|
|
|
|

هل تدعو الحاجة إلى التدريج في لغة التعليم اليوم
د. فريد أمعضشو
إن الحديث عن المسألة اللغوية، بما يرتبط بها من إشكالات وقضايا، في التعليم والإدارة وغيرهما من مجالات الحياة الأساسية، ليس وليدَ اللحظة الحضارية الآنية، بل يعود بنا إلى زمن بعيدٍ نسبيا. فقد كان ذلك أحد الأسئلة التي أثير حولها نقاش مُستفيضٌ منذ عصر النهضة، وقبله أيضاً، وإن تفاوتت حِدّة هذا الطرح من مرحلة لأخرى، ومن سياق لآخر، داخل الإطار الثقافي العربي عامة.
إن المحسوبين على التيار التقليدي المُحافظ، خلال القرن التاسع عشر والشطر الأول من القرن الذي تلاه، كانوا أشد تمسُّكاً بأصالتهم في كل شيء، وأحرصَ على صون هُويتهم الثقافية والحضارية. ومن مقوِّمات هذه الهوية الجوهرية، بطبيعة الحال، اللغة العربية الفصحى المتوارَثة جيلا عن جيل.. هذه اللغة التي شرَّفها الله تعالى بأن أنزل القرآن الكريم بها دون سواها، والتي توالت جهود علمائنا، منذ القديم، على حمايتها والاعتناء بها والمنافحة عنها، رغم التحديات التي كانت تعترض سبيلَها من حين لآخر؛ كما هو ثابت تاريخياً. على حين أن المتحمسين للفكر الليبرالي، المتأثرين بحضارة الغرب الحديثة، لم يأخذوا هذه المسألة اللغوية مأخذ أنصار التوجه المُحافِظ، ولا مأخذاً يُدانيه على الأقلّ؛ لانبهارهم المفرط ببهرج المدنية الغربية، وبالمظاهر الوافدة من وراء البحار، انبهاراً يتراءى منه، أحياناً كثيرة، مدى الاستلاب الثقافي والفكري الواقع لهم، الذي استتبع ضعف ارتباطهم بكل ما هو هُوّياتي، من لغة قومية وغيرها. ولم يَرَ لفيفٌ من أهل الفكر والعلم، إبّانئذٍ، الصوابَ في رأي أي من التيارين المتقابلين، بقدر ما رآه في التوفيق الواعي بينهما، وفي الجمع بين خطابيِ ‘الأصالة’ و’المعاصرة’ على نحوٍ متكامل ومتبصر أيضاً.
وبعيداً عن هذا النقاش الحادّ، الذي طبع الفكر العربي النهضوي، في عددٍ من القطاعات الحيوية، نأتي إلى تركيز كلامنا، ها هنا، على واقع اللغة العربية وآفاقها في هذه المجالات، وبالتحديد في ميدان التربية والتعليم.. هذا الميدان الذي بُذلت فيه جُهود تِلْوَ الجهود، منذ تحقق استقلال البلاد العربية، خلال القرن المنصرم، من أجل تعريبه واتخاذ العربية لغة التدريس الأساسية فيه؛ انسجاماً مع متطلبات الذات الحضارية والمرحلة التاريخية، غير أن ذلك لم يفضِ إلى النتائج المرجوة، كما أنه تباين بين الأقطار العربية وتفاوت.
