|
|
|
|

اللغة العربية المفترى عليها - 2
د. رشيد بن حويل البيضاني
تناولت سابقاً مأساة اللغة العربية في بلادنا العربية، وبداية اندثارها كلغة للتخاطب والتحدث والتعامل اليومي، وكيف أصبح الحديث بالإنجليزية «موضة» تعكس -عند ضعفاء الشخصية- تقدماً مزعوماً، وحضارة مصطنعة. ونواصل اليوم الحديث عن هذه اللغة المفترى عليها، وأخشى أن يأتي يوم تضيع فيه هذه اللغة حتى من حياتنا اليومية.
وقضية اليوم تتعلق بغياب اللغة العربية لا على مستوى رجل الشارع، إنما على مستوى المثقفين بل وعلى مستوى جامعاتنا، لا في المملكة وحسب، بل في سائر أقطار الوطن المسمى -على غير واقعه الراهن- بالوطن العربي.
حكى لي أحد الأصدقاء القادمين من الدمام إلى جدة على متن طائرة الخطوط السعودية أنه جلس وإلى جواره رجل أعمال سعودي وآخرون ظلوا خلال الرحلة كلها يتحدثون بالإنجليزية تقليلاً للغة وتلك مصيبة بحق. لكن الطامة الكبرى هي أننا حتى الآن في دول الخليج، وكثير من دول العالم المسمى بالعربي، لم نقم بتعريب العلوم، وما زالت كليات الطب والصيدلة والهندسة وغيرها، تعتمد اللغة الإنجليزية لغة أولى للتدريس.
نعم، الإنجليزية هي اللغة الأولى في مجال العلوم والتقنية، ولا يعقل أن نجد طبيباً أو صيدلانياً أو مهندساً، لا يعرف هذه اللغة، لكن التدريس شيء، والإفادة منها في مجال الاطلاع شيء آخر. بإمكاننا أن نشترط مستوى معيناً من اللغة الإنجليزية لكل من تسوّل له نفسه الالتحاق بهذه الكليات، حتى نضمن خريجاً يستطيع الاطلاع على ما وصل إليه العالم من تقدم في هذه المجالات، لكنني لا أجد مبرراً معقولاً للتخلي عن اللغة العربية كلغة تدريس في هذه الكليات.
إسرائيل، التي تتحدث اللغة العبرية، وهي الوحيدة في العالم التي تتحدث بهذه اللغة، «عبرنت» العلوم، وجامعاتها التي تفوقت على جميع جامعاتنا العربية، واحتلت مكانة متقدمة بين جامعات العالم، تدرس العلوم المختلفة بلغتها التي تعتز بها، بل وتنسب إليها حيث يقال «الدولة العبرية» علماً بأن هذه اللغة لا يتكلمها إلا من يعيشون في إسرائيل وإجبارياً، فهي لغة محلية، ليست عالمية، وهذا في حد ذاته دحض لمزاعم القائلين بضرورة تدريس العلوم بالإنجليزية، لغة العلم والتقنية. تقدمت إسرائيل، وسبقتنا بمراحل، حين تمسكت بلغتها واعتبرتها جزءاً لا يتجزأ من كيانها ووجودها.
أنا من المؤيدين والمتحمسين لتعلم اللغة الإنجليزية، بل وغيرها من لغات العالم المتقدم، فمعرفة اللغات تعني معرفة الشعوب، وتخفف من حدة التعصب القومي، وتفتح أمامناً آفاق المعرفة المختلفة، لا في العلوم وحدها، بل في الآداب أيضاً، لكن هذا التأييد، وهذه الحماسة، لا يمكن أن يكونا على حساب لغتي وقوميتي وهويتي وكياني، وقبل ذلك كله، لا يمكن أن يكونا على حساب لغة ديني وعقيدتي وقرآني.
عكاظ
|
|
|
|
|
|