للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  دعوة للمشاركة والحضور           المؤتمر الدولي العاشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

مستقبل اللغة بين الذكاء البشري والاصطناعي

عبدالرحمن أبوالجدايل

 

هل يمكن للذكاء الاصطناعي الذي كثر الحديــث عنـه في الآونــة الأخيرة أن يحاكي العمليات الذهنية المعقَّدة التي يمر بها الدماغ البشري لتكوين اللغة وتفكيك رموزها؟ وهل بإمكان الآلة حقاً أن تحاكي البشر لغوياً؟ وما هو أثر ذلك على لغتنا العربية؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، وبمناسبة الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية الذي يصادف 18 ديسمبر من كل عام، نظَّمت المجلة، مؤخراً، ندوة حول "مستقبل اللغة العربية بين الذكاء البشري والاصطناعي" بالشراكة مع مركز التميز البحثي في اللغة العربية بجامعة الملك عبدالعزيز، وباستضافة من النادي الأدبي الثقافي بجدة.

شارك في هذه الجلسة التي أدارها رئيس تحرير القافلة، بندر الحربي، عدد من المتخصِّصين في علوم اللغة والذكاء الاصطناعي، وحضرها نخبة من الأكاديميين والطلاب الجامعيين والمثقفين المهتمين بهذا الشأن.

كان الأستاذ الدكتور عبدالرحمن رجا الله السُلمي أول المتحدثين في الجلسة، وقدَّم ورقة بعنوان: "الحاضر الرقمي وبناء المستقبل اللغوي"، عرّف فيها التكنولوجيا اللغوية بأنها دراسة علمية للغة طبيعية من منظور حاسوبي يحاكي نظام عمل الدماغ البشري.

وقال: "سعت التكنولوجيا اللغوية إلى محاولة تفسير كيفية اشتغال الذهن البشري في تعامله مع اللغة، معرفة واكتساباً واستعمالاً، فأصبح بإمكان الحاسوب محاكاة نمط اشتغال العقل الإنساني من خلال لغة صورية صناعية".

وبيّن أن اللغة العربية استفادت من الحاسب الآلي كثيراً في إنجاز تطبيقات لغوية حقَّقت بها قفزة نوعية، مما يدل على أن اللجوء إلى أساليب الذكاء الاصطناعي وهندسة المعرفة هو الحل للمحافظة على اللغة وضمان حيويّتها.

وأشار إلى أن بحوث الذكاء الاصطناعي توصَّلت إلى أن الوظيفة الأساسية للعقل البشري التي تميزه عن العقل الحيواني، هي مقدرته على إنتاج الأنظمة الرمزية واستعمالها، والفهم اللفظي وطلاقة الكلمات والطلاقة الارتباطية والاستدلال اللفظي والذاكرة اللفظية والقواعد والتهجئة.

وأوضح أن التكنولوجيا اللغوية تعمل على تحويل كل ما يتصل باللغة من نحو وصرف وبلاغة وعروض وأدب وغير ذلك من فروع اللغة العربية إلى صورة رقمية محوسبة.

من يفرض لغته يفرض واقعه
ورأى السُلمي أن العصر الذي نعيشه هو عصر التفجُّر المعرفي، وأن الانتشار الثقافي بلغ درجة أصبح الكل معها يستغل نتائجه وتطبيقاته في إنجاز عمله.

وبات من الضروري أن نهتم ببناء التكنولوجيا اللغوية لأسباب كثيرة، من أهمها: نشر المعارف اللغوية بأنواعها وتيسير الوصول إليها، وتسهيل عملية التواصل المعرفي والبناء العلمي للمعارف والنظريات اللغوية بين المشتغلين بالعربية. وأشار إلى أن الرقمنة جعلت الناس اليوم أنضج وأكثر تعلماً وتأثيراً، وقال: "لقد أصبحت قوى بيئية وسياسية وعلمية واجتماعية تؤدي إلى ما يسمى عولمة اللغة، ولذلك،فإن من يفرض لغته يفرض واقعه".

ثلاث مؤسسات في المملكة ستساعد على النهوض بتكنولوجيا اللغة
ولأن التكنولوجيا اللغوية تحتاج إلى عمل مؤسسي منظَّم تقوم عليه جهات حكومية ومؤسسات خاصة معنية بالشأن اللغوي، وتمتلك القدرات البشرية والمادية، أكد السُلمي أنه من أجل النهوض بواقع التكنولوجيا اللغوية، يمكن مواصلة المنجزات المتحققة والاشتغال على تطويرها، وعدّد من أبرزها: برامج التوثيق ووسائل حفظ المعلومات وتصنيفها، وصناعة المعاجم الإلكترونية، والترجمات الآلية ونقل المحتوى العلمي وبرامج تعليم العربية للناطقين بغيرها، والمدقّق الإملائي، والتعرف البصري على الحروف وغير ذلك.

ومن أجل النهوض بواقع التكنولوجيا اللغوية كذلك، رأى أنه يمكن الاشتغال على "تفعيل التخطيط اللغوي من خلال إصلاح بنية اللغة وأصواتها ووظائفها وتقنين الكتابة وقواعدها وبناء المعاجم وحماية مفردات اللغة وتحديثها ودعم التواصل مع المجتمعات الناطقة بها. كما يمكن دعم السياسة اللغوية من خلال القرارات المتخذة في مجمل العلاقات بين اللغة والحياة التي تضمن استخدام اللغة في العلم تعلماً وتعليماً".

