للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

لغتنا العربية وثقافة الأقطاع

د. رضا العطار

يمكن ان نقول ان النظام الاقطاعي هو نظام الزراعة القديمة، حين كان المالك اميرا.
ولقد كان الحق للأمير في ان يربط فلاحيه بارضه، فإذا فرّ احدهم استعاده وعاقبه.
وكان الخليفة او الملك يُقطع الامير او النبيل ارضا قد تبلغ مساحتها الف فدان او تزيد ويلحق بهذه الارض عمالها.

وظني ان هذا النظام كان سائدا في اوربا والشرق على السواء في القرون المظلمة.
( اي بين 500 وسنة 1000 للميلاد ) ثم بدأ ينهار تدريجيا. وكانت روسيا في القرن التاسع عشر أخر من الغاه.
وظني ايضا انه كان على اثقله واظلمه في اوربا مدة القرون الوسطى اكثر مما كان في امم الشرق العربي، الى ان تولى الاتراك الحكم فصار في امم الشرق العربي اسوأ واثقل ظلما مما كان في اوربا.

وكلمة اقطاع مشتقة من ( فيودوم ) اللاتينية بمعنى الماشية او الارض. ىيستطيع اي قارئ عربي ان يجد هذا المعنى في اي معجم عربي. اما معنى المساحة الذي ننسبه الى هذه الكلمة فليس له اساس في الاصل اللاتيني. ومعنى هذا ان نظام الاقطاع قد ساد في بلاد العرب قديما، ولكنني اعتقد ان العرب قد خففوه، ثم عاد بقوته في الظلم وقسوته في الجبروت ايام الحكم العثماني البغيض. فكانت ثقافة هذا النظام في الشرق العربي تشبه ثقافته في اوربا ايام القرون الوسطى اي انها كانت ثقافة اقطاعية. والثقافة الاقطاعية هي ثقافة الاستقرار والركود والسكون وليست ثقافة الحركة والنهضة والتغيير والتطور.

الثقافة الاقطاعية سواء في اوربا او في الشرق العربي ايام القرون الوسطى هي تأليف الكتب في العقائد الدينية والمناقشات الدينية ثم درس تاريخ القدماء وسيرتهم والاستعانة باساليبهم الجدلية لتأييد الدين --- هذا هو المبدأ الاول في الثقافة الاقطاعية. وليس لنا ان نستغرب ذلك، فان نظام الامتلاك الاقطاعي واستعباد الفلاحين انما ينهضان على التقاليد والتاريخ، وكلاهما قديم. ولذلك يتساوق تفكير الكتّاب والادباء مع الحالة الاجتماعية القائمة.

احترام اللغة القديمة واحترام التقاليد القديمة وعبادة السلف الصالح. وكل ما يتصل بهذه الاتجاهات. تنبني منه الثقافة الاقطاعية. وهي بالضرورة يجب ان تكون ثقافة راكدة. لا تنطوي على معنى الأرتقاء او التطور. لان فيهما معنى التغيير للمجتمع، وهذا التغيير الذي لم يكن من المستطاع التفكير فيه.

واذا كنا نجد تفكيرا ارتقائيا في ابن خلدون او ابن رشد او ابن ميمون او غيرهم فانه مما لاشك فيه انهم كانوا متأثرين بوسط أخر غير الوسط الاقطاعي الزراعي. لأن ابناء ابن ميمون مثلا كانوا يقومون بالتجارة ما بين الهند والاندلس. اي ان عقليتهم كانت تجارية.
اما حين يكون الوسط اقطاعيا فانه يكاد يكون من المحال ان يظهر اديب يفكر بالارتقاء والتطور الا اذا نشأ في بيئة تجارية او صناعية.

حين يتغير الوسط الاجتماعي الاقتصادي، فإن الامة تنتقل مثلا من انتاج الموارد الخامة الزراعية الى انتاج المصنوعات والاخذ بالتجارة، تتغير ايضا الثقافة من احترام القدماء في الادب والتزام اللغة القديمة ومدح الحكام الطغاة والتهالك على الالقاب الى ادب جديد يُدخل الشعب بل المرأة ايضا في حسابه. لان الشعب يبقى منسيا طوال الانتاج الزراعي الاقطاعي.

هذا الادب الجديد يشرع في التساؤل عن قيمة التسليم المطلق بحكمة القدماء واساليبهم في العيش بل فلسفة العيش ثم يشرع في النظر الى المستقبل. لان الابتكار المطرد في الصناعة يبعث في نفس الاديب احساس الابتكار ايضا والايمان بفكرة الارتقاء.
فنحن قد شرعنا في تغيير اسلوبنا في العيش وحاولنا الانتقال من الزراعة الى الصناعة. لكن بعض كتابنا وادبائنا لا يزالون متعلقين بالقيم الاقطاعية، بأشخاصهم وعقائدهم.

وعندما اجد في وطني العراق كتّابا لا يروق لهم موقف الشباب ويصفونهم بالنزق لانهم يجرؤن على استعمال حريتهم وابداء ارائهم بخصوص التقدم والدعوة مثلا الى حرية المرأة والمساواة بين الزوجين. ان هؤلاء الكتاب رغم ان حضارتهم التي يعيشون فيها انتاجا واستهلاكا، فقد تغيرت، الا ان عقولهم لم تتغير، اذ هم يحيون على الثقافة القديمة، بالاخلاق القديمة، والقيم القديمة. وعندما تشتبك معهم في مناقشات، يعمد من فوره الى اساليب القدماء. ويجادلك بكلمات الدين. حين كانت العقائد الدينية في الماضي البعيد هي كل الثقافة.

فالجمود الحاضر في اللغة العربية من حيث كراهتنا للكلمات العلمية وكراهة استعمالها باسمائها بها مخترعوا الالات، فلا نزال نستعمل كلمة سيارة بدل الاتوموبيل.
ونحن حين انتقلنا من البيئة الريفية الى سكنى المدن وركوب القطار ثم الطائرة، احتجنا الى تغيير مظاهرنا، فبدأنا نخفف من الملابس فاتخذنا البنطلون. لانه يزيد حرية الحركة في الساقين. ولا ننسى المشابهة بين ملابسنا السابقة وبين ملابس النساء. فأنها فضفاضة، خذ الدشداشة مثلا. توحي الراحة ولا توحي النشاط والحركة.
وكما ان بعض الناس لا يزالون يتعلقون بالملابس الشرقية الفضفاضة لانهم يحيون حياة الراحة المفرطة التي تؤدي بدورها الى الخمول، كذلك نراهم لم يقرأوا كتابا واحدا في العلم والمعرفة طيلة حياتهم الماضية، فلا يفهمون معنى الدقة العلمية في التعبير.
من كتاب البلاغة العصرية واللغة العربية لسلامه موسى.





صوت العراق

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية