للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

استهداف اللغة العربية استحمار ايديولوجي

أ. عبد الحكيم كرومي

 ارتبطت حملة ‘معاداة اللغة العربية’ في بدء أمرها بالمساعي الاستعمارية المنظمة التي استهدفت الشخصية الوطنية قصد تفكيك وحدتها، ذلك أن المستعمر أدرك جيدا أن اللغة، إضافة إلى كونها ثابتا لا تقوم هوية بدونه؛ فهي خزان الأفكار والقيم التي من خلالها تتحدد طبيعة المنظار الذي تنظر به أمة من الأمم للكون والحياة، ومن ثمة فاستهداف اللغة هو في جوهره استهداف لذاكرة الأمة الجماعية، بغرض إحداث شرخ في كينونتها وفصلها عن تاريخها وتغريبها عن حاضرها، تمهيدا لإحكام السيطرة على البلاد والعباد؛ وصهرها في بوتقة النموذج الثقافي والحضاري الغربي الذي سعى الاستعمار إلى توطينه بكل الوسائل في البيئة العربية.
لقد كانت الخطة التي سلكها المستعمر تهدف من ناحية؛ إلى الاحتواء والسيطرة على العملية التعليمية من أجل إفراغ الفكر التربوي الوطني من مقوماته وخصائصه الأصلية وتذويب خصوصيته، ومن ناحية أخرى العمل على تكوين نخبة من المتغربين والسهر على تربيتهم على التنكر لكل ما يرتبط بقضايا أمتهم وهويتهم، حتى يضمن استمرار مشروعه الامبريالي في مرحلة ما بعد الاحتلال، وهكذا؛ ما فتئت هذه النخبة الوظيفية من حين لآخر تعمل على إحياء وبعث المخططات التخريبية التي فشل المستعمر في تنزيلها، وهي مخططات تروم تفكيك وتقويض النسيج الاجتماعي والثقافي والديني للبلاد المستعمَرة.
وبهذا تشكلت حملة ‘شعوبية جديدة’ معادية لكل ما يمت بصلة للثقافة العربية، حملة بوجه خارجي، وآخر داخلي يمثله التسلط النخبوي من بيروقراطيين ورجال أعمال نافذين أدركوا بعض الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية، يلهثون وراء تحصينها ولو على حساب مصالح أمتهم.
إن الدعوة إلى اعتماد ‘الدارجة’ كلغة للتعليم خاصة في مراحله الأولى، آخر مخططات الشعوبيين، وهي دعوة غريبة مثلت ردة وانتكاسة حضارية، بنيت على مسلمة مفضوحة، وهي إقامة التلازم بين تأزم الوضعية التعليمية واللغة التي نتحدث بها!!ولا يخفى ما في هذا ‘الاستحمار’ الأيديولوجي الذي شغل الرأي العام من تهافت، فحقيقة الحملة ليس هي ‘تدريج’ التعليم بل محاربة اللغة العربية تمهيدا لترسيم لغة بديلة.
إن المسكوت عنه عند ‘الشعوبيين’ هو أولا مسألة ارتباط اللغة العربية بالنص المؤسس للحضارة العربية الإسلامية، وهذا ما يؤرق ويقض مضجعهم هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فالعربية عائق أمام إدراك مصالح بعض النخب الفرانكفونية من الشعوبيين؛ إذ بالنسبة لرجل الأعمال فأسهل طريقة يمكن أن يسلكها للوصول إلى ‘جيوب’ المواطنين الذين ينظر إليهم باعتبارهم مجرد مستهلكين، هي مخاطبتهم بـ ‘الدارجة’ قصد تسطيح وتبليد وعيهم.
مما يعني أن الدعوات إلى ‘التدريج’ تخفي من ورائها دعوة أخرى متوارية خلف ما هو مصرح به، وهي نزع الصفة الدينية عنها وذلك باعتبارها لغة تستمد قوتها من خارجها، وإحداث شرخ في شخصية المواطن والإلقاء به في لجة الاستلاب والضياع، ذلك أنها لغة حاملة للثقافة الإسلامية التي تقف حاجزا أمام كل المخططات الاستعمارية الهدامة.
ولا يخفى أن الحركة العلمية التي نشطت في الحضارة العربية الإسلامية، والتي استوعبت مجالات الحياة، وتوصلت إلى كثير من الحقائق العلمية في الطب والهندسة والفلك والرياضيات الخ، كانت باللغة العربية، فمن رسائل ابن حيان (ت197هـ) في الكيمياء، إلى ‘كتاب الجبر والمقابلة’ لمحمد بن موسى الخوارزمي (ت 236هـ) ثم ‘الحاوي في الطب’ للطبيب أبي بكر الرازي (ت 311هـ) وبصريات الحسن ابن الهيثم (ت322هـ) وقانون الشيخ الرئيس ابن سينا (ت 438) في الطب و’نزهة المشتاق في اختراق الآفاق’ للشريف الإدريسي (ت458هـ) وغيرها من المؤلفات العلمية العديدة.
واضح إذا أن التعليم في المغرب الذي تعرض لعملية ‘تدجين’ منذ الاستقلال إلى الآن أضحى بسببها نسخة مشوهة لنظام تربوي غربي في توجهاته وأهدافه وبرامجه، لا يمكن بحال اختزال أزمته – بعد أن فقد روحه الوطنية – في بعد واحد، إذ كل المخططات والمقاربات الإصلاحية التي تعاقبت على المنظومة التعليمية بالمغرب، كانت تجزيئية؛ مفتقرة إلى الرؤية الشمولية، ثم إن أغلب المحاولات الإصلاحية اتسمت بالارتجال وانعدام الحس التشاركي علاوة على غياب الإرادة السياسية الحقيقية.
وهكذا فالقول بأن ‘تدريج’ التعليم هو حل للأزمة التربوية، يعتبر من قبيل تغطية الشمس بالغربال، وهو صرف للنظر عن إدراك مواطن الخلل الحقيقية في المنظومة التربوية، ثم إن هذا لا يزيد إلا تكريسا للتبعية والضياع في وقت يتطلب تعاون كل القوى الوطنية الحية داخل البلاد من أجل التأسيس لمرحلة الاستقلال الذاتي عن طريق النظر إلى مشاكلها بأعينها هي لا بأعين غيرها؛ سعيا للنهضة والتحرر.

القدس

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية