|
|
|
|
ماذا عن استخدام اللغة العربية في أسماء النطاقات على الإنترنت
حسين الإبراهيم
لأول مرة تتدخل الجامعة العربية في موضوع أسماء النطاقات على الإنترنت... ولأول مرة يتم تشكيل فريق عربي متخصص بهدف دراسة استخدام اللغة العربية في أسماء النطاقات على شبكة الإنترنت....
يحدث هذا بعد سنوات من العمل المنفرد من قبل بعض الهيئات والمنظمات غير الحكومية، التي حاولت أن تلتقي، لكن هذا اللقاء لم يكن قادراً على تحقيق عمل جماعي مشترك.
الفريق العربي المتخصص، والذي تشكل من خبراء مثلوا عدداً من الدول العربية، وخبراء من منظمة الإسكوا وورشة مهندسي المعلومات العرب، اللتين توصلتا إلى مواقع متقدمة في هذا المجال، عقد في الفترة مابين 31 كانون الثاني و2 شباط 2005 اجتماعه الأول في دمشق، برئاسة الدكتور عماد صابوني المدير العام للمؤسسة العامة للاتصالات، باعتبار أن سورية ترأس هذا الفريق، الذي بذل جهداً متميزاً في الوصول بهذا الاجتماع إلى النتائج المرجوة، على الصعيدين المرحلي والمستقبلي.
حول أعمال هذا الفريق والنتائج التي توصل إليها، كان لـ (تشرين) اللقاء التالي مع الدكتور صابوني:
* لماذا هذا الاتجاه نحو استخدام اللغة العربية في أسماء النطاقات؟
** السعي لاستخدام اللغة العربية في أسماء النطاقات على الإنترنت له أسباب متعددة. هناك أولاً أسباب «سيادية»: فالعربية هي اللغة الرسمية لقرابة 250 مليون نسمة في 22 بلداً، وهي إحدى اللغات الرسمية في الأمم المتحدة؛ لذلك فنحن نريد أن يكون استخدامها على الإنترنت شاملاً، يذهب من المحتوى، إلى آليات البحث عن المعلومات، إلى أسماء النطاقات التي هي بمنزلة عناوين للمواقع والصفحات الموضوعة على الشبكة. وهناك أيضاً أسباب اجتماعية وثقافية: فليس كل من يستخدم الإنترنت متقناً للغةٍ أجنبية (الإنكليزية خاصة)؛ لذلك نريد أن يكون هذا المستخدم قادراً على الاستفادة من الشبكة (فيما يخص المحتوى العربي المحلي طبعاً) دون المرور بأية لغة أخرى. هذا إضافة إلى أن من يريد مثلاً استخدام علم محدد للدلالة على موقعة دون ترجمته، فلن يستطيع كتابته بالأحرف اللاتينية دون أي لبس. لنتخيل مؤسسة اسمها «صباح الخير» مثلاً تريد بناء موقع على الوب، فهل نسميه «sabah-el-kheir» أم «?sabah-elkhair»پ...؟ وكيف سيعرف المستخدم أي صيغة من عشرات الاحتمالات هي التي جرى فعلاً اعتمادها؟! إن استخدام اللغة العربية في هذه الحالة سيكون قطعاً أسلم الحلول.
* هل تعتقد أن اللغة العربية مؤهّلة للنجاح في هذا المجال؟
** قطعاً... وفي جميع الأحوال، فقد شقت اللغة العربية طريقها على الإنترنت كلغة لتدوين المحتوى، وكان هذا تحدياً أكثر صعوبة. أما أسماء النطاقات، فهي قضية أبسط إذا نظرنا إليها على الأقل من جهة أهلية اللغة، أقصد مقدراتها اللغوية الذاتية. والعربية، كما هو معروف، فيها جميع السمات اللازمة لنجعل منها لغة عالمية للنشر والتداول. التعقيد في هذا الموضوع (أقصد أسماء النطاقات) يأتي في واقع الأمر من جهات التقييس والعلاقة مع المنظّمات الدولية المعنية بإدارة الإنترنت وتحديثها تقنياً. وفي هذا الخصوص، فهناك معايير لما يسمى «عالمية أسماء النطاق» Internationalized domain names التي تسمح باستخدام اللغات غير اللاتينية؛ وقد كان رأينا اعتماد هذه المعايير بعد أن وجدنا أنها تسمح باستخدام اللغة العربية في أسماء النطاقات دون الإساءة إليها.
