|
|
|
|

لغة إيمانية واحدة
أ. ابراهيم العجلوني
نفهم مما كتبه القاضي عبدالجبار في «تثبيت دلائل النبوة» أن العرب عرفوا - أواخر القرن الهجري الرابع – الأناجيل الأربعة المعروفة، وأن نُسخاً منها بالعربيّة الفصيحة كانت متداولة آنذاك. كما نفهم الأمر نفسه من كتابات الجاحظ الذي يستشهد بأقوال لسيدنا المسيح عليه السلام مأخوذة من نسخ هذه الاناجيل، فضلاً عن كتب المِلَلِ والنِحل التي عرفها تاريخنا الثقافي مثل «الملل والنحل» للشهرستاني و»الفصل في الملل والنحل» لابن حزم الأندلسي، فاذا اضفنا إلى ذلك كله كتب النقد والنقض للعقائد التي تتناول مذاهب أو أدياناً بعينها، فان من محصلة ذلك كله ان باستطاعة الباحث المعاصر أن «يجمع» نصا عربيا فصيحا غير مترجم حديثا للانجيل. وان يقارنه بالاناجيل التي يتداولها الناس اليوم، وان يرى الى دلالات ما بينه وبينها من اختلافات .. وان يخلص – ربما – الى ألوان من التصورات المتقاربة بين اهل الديانيتين المسيحية والإسلامية تعود في معظمها الى وحدة اللغة او وحدة التعبير بهذه العربية الفصيحة التي هي رباط وجداني ومناخ روحي فيما لا يختلف فيه اصحاب الذائقة السليمة من ابناء العروبة او ممن يعرفون شخصيتها المتميزة التي توحد بالضرورة وجدان ابنائها.
لقد اورد القاضي عبدالجبار نقولاً من الترجمات العربية القديمة للاناجيل ذات أهمية عظيمة يُفيدُ منها الساعون إلى كلمة سواء بين أتباع النبيين الكريمين. من مثل قول سيدنا المسيح عليه السلام: «الله ربي وربكم وإلهي وإلهكم»، وقوله: في دعائه (من يوحنا): «إن الحياة الدائمة إنما تجب للناس بان يشهدوا أنك أنت الله الواحد الحق، وأنّك أرسلت يسوع المسيح»، وقوله لبني اسرائيل: «تريدون قتلي وأنا رجل قلت لكم الحق الذي سمعت الله يقوله». وقوله عليه السلام: «إني لم اجيء لأعمل بمشيئة نفسي ولكن بمشيئة من ارسلني» وقوله: «إن الله مسحني وارسلني وإنما اعبد الله الواحد ليوم الخلاص» وقوله في شدة البلاء مناجياً الله سبحانه: «إن كان من مسرّتك أن تصرف هذه الكأس المُرّة عن احد فاصرفها عني، وليس كما أُريد أنا بل كما تريد أنت».. وغير ذلك كثير.
ويقودنا ما تقدم إلى الاشادة بإنجيل لوقا الذي اخرجته الكنيسة القبطية في مصر المحروسة، لما تميزت به ترجمته من فصاحة اللغة وتمتعها بشمائل العربية على نحو ما تتبدى في نماذجها العالية.
ومهما يكن الأمر، فإن «أبناء العربية» جديرون بأن تقدم لهم نصوصهم الدينية بلغة الفصاحة والبيان التي تميزت حضارتهم بها، ناهيك بما يكون من ذلك – اذا كان – من توثيق اواصر الوجدان والمحبة بينهم، ومن تحقيق وحدة الوعي التي تعززها لغتهم الشريفة الواحدة، واذواقهم المتشاكلة، وإيمانهم المشترك بالله العلي العظيم.
الرأي
|
|
|
|
|
|