فإذا أخذنا، على سبيل المثال، الحالة المغربية، سنجد أن مساعي هذا البلد التعريبية، منذ الستينيات أثمرت إلى الآن، تعريباً شاملا للمواد التعليمية، إلى حدود السنة النهائية من سلك البكالوريا، في الشعبتين الأدبية والعلمية، ألحَّ على تدريس ذلك كلِّه باللغة العربية الفصيحة، بدون أن يمنع ذلك، طبعاً، من تدريس اللغات الأجنبية الحية، ومن الانفتاح على تكنولوجيا المعلومات الجديدة في فترات تالية. كما جعل النظام التعليمي المغربي من تحقيق الكفاية اللغوية لدى المتعلم أحدَ أهدافه الاستراتيجية، ولاسيما تمكُّنه من لغته (العربية). إلا أن المخرجات ونتائج العمليات التقويمية، التي حملتها تقارير عدة، أثبتت، للأسف، نقصا وضعفاً كبيرين لدى تلاميذنا، في ما يخص التحكم في اللغات إجمالاً، سواء تعلق الأمر بالعربية أو باللغات الأجنبية المدرَّسة، وفي طليعتها اللغة الفرنسية. الأمرُ الذي جُوبِهَ بسيل من الانتقادات، من الباحثين والجمعيات وغيرها، توجهَت في جانبٍ منها إلى اللغة العربية في حد ذاتها! التي وصفها بعضُهم بالقصور عن استيعاب العلم الحديث، وبعضُهم الآخر بتعقد بنائها ونحوها وإملائها وما إلى ذلك، ورَمَاها آخرون باتهامات هي منها بَرَاءٌ بَراءَةَ الذئب من دم يوسف عليه السلام! وكان يجدر بهؤلاء العودة إلى الوراء، للتعرف إلى واقع هذه اللغة وأدوارها الكبيرة في تاريخ الحضارة الإسلامية، أيامَ عِزها ومجدها، حين كانت لغة العلوم والأدب والفكر، وحين كانت لغة عالمية بامتياز وَلجَت ثقافات عديدة، وأقبل من غير العرب كثيرون على تعلمها لأغراض متعددة…
ولعل من وَحي هذه الاتهامات الباطلة دعا بعضهم إلى ترك اللغة العربية، واستبدالها باللغات الأجنبية المهيمنة اليوم، في قطاع التعليم، وكأنَّ هذه اللغة بالذات سبب تخلف منظومتنا التربوية! وهذا كلامٌ يبعث على الاستغراب حقّاً، ويُثير في الأنفس ما يثير! إن هذه اللغة الخالدة التي احتضنت الوحي الإلهي، ودُوِّنت بها العلوم، قادرة اليومَ أيضاً على نقل المعرفة، وتحقيق شتى الأغراض، ومواكبة المستجدات في مختلِف الحقول، وعلى أن تكون لغة تربية وتعليم راقيين، لا يَعيبها ولا ينقصها شيء. كما أن نُضجها أمرٌ بادٍ للدارس الموضوعي، وإن كان من غير العرب، ثم إن أي قصور قد يُرصد في مجالنا هذا مرجعه إلى أبناء هذه اللغة، المُنتسِبين إليها، وليس إلى اللغة العربية في حد ذاتها.. أولئك الذين لم يُعْطوا لغتهم بَعْدُ ما تستحقه من عناية، ولم يَجِدُّوا في تطويرها لتساير الحياة المتغيِّرة باستمرار.. إنهم مُطالَبون بالاحتفال بلغتهم أكثر على غرار ما فعله أسلافهم، وبمُواصَلة جهودهم في سبيل تطوير تلك اللغة الجميلة. يقول عبد الجليل طليمات في مقالٍ نشره، مؤخراً، بعنوان ‘اللغو .. في وضع ‘اللاّلُغة’..’: ‘إن المطلوب اليوم هو استئناف المجهود التجديدي للغة العربية الذي انطلق مع النهضَويين، منذ القرن التاسع عشر؛ حيث بوّأها مكانةً تنافسية عالمياً، وأهّلها لاستيعاب مُعطيات التطور العلمي، والتأقلم معها، كما حَرَّرَها من جمود القرون الظّلامية بتجديد نظامها الاشتقاقيّ والاصطلاحي’.
إن اللغة العربية (الفصحى والفصيحة معاً) كانت، وما تزال، وستظل قادرةً، بتفوُّق وبكفاءة عالية، على تحقيق غايات المنظومة التعليمية وأهدافها، ونقل العلم والمعرفة، والإسهام في مسلسل البناء والنماء. وإنها لغة ناضجة، ومَرِنة، وذات تنافسية في سوق اللغات، وذات امتداد جماهيري واسع. ومع ذلك، فإنها تحتاج إلى تضافر جهود إضافية من أجل تطويرها معجماً وتركيباً ودلالة، حتى تواكب الجَديدَ في الميادين العلمية والتقنية والأدبية والفنية. وإن أي دعوة إلى التخلي عنها تحت أي ذريعة كانت غيرُ مبرَّرة إطلاقاً، وغير مقبولة البتة، ولا يبدو أنها ستَلْقى آذاناً صاغِية أو استجابة معتبرة. وإن المطالبة باعتماد الدارجة، أو العربية العامّية، في التعليم؛ كما سمعنا بالأمس ونسمع اليوم، بدعوى أنها قريبة من المجتمع، يفهمها أفراده ويتواصلون بها… لن تلقى الترحاب المأمول منها، ولن تقنع إلا قلة قليلة من الناس، بل إنها في الواقع تُجابَهُ بمقاومة قوية من السواد الأعظم من أبناء هذه اللغة، الذين لا يتوانون في حمايتها والذود عنها؛ كما نرى في أيامنا هذه، من خلال ذلك الكَمّ الهائل من الكتابات الرافضة لنَهج خطة ‘التدريج’ في لغة التعليم.
القدس
|
|
|
|
|
|