للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

المستشرق برنارد لويس وتفتيت دول المنطقة

جهاد فاضل

يعود مشروع تقسيم منطقة الشرق الأوسط ومنها دول المشرق العربي ليطل بوجهه بين وقت وآخر وكأنه برأي من يطرحه نوع من الكي الذي كان القدماء يقولون إنه آخر الدواء والواقع أن طارحيه الجدد لا يبحثون عن حلول جذرية أو ناجعة لمشاكل المنطقة، وما أكثرها، بقدرما يبحثون عما يدفع بها إلى الهاوية وأكثر ويدمر دولها الحالية وبحسب هؤلاء ليس أفضل من تقسيم هذه الدول وهي في الأساس وليدة تقسيم استعماري إلى دويلات تؤسس على أساس طائفي أو مذهبي بحت حتى ولو كان هذا الأساس ينافي المنطق وما إليه، وحتى لو كان البلد صغيرا من حيث المساحة ولا يصلح إذا قسم للحياة أو للاستمرار أوللوجود أصلا. فالمهم عند هؤلاء هو تفتيت الدول الحالية، وهي دويلات، إلى دويلات جديدة ولو بحجم محافظة أو قائمقامية والذرائع والأسباب موجودة ويدلي بها على الدوام من قبل جماعة التقسيم هؤلاء، وهي أن الولاء عند مواطني هذه الدول ليس لأوطانهم بل لطوائفهم ومذاهبهم وأن التاريخ الحديث والقديم أيضا أثبت أن اللحمة والانسجام بين شتى شرائح هذه المجتمعات المذهبية في حكم العدم فلا مفر والحالة هذه من اللجوء إلى التقسيم مهما كان بغيضا أو مستنكراً عند كثيرين.

ولا شك أن من يطرح هذا الطرح ليس فئات وطنية محلية تنشد الخير والمصلحة العامة. فمن يطرح فكرة تقسيم دول المنطقة حيث أمكن إلى دويلات طائفية ومذهبية، ويعمل على تحقيقها، هي فئات أو جهات خارجية غير مجهولة. ومع أن الوضع الحالي لهذه الدول ليس وضعاً مزعجاً لهذه الجهات ويؤمن لها كل مصالحها، ومصالح إسرائيل بالدرجة الأولى، إلا أنها تنشد المزيد من التفتيت والتقسيم وتنشد بالدرجة الأولى جعل إسرائيل تشعر بالأمان لجهة المستقبل وجعل مواطني إسرائيل ينامون بدون أن تهاجمهم هواجس المستقبل.

وعندما يُذكر مشروع تقسيم دول المنطقة وفي الطليعة سوريا والعراق ولبنان إلى دويلات طائفية ومذهبية يرد إلى الذهن على الفور اسم المستشرق البريطاني الأمريكي الشهير برنارد لويس الواسع النفوذ في الدوائر الأمريكية والغربية عموما واليهودي الأصل والصهيوني قلبا وقالبا. برنارد لويس متخصص بالإسلاميات وبالإسلام في تركيا بصورة خاصة وله مؤلفات كثيرة حول تاريخ الإسلام ومجتمعاته المعاصرة نقل بعضها إلى اللغة العربية ورد عليها مؤرخون وباحثون عرب كثيرون فندوا ما فيها من السموم والأخطاء وقد أمضى لويس حياته مدرسا للتاريخ الإسلامي في جامعات لندن وأمريكا ومرتبط أوثق بارتباط بالمخابرات البريطانية والأمريكية وكثيرا ما نقلت وكالات الأنباء لقاءاته خلال سنوات حكم الرئيس جورج بوش الابن مع هذا الرئيس ونائبه تشيني كما هو دائم السفر إلى إسرائيل للمزيد من التنسيق والتوجيه.

سمعت لأول مرة باسم برنارد لويس من الدكتور كمال الصليبي رئيس قسم التاريخ في جامعة بيروت الأمريكية قبل أكثر من ثلث قرن.

قال لي أنه درس في جامعة لندن على يدي هذا المستشرق وأنه مستشرق كبير بالفعل، ولكن مشكلته أنه لا يرى دول المنطقة إلا على أساس طائفي. فلبنان على سبيل المثال ليس شعباً أو وطناً وإنما هو سنة وشيعة وموارنة ودروز. وسوريا ليست هذا البلد المنضوي في إطار الأمة العربية، وإنما هي بلد سُنة وعلويين ودروز وروم أرثوذكس وأكراد والعراق بدوره منقسم بين طائفتين كبيرتين أما مصر ففيها أقلية كبيرة هي الأقباط.