* ما هي المعطيات التي استند إليها اجتماع الفريق الخاص باستخدام اللغة العربية في أسماء النطاقات؟
** هذا الفريق -أولاً- هو مجموعة خبراء جرى تكوينها في إطار نشاطات مجلس الوزراء العرب للاتصالات والمعلومات، وهو الجهة العليا المسؤولة عن تنسيق نشاطات الاتصالات والمعلوماتية في جامعة الدول العربية. وأهمية ذلك تأتي من أن هذا الموضوع بطبيعته يحتاج إنجازه إلى تنسيق وإجماع عربي، إذ لا معنى أبداً للخروج بحلول فردية متباينة لكل دولة على حدة. أما ما استند إليه اجتماع هذا الفريق فيندرج على أكثر من صعيد:
الأهمية الخاصة لهذا الموضوع في هذه المرحلة. فقضية عالمية أسماء النطاق والتعدد اللغوي على الإنترنت هي من المواضيع المطروحة تحت عنوان «إدارة الإنترنت»، وهي من أهم ما ستناقشه المرحلة الثانية من القمة العالمية لمجتمع المعلومات WSIS التي ستعقد في تونس في تشرين الثاني القادم. لهذا السبب، ينبغي على المجموعة العربية الإسراع في صياغة وجهة نظرها حول هذا الموضوع، وأن تكون وجهة النظر هذه مكتملة وقوية ما أمكن حتى نستطيع المفاوضة بقوة في الاجتماعات التحضيرية للقمة.
المداولات التي أجراها المكتب التنفيذي لمجلس الوزراء العرب للاتصالات والمعلومات في اجتماعه الأخير في دمشق في تشرين الثاني الماضي، والتي دارت حول أهمية الخروج بموقف عربي موحّد حول هذا الموضوع؛ مع الإشارة إلى أن استخدام اللغة العربية على الإنترنت عموماً هو قضية لا تقتصر على القمة العالمية لمجتمع المعلومات، بل ستستمر بعدها وتتجاوزها.
الأعمال العربية والدولية السابقة التي جرت في هذا المضمار. فقد بدأت مقاربة هذا الموضوع في الواقع منذ أكثر من أربع سنوات. وجرت بعض اللقاءات العربية في تونس ومصر وغيرها، وتمّ فيها حصر النقاط الأساسية التي تتعلق باستخدام اللغة العربية في أسماء النطاقات على الإنترنت. وقامت بعض الجهات أيضاً (وعلى رأسها مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية في المملكة العربية السعودية) بدراسة الموضوع وتنفيذ مشاريع تجريبية لاختبار بعض الأفكار. وأخيراً صدرت «مسودتي إنترنت» Internet-Draft، واحدة عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، والثانية عن ورشة مهندسي المعلومات العرب، وجرى في هاتين الوثيقتين عرض النقاط الفنية الخاصة بهذا الموضوع واتخاذ مواقف منها وطرح مشاريع حلول لها. ولكن هذه المواقف والحلول كانت أحياناً غير متوافقة، ولم يكن هناك إجماع على كثير من النقاط، لذلك كان لا بدّ من عقد هذا الاجتماع للخروج أخيراً بموقف موحّد يسمح بالسير إلى الأمام في هذا الموضوع.
* هل تمت الاستعانة بتجارب اللغات الأخرى؟
** هذا في الواقع تمّ في البداية. فقد نظرت الأعمال الأولى التي ذكرتها إلى تجارب اللغات الأخرى. ولكن، طبعاً، هذه التجارب مفيدة في القضايا التنظيمية والإجرائية، أما في القضايا اللغوية الصرف، فلكل لغة خصوصيتها.
* إلى أي مدى تحقق الانسجام بين أعضاء الفريق في مناقشة المعطيات؟
** في الحقيقة، كان الفريق منسجماً. والانسجام لا يعني طبعاً أن الجميع كان منذ البداية على رأي واحد، بل يعني أن الجميع أتوا إلى دمشق مستعدين للنقاش وراغبين فعلاً في حسم المواضيع المطروحة، لذلك كانت النقاشات بناء، وقد استمعنا جميعاً إلى مختلف الآراء، وتداولناها، ثم خرجنا بنتيجة حولها، واتفق الجميع على الالتزام بها والدفاع عنها وإن كانت لا تطابق الآراء الفردية الأولية. وفي رأيي، فهذا انسجام كبير والتزام وشعور بالمسؤولية يُشكر عليه أعضاء الفريق.
