للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  دعوة للمشاركة والحضور           المؤتمر الدولي العاشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

الخصومة في الأدب - 2

د. محمد سعيد حسب النبي

 

يشير أحمد أمين إلى أن الخصومات بين الأدباء هي من جنس الخصومات بين ذوي المركز الواحد أو أهل الصنعة الواحدة، ولذلك قلّ أن تجد خصومة بين أديب وعالم أو أديب وموسيقي، لأن ميدان السباق بينهما مختلف، إنما يخاصم الأديبُ الأديبَ لأنهما من واد واحد، ويريد كلٌ أن يكون له السوق وحده، فإذا شعر من أحد أنه يزاحمه في ميدانه خاصمه وهجاه، وقلل من شأنه، وشأن أدبه، وفعل الآخر مثله، فكانت النقائض والمهاجاة ونحو ذلك، وعلى ذلك القياس كلما كانت درجة الأدباء متقاربة كانت الخصومة بينهم أشد، والمهاجاة أعنف، وقد يتصافى أديبان ظاهراً ويتخاصمان باطناً، فتكون الخصومة دفينة تنتظر عود الثقاب ليشعلها، وقد يمر زمن طويل قبل أن يشتعل هذا العود، وكلما زاد أحد الأدباء حظوة عند القراء ازداد خصومه غيرة فراحوا يقللون من شأن نتاجه، ويتملحون الأسباب في انتقاضه، وقد تتكون حول كلٍ أنصار وحول كلٍ خصوم فيكون النزاع بين جماعات لا بين أفراد. 

ويرد أحمد أمين سبب الخصومة إلى تربية الأدباء أنفسهم وثقافتهم؛ فهذا أديب نشأ نشأة عربية خالصة، ولم يقرأ إلا لشعراء العرب، ولم يطّلع إلا على الكتب العربية، فعنده أن الأدب الغربي سطحي ثقيل الظل، وخير مثال يحتذى هو أسلوب الجاحظ أو شعر المتنبي أو أبي تمام، وهذا أديب أخذ حظه من أدب الغرب، ومزج بين الثقافتين وفضل الأدب الغربي على الأدب العربي، وصار المثل الأعلى له أن يحاكي "شكسبير " أو "لامارتين" أو "جوته"، فهو يريد أن يطعم الأدب العربي بخير ما في الأدب الغربي، ويريد أن يجدد في بحور الشعر وفي موضوعاته وفي ميادينه؛ فتنشأ الخصومة العنيفة، وهي في الواقع خصومة بين مدرستين ونزاع بين مذهبين، هذا يتعصب للقديم ولا يريد أن يتحول عنه أنملة، ويريد أن يتبع عمود الشعر كما كانوا يعبرون، وهذا ثائر لا يرضى عن القديم إلا أن  يمزجه بجديد، وقد كانت هذه الخصومة في كل عصر تقريباً، ويشير أحمد أمين إلى ذلك؛ فقال إن الناس عابوا على أبي تمام تجديده ونصره قوم، وهاجم العقاد والمازني شوقاً وحافظاً لهذه النزعة بعينها ونصرهما آخرون، وسيصبح الحديث قديماً ويعيبه جيل المستقبل ويريدون جديداً، وهكذا سنة الله في كل شيء حتى في الأدب.
وسبب آخر في الخصومة أورده أحمد أمين وهو الخصومة بين شيوخ الأدب وشباب الأدب، وهي خصومة واقعة، وغاية الأمر أن المسألة ليست بالسن؛ فقد يكون شيخاً وهو من أدباء الشباب، وقد يكون شاباً وهو من أدباء الشيوخ، لأن المسألة ليست تقدير عمر إنما هي نزعة، والنزعة إلى التجديد قد يشترك فيها شيوخ وشبان، والنزعة إلى المحافظة قد يشترك فيها شيوخ وشبان. والخصومة بين الشيوخ والشبان ترجع إلى عوامل مختلفة، منها ما ذكر سالفاً، ومنها أن بعض الشبان قد يكرهون من الشيوخ استيلاءهم على السوق وكثرة الزبائن فينفسون عليهم ذلك ويريدون أن يهدموهم ليحلوا محلهم، ويدافع الشيوخ عن مراكزهم فتكون معركة حامية الوطيس. وقد يرى الشاب الناشئ في الأدب أن من وسائل شهرته أن ينازل شيخاً؛ فإن ظفر به فقد فاز فوزاً عظيماً إذا غلب عظيماً، وإن لم يظفر به فليست هزيمة منكرة ويكفيه فخراً أنه ناوشه، فهو كاسب على كل حال.
والخصومة في الأدب تبقى وتخلد بتخليد الخصومة، فقد ذهبت كل الخصومات في العهد الأموي وبقيت خصومة جرير والفرزدق، وذهبت خصومات الناس في العصر العباسي وبقيت خصومة المتنبي وأعدائه.
 

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية