنغازي عام 1961، والثانية في بيروت عام 1964، وذلك للبحث في مشكلات التعليم العالي في الوطن العربي، وتقنين أطر التعاون بين الجامعات العربية. ‏

اليونسكو وحملتها لإحياء اللغات واللهجات الأم الشفهية والمكتوبة قد انتهجت نهجاً علمياً وأخلاقياً للحفاظ على ميراث الإنسانية من علوم وثقافات وفنون وآثار، لأن هذا كله ميراث للإنسانية جمعاء لا يجار عليه ولا يمحى من ذاكرة التاريخ الإنساني، لأنها حصاد فكري وعقلي لمن غيروا عنا، فإحياء يوم «اللغة الأم» هو إحياء للميراث اللغوي ليظل متوازناً ومتواصلاً. ‏

نداء ‏

وفي الختام توجه الربداوي بالنداء لكل المؤسسات والهيئات العلمية والثقافية المعنية باللغة العربية وعلى رأسها المجامع اللغوية والجامعات، ومركز التعريب التابع لمنظمة «الاليكسو» المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ووزارات الإعلام واتحادات الكتاب والمثقفين في دنيا العرب أن يعوا الأخطار المهدّدة للغتهم وأن ينتبهوا قبل فوات الأوان للأعاصير التي تولد الآن في عالم الغيب والتي لا تقتصر على اجتثاث اللغة العربية، وإنما على تدمير المخزون الحضاري والثقافي الذي حملته اللغة طوال هذه القرون. ‏

تشرين