العربية في وسائل الإعلام

موفق خراط

 حين نتحدث عن اللغة الفصيحة في وسائل الإعلام، فنحن لا نتحدث عن حماية هذه اللغة من الوقوع في عثرات النحو والصرف، أو استخدام الكلمات غير العربية، بل نتحدث أيضاً عن مزاحمة اللغة، أو اللهجة العامية في الاستخدام الاعلامي ولاسيما المرئي.

في ندوة «العربية في وسائل الإعلام» التي أقامتها دار الفكر ضمن برنامج اسبوعها الثقافي في التاسع، في المركز الثقافي في المزة التي ضمت أ. ديانا جبور، مديرة التلفزيون، ود. ميسر سهيل، وأ. مروان ناصح الاعلامي وعضو لجنة التمكين للغة العربية، ود. فريال مهنا أستاذة الإعلام، ود. نهلة أبو رشيد وأ. ياسر المالح مديراً للحوار في حوار هذه الندوة انصب الاهتمام بالدرجة الأولى على جواز استخدام العامية ـ ولو بمقدار ـ في الاعلام المرئي أم لا. ‏

في مشاركتها د. فريال مهنا رأت أن استخدام اللغة الفصيحة في وسائل الإعلام المكتوبة غدا أمراً طبيعياً، ولكن المشكلة القائمة الآن هي في وسائل الاعلام المسموع والمرئي، من حيث اشكالية استخدام اللغة الفصيحة واللهجة العامية. وفي رأي د. مهنا «أن اللغة الفصيحة شهدت ـ وما زالت تشهد ـ أطواراً من التراجع، هي انعكاس لحالة مجتمعاتنا الحضارية.


وعن استخدام العامية في الاعلام المرئي قالت د. مهنا «على الرغم من كل ما يقال عن أهمية استخدام اللغة الفصحى في هذا الإعلام، بصفتها المكون الأساسي لهوية أمتنا، فإن استخدام العامية في التلفزيون أمر طبيعي» مضيفة «إن العاميات واقع قائم» وفي رأيها «ان ثمة برامج لا تستقيم طبيعتها مع اللغة الفصيحة» ولكن د. مهنا نبهت في الوقت نفسه «الى ضرورة الاشتغال على هذه العاميات، لكي لا يكون فيها إسفاف أو هبوط. ‏

مديرة التلفزيون: اللغة ليست هدفاً بحد ذاته في الرسالة الإعلامية ‏

أما أ. ديانا جبور، مديرة التلفزيون ففضلت أن يتركز حديثها على الإعلام المرئي: قائلة: «إننا جميعاً نحب اللغة العربية الفصيحة. ولكن كثير الحب قتّال «ورأت أن الالتزام باللغة الفصيحة طوال فترة البث التلفزيوني ـ آخذين في الحسبان جماهيرية الإعلام، وسطوته، وقوة تأثيره ـ غير ممكن. وإذا سرنا على هذا النحو ـ تقول أ. جبور «فإن الإعلام يصبح وسيلة لهدف وحيد، وهو التمكين للغة العربية» مضيفة: «إن اللغة في المواد التلفزيونية وعاء، وناتج ونتيجة وليست محركاً وهدفاً» ورأت: «أن اللغة أداة للعمل ولا يجوز أن يبتلع الجزء الكل، ولا أن يؤثر عليه». وفي رأي السيدة جبور«إن كثيراً من الفصاحة في التلفزيون سيسحب من رصيد الإعلام ومن رصيد اللغة نفسها، حين يتلقونها في وسائل الإعلام». ‏

تضيف أ. جبور: «إننا نحاول في الإعلام المرئي استخدام اللغة الفصيحة، في التقديمات، ونشرات الأخبار وفي الحوارات السياسية، ولكن من الصعوبة بمكان استخدام الفصحى في الحوارات الحياتية والخدمية، إذ يصبح من الأجدى استخدام لغة قريبة من المحكية دون التورط في الابتذال». وقالت: «إذا اتفقنا أن سوية اللغة هي من سوية المادة المقدمة، فإن أولويتنا تصبح أن نرتقي بمضمون موادنا لنستطيع الارتقاء آلياً باللغة. ‏

والأستاذة جبور ترى بإيجاز: أن استخدام اللغة الفصيحة مضر بإيصال رسالة الإعلام الى السواد الأعظم من الناس، ولاسيما بدت البرامج نخبوية. ‏