لا تختلف وجهة نظر برنارد لويس هذه عن وجهة النظر السائدة في إسرائيل، دولة ونخباً سياسية فمنذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948 وإسرائيل لا تتعامل مع اللبنانيين إلا على الأساس الذي أشرنا إليه اتصلت في البداية بالموارنة بقصد استمالتهم وإنشاء "علاقة خاصة" معهم كانت تنجح حينا وتفشل حينا آخر. وقد لا يعلم كثيرون انه كانت لها صلات مع مرجعيات شيعية في الجنوب اللبناني على أساس أن هناك عدوا مشتركا للفريقين يتمثل بالفلسطينيين. وفي وقت من الأوقات اتصلت بدروز لبنان بواسطة دروز إسرائيل على أساس أن اليهود والدروز أقليتان وسط بحر إسلامي. وفي كل هذه الاتصالات لم يكن اللبناني مرتاحا إلى هذا الغريب المريب العامل على شق الصفوف والذي لا يوحي بالثقة ولا يمكن الاطمئنان إليه. وقد أثبت تجربة التعامل اللبناني معه كل ذلك.

ولكن برنارد لويس المستشرق الخطير والصهيوني القديم المحنك لم يعر لبنان اهتماما كبيرا، فما يهمه هو العمل على تفتيت منطقة الشرق العربي، والجزيرة بالطبع إن أمكن، لا تفتيت لبنان وحده. أما وسائله فليست بالطبع كتبه بل اتصالاته وتقاريره المخابراتية وصلات مباشرة له مع صناع القرار في الغرب وفي الطليعة الولايات المتحدة الأمريكية كان للمستشرق اليهودي الأصل صلات شخصية مع أغلب رؤساء الولايات المتحدة على مدى أكثر من نصف قرن، ومع مسؤولين أوروبيين كبار، ومع دوائر استخبارية، في الغرب بوجه عام، ولديه قبل كل شيء حججه وقناعاته وخرائطه للمنطقة وكله جاهز وكاف للإقناع. وكما عمل برنارد لويس في عالم الاستشراق كمستشرق كبير ذي شأن مسموع الكلمة، عمل في الوقت نفسه مستشارا عالي الرتبة في دوائر صنع القرار في الغرب.

ما هي كلمة السر الأساسية في قلب هذا الرجل؟ ثمة من يجزم بأنها "إسرائيل"، وثمة من يجزم بأنها "الإسلام"، ولكن على سبيل الكيد والإساءة وصنع كل ما من شأنه إعاقة المشروع الإسلامي والمشروع الوطني لدول المنطقة.

وعلى الرغم من أن ما ذكرناه في هذا المقال عن برنارد لويس، وعلى الرغم من ترجمة عدد وافر من كتبه إلى اللغتين العربية والتركية، فإن أي جهة أكاديمية أو بحثية تعنى بتاريخ العرب والمسلمين لم تبادر يوما إلى الدعوة إلى ملتقى يناقش أعمال هذا المستشرق "المؤرخ" ذي الخلفية والنزعة اليهودية والصهيونية ويكشف ما في رؤاه التاريخية من زيف وبهتان.

يتجاوز برنارد لويس الآن التسعين من العمر لم يعد يستطيع أن ينهض بالمهام التي ندب نفسه لها منذ الأربعينيات من القرن الماضي. ولكن ما ألقاه من بذور وما أوصى به الجهات النافذة في العالم، لا يشيخ ولا ينقضي لأنه مرتبط أوثق ارتباط بمصير الدولة العبرية ومصير الاستعمار الغربي في منطقتنا، ولأن الهدف الجوهري منه هو الكيد للإسلام وتعطيل مخططات الإسلاميين. وعلى ذلك يكون برنارد لويس أكثر من مستشرق خطير، فهو في الواقع "مشروع" استعماري من نوع المشروع الصهيوني، ومن نوع الحملات الصليبية التي لا شك أنه وإسرائيل آخر هذه الحملات.

الراية

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2026
المجلس الدولي للغة العربية