* ما هي النتائج التي خرج بها الاجتماع؟
** المواضيع التي تداولناها كانت تخص أساساً الجوانب اللغوية والهيكلية لأسماء النطاقات العربية على الإنترنت. ففي الجانب اللغوي، تداولنا النقاط التي تخص اعتماد المحارف العربية المقبولة لاستخدامها في أسماء النطاقات. وقد وضعنا مجموعة من المنطلقات التي أُخذت القرارات توافقاً معها، منها التبسيط، والأمن من اللبس، وكذلك عدم المساس بسلامة مفردات اللغة من الناحية الإملائية خاصة. وفي النتيجة، توصلنا إلى جدول للمحارف العربية المقبولة (مشتق طبعاً من الترميز العالمي الموحّد Unicode)، وهو يتضمن الحروف والأرقام ولكنه لا يتضمّن حركات التشكيل والمحارف التجميلية (مثل التطويلة أو الكشيدة)؛ وكان دافعنا إلى ذلك أننا لا نريد أن يلتبس الأمر على المستخدم النهائي فلا يعرف مثلاً إذا كانت الكلمات المستخدمة في أسماء النطاقات مشكولة أم لا، وهل هي مشكولة كلياً أم جزئياً، الخ. وبالمقابل، فلم نقبل بتوحيد بعض الحروف المتشابهة (مثل الألف بهمزاتها المختلفة) لأن في ذلك غلطاً إملائياً. أما الأرقام، فقد توخينا أن يمكن استخدامها بشكليها المشرقي والمغربي على أن توحّد ترميزياً، وهذا ما يضمن قبول الحل في بلدان المشرق والمغرب. وقد اتفقنا على الطلب من الجامعة العربية تأليف مجموعة خاصة دائمة لمتابعة تحديث هذا الجدول وتقييسه بالتنسيق مع الجهات العالمية المعنية بإدارة الإنترنت، على أن يعاد النظر فيه دورياً. فإذا وجدنا مثلاً أن الاستخدام العربي أصبح يتقبّل أو يتطلّب استخدام حركات التشكيل، فيمكن إدراجها لاحقاً، وهكذا دواليك...
أما فيما يخص الجانب الهيكلي، فقد اتفقنا على أسماء النطاقات العلوية الدولية ccTLD للدول العربية، وتباحثنا في كيفية صياغة الاسم الكامل على نحو يقترب ما أمكن من اللغة الطبيعية؛ وتداولنا كذلك في إمكانات خلق نطاقات علوية نوعية gTLD باللغة العربية، ولكن البتّ في هذا الموضوع ما زال سابقاً لأوانه.
وأخيراً، جرى توزيع الأدوار بين مختلف الدول العربية الحاضرة للانتقال إلى المرحلة التالية، وهي التنفيذ، انطلاقاً من تعميم المشروع التجريبي الموجود حالياً في السعودية وبعض دول الخليج بعد تعديله وتوسيعه على نحو يتوافق مع النتائج التي توصلنا إليها.
* هل تعتقد أن هذه النتائج تتجه لوضع التقانة في خدمة اللغة أم وضع اللغة في مسار التقانة؟
** في الحقيقة لا أرى تناقضاً بين الاتجاهين! لا شك في أن النتائج تضع التقانة في خدمة اللغة، لأنه لولا التقانة لما كان بالإمكان تطويع البروتوكولات التقنية التي تقوم عليها الإنترنت لتقبّل لغات أخرى، ومنها العربية. ولكن، في الوقت ذاته، فقد وُضعت اللغة في مسار التقانة، لأن جدول المحارف العربية الذي خرجنا به سيسمح للغة العربية بأن تصبح من اللغات التي يمكن تقنياً استخدامها بسهولة ويسر في أسماء النطاقات.
وعلى كل حال، أعتقد أن هذا السؤال يأخذ أهمية أكبر عند الحديث عن مواضيع أخرى تتعلق بالتعدد اللغوي على الإنترنت، مثل المحتوى، وفي المقام الأول آليات البحث عن المعلومات على الشبكة؛ فهنا يمكن (بل يجب) الاستفادة من الخصائص النحوية والصرفية للغة العربية للوصول إلى أفضل الحلول، وهكذا تخدم التقانة اللغة، التي تصبح بدورها مطواعة تقانياً. وهذا موضوع منفصل يخرج الآن عن سياق حديثنا.
* إلى أي مدى تم الالتزام بقواعد اللغة العربية ومنهجيتها؟
** كما ذكرت آنفاً، توخينا عدم الأخذ بالحلول التي تنطوي على أخطاء إملائية، مثل الخلط بين «ا» و «أ» و «إ» أو بين «ي» وپ«ى». وحاولنا أيضاً ألا تبتعد الحلول كثيراً عن محاكاة اللغة الطبيعية ومنهجية اللغة. فمثلاً، يمكن أن يكون اسم النطاق الدالّ على موقع مخدم البريد الإلكتروني الخاص بالمؤسسة العامة للاتصالات في سورية بوضع النقطة بين كلمتي بريد ومؤسسة، و(الشرطة) بين كلمتي مؤسسة والاتصالات، والنقطة بين الاتصالات وسورية، أي على النحو التالي:
بريد.مؤسسة-الاتصالات.سورية
وسنقوم بوضع إرشادات عامة لصياغة أسماء النطاقات يمكن لمن يريد اعتمادها للوصول إلى مقروئية عالية للعنوان. ولكن ... يجب ألا يغيب عن أذهاننا أن أسماء المواقع ليست بالضرورة جملاً مفيدة ولا حتى عبارات تلتزم بقواعد اللغة. ومرة أخرى، فهذا الموضوع يأخذ مكانته في مجال آليات البحث عن المعلومات لا في مجال أسماء النطاقات؛ فهناك تكون للدقة اللغوية أهمية قصوى.
* هل تعتقد أن الاجتماع وصل إلى مستوى توحيد الجهود العربية في هذا المجال، أم إلى تكريس التوجهات الفردية؟
** أعتقد، كما قلت، أننا نجحنا في تطويع التوجهات الفردية للوصول إلى موقف عربي موحّد. ويشهد على ذلك النتائج المُجمع عليها التي خرجنا بها. وأتمنى أن يستمر الإجماع العربي في هذا المجال، وفي مجال استخدام اللغة العربية على الإنترنت عموماً، لأن ذلك سيمس استمرارية اللغة العربية ذاتها في مجتمع المعرفة الرقمي. ونحن، من جهتنا، سنبذل كل الجهد اللازم للوصول إلى ذلك.
* ما هي الخطوات المستقبلية؟
** التقرير الذي خرجنا به سيعرض على الفريق العربي المكلّف بالإعداد للقمة العربية لمجتمع المعلومات في اجتماعه القادم (منتصف شباط)، وسيكون محتواه مادة للعرض في الاجتماع الدولي القادم للتحضير للقمة. كما سيعرض التقرير للإقرار على مجلس الوزراء العرب للاتصالات والمعلومات في اجتماعه القادم في حزيران، هذا من الناحية الإجرائية. أما من الناحية التنفيذية، فسنبدأ فوراً، كما ذكرت آنفاً، في توسيع المشروع التجريبي الموجود حالياً في السعودية وبعض دول الخليج لاستخدام اللغة العربية في أسماء النطاقات على الإنترنت، ولو على شبكة مغلقة. وسنقوم أيضاً بالاتصال بالمنظّمات العالمية (مثل ICANN)والدولية (مثل الاتحاد الدولي للاتصالات) لعرض ما توصلنا إليه والضغط باتجاه تقييسه واعتماده، وهذا ما سيتطلب جهوداً منظّمة وحثيثة.
* متى سنشهد تطبيق اللغة العربية في النطاقات برأيك؟
** أتمنى قريباً... ولكن لا يمكن إعطاء موعد دقيق الآن. هناك مشروع بهذا الخصوص معروض على مجلس الوزراء العرب للاتصالات والمعلومات لاعتماده على المستوى العالمي، وستُناقش في الاجتماع القادم آليات تمويله، وعلينا في جميع الأحوال السير بسرعة في المشروع التجريبي كي يُصبح الموضوع حقيقة واقعة. وفي حال استمرّ الإجماع العربي (وهو ما آمله) فسنصل إلى فرض ما نريد فيما يخص استخدام لغتنا على الإنترنت، التي أصبحت في النهاية الشبكة العالمية التي يملكها الجميع، والتي يجب أن تخرج من تحت سيطرة جهة أو جهات محددة
تشرين
|
|
|
|
|
|