لكل نوع من الكتابة لغته ‏

في مشاركتها رأت د. نهلة أبو رشيد أن اللغة الفصيحة في اللغة المكتوبة كانت خير ناقل لهذه اللغة مضيفة: أن لكل نوع من الكتابة ميزة وخاصية، تفرض نمط الكتابة واللغة فصيحة كانت أم عامية، ولكن لا نؤيد إطلاقاً العامية المسفة التي تجعلنا نرفض اللغة والمضمون معاً. ‏

والتغيير الذي يصيب المجتمع يصيب اللغة أيضاً، إضافة الى أن ثمة علاقة متينة بين اللغة وبين من أخاطب. ‏

المجتمع اختار اللغة الفصيحة في الاعلام ‏

الاعلامي وعضو لجنة التمكين للغة العربية. أ.مروان ناصح، كان على موقف مناقض تماماً لمواقف المشاركين قبله، ولاسيما مديرة التلفزيون، وقد أتى بأمثلة من فرنسا وإيطاليا تبين حرص الهيئات الإعلامية الكبير على استخدام اللغة الفرنسية السليمة في وسائل الإعلام جميعها ولاسيما التلفزيونية، إذ جاء بما نصت عليه المادة الأولى من النظام الداخلي للمجلس الإعلامي الفرنسي التي تصر على تعزيز اللغة والثقافة الفرنسيتين، وعرض لمؤتمر أقيم في إيطاليا (2003)م حضره مئة وعشرون عالماً لغوياً إيطالياً وقد كان من نتائج المؤتمر أن لغة التلفزيونات تمثل خطراً يهدد اللغة الإيطالية بل ويهدد بضياعها. ‏

وتوجه بالسؤال الى أصحاب وجهة نظر الداعين الى مجرد إيصال الرسالة الإعلامية ـ بحجة أن ذلك أفضل من الانشغال باللغة العربية الفصيحة ـ هل هم أحرص من صاحب هذه الرسالة نفسه، وهو المجتمع، ممثلاً بقياداته الثقافية وممثلاً باللجنة العليا للتمكين للغة العربية التي شكلت بناء على قرار من السيد رئيس الجمهورية؟ وقد اختار صاحب هذه الرسالة الإعلامية أن تكون عملية إيصالها باللغة العربية الفصيحة؟، لما في ذلك من مصلحة عامة على الصعد جميعها؟!. ‏

مهمة الإعلام مهمة ارتقائية ‏

د. ميسر سهيل، رأى في مشاركته أن مهمة الإعلام هي نقل المعلومات والحقائق، على اختلاف أنواعها، بصدق وأمانة، وهذا النقل هو مهمة ارتقائية بالمجتمع، وليس على الإعلام أن ينزل بمستواه ـ ويقصد اللغوي ـ بل عليه أن يرتفع بالناس الى المستوى الأعلى. مضيفاً «يجب على لغة الإعلام أن تكون لغة رافعة لمستوى الأمة، وإلا فإننا معرضون للضياع، ذلك أن الوطن العربي مترامي الأطراف، وإذا تحدثت كل محطة تلفاز فضائية عربية بلهجتها العامية، فسوف يكون ثمة قطيعة فكرية، تؤدي الى قطيعة في المشاعر». وأشار د. سهيل الى أن استخدام العاميات ليس عفوياً على الإطلاق، وكثير منه مقصود فالغرب يريد للغتين أساسيتين أن تسود العالم «الانكليزية والفرنسية». ‏

ونحن نؤيد د. سهيل فيما ذهب إليه في قوله: «إن اللغة العربية قادرة على أن تعبر أحسن تعبير في جميع العلوم والفنون، حتى ما كان منه للأطفال، وما الهروب من استخدام اللغة الفصيحة إلا نوع من الضعف». ‏

وإذا استطاعت الفضائيات العربية جميعها ـ يضيف أ. سهيل ـ أن تتحدث اللغة الفصيحة، فهذا سيرتفع بالمجتمعات، وسيرتقي بالمشاهد والمستمع، بدل أن ينزل المشاهد الى اللغة العامية. ‏

وأشار د. سهيل الى أهمية أن تكون اللغة الاعلامية في الوسائل المرئية والمسموعة، سليمة في جانبي البناء والأداء. البناء «بالتزام ضوابط العربية نحواً وصرفاً وتراكيب جميلة» والأداء من حيث الإلقاء. ‏

تشرين