وقال: "لدينا في المملكة ثلاث مؤسسات مهمة ستساعد بشكل كبير في بناء المستقبل اللغوي، وهي: مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، ومجمع الملك سلمان بن عبدالعزيز العالمي للغة العربية، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي".

بين اللغة واللسان.. وبين اللغة والفكر
وتناول الدكتور نور الدين السافي اللَّبس الذي يحصل في أذهاننا بين معنى كلمة "لغة" وكلمة "لسان". وفق ما هو دارج، فاستهل حديثه ببيان أن اللغة هي خاصية واحدة لكل البشر وإن اختلفت ألسنتهم. وقال: "لا وجود للغات وإنما توجد ألسنة. فاللغة واحدة وتتجلى في الشعوب والحضارات بصور مختلفة ومتعدِّدة، نسميها ألسنة. وهي الجوهر الروحي للإنسان، وهي العقل، وهي النطق كما قالت العرب.
وصدّر السافي كلمته بعنوان "اللغة والفكر"، طارحاً في بداية حديثه مجموعة من التساؤلات: ما هي العربية؟ وما دورها حسبما جاء في القرآن الكريم، ومن المسؤول عن القيام بتنفيذ هذا الـدور المنوط بها؟

فحول المفهوم القائل إن البشرية تلتقي في اللغة وتفترق في اللسان، قال: "إن اللغة تجعل تواصل الإنسان بالإنسان ممكناً، وتجعل حوار الحضارات والتقاءها ممكناً أيضاً. واللسان هو الشكل الذي يعبّر به مجتمع ما عن اللغة تعبيراً اجتماعياً وثقافياً ودينياً، وغير ذلك.
 
وخلص إلى أنّ "لسان الأمة يعكس رؤية الإنسان للعالم ويجسّم قيم هذا الإنسان ورؤيته للوجود والواقع، بل ورؤيته للآخرين الذين يختلفون عنه". وأضاف: "إن الألسنة، وإن تعدَّدت في تفكيرها وتعبيرها وقيمها، كالعربية والإنجليزية والفرنسية واللاتينية وغيرها، فإنها تغذِّي بهذا التنوُّع الثراء اللغوي للبشرية، وبالتالي الثراء الفكري؛ لأنَّ اللغة هي التي تصنع الفكر".

وعدَّ السافي التعامل مع أشكال التفكير يقتضي تساوياً في الألسنة أو تقارباً بينها، وهذا ما يفسر بوضوح لماذا الترجمة ممكنة والتعبير عن الفكر البشري ممكناً داخل ألسنة مختلفة، رغم تفاوت الألسنة في هذا تفاوتاً في النضج والعمق. أما رفض الآخر بدعوى أنه فكر غريب عنا، مثلاً، فهو يعكس عدم فهمنا له، أي عدم فهم عمل لسانه المعبّر عن فكره ومدى نضجه وتطوره.

ووصف اللسان بأنه "خاصية اجتماعية"، بينما وصف الكلام بأنه "خاصية فردية". وقال موضحاً: "إن الطفل يتعلَّم التفكير بالكلام أثناء تعلّمه للكلام، وأشار إلى ما قاله ابن خلدون في مقدِّمته في هذا الصدد، بأن ما أفسد طرائق تعلّم اللسان في أمة العرب هو أنها حوَّلت تعليم اللسان إلى درس في اللغة والصـرف والعـروض. وقـال:" يتخرَّج الطالب عارفاً بكل القواعد وعاجزاً عن تأليف جملة في الوقت نفسه. لأن تعلّم لسان أمة لا يكون من خـلال قواعدها، وإنما من خلال استعمالها وممارستها".

اللغة الطبيعية واللغة الاصطناعية
ورأى السافي أنه إذا نجح العلم في توحيد البشر عقلانياً فإن وجودنا الإنساني بحاجة إلى أمر أهم، وهو إنشاء المعنى. "فالعالم من حولنا صـار باهتاً، والرياضيات التي تصنع العلم والحقيقة العلمية والقوة والنفوذ على الطبيعة لا تمنح الإنسان معنى وجوده وحقيقة رسالته". وأكد أن اللسان، أي اللغة الطبيعية هي القادرة على ذلك، وهي أداة الإبداع التي تبدع الشعر والخطابة وغيرها لأنه شرط المعنى.

وأضاف: "سيبقى اللسان العربي دوماً وسيلة سبيل للعالم وسبيل غرس المعنى فيه. لأننا خارج هذا اللسان نفقد وجودنا النوعي الخاص بنا... إن إنقاذ لساننا وتقوية دوره العالمي اليوم لا يكون بأدوات قديمة تجاوزتها العلوم. فالعرب المسلمون وغيرهم بعد الإسلام هم الذين كوَّنوا علم اللسان العربي، وأخرجوا العربية الأولى من حياتها الضيقة لتصير لغة العلم والوجود وقتها".

وختم كلمته بالقول إن "سيبويه وابن جني والجاحظ والتوحيدي والجرجاني وحازم القرطاجني وابن سيدة وابن فارس وابن منظور وغيرهم، هم صناع لساننا الذي أبدعنا به في زمان سابق. ولكننا لسنا بحاجة اليوم إلى أن نقول قولهم وإنما نحن بحاجة لأن نفعل فعلهم. أي أن نبدع مناهج علمية جديدة تمنح لساننا قوة الحياة من جديد ليكون لساناً فاعلاً بين الأمم علماً وثقافة ورسالة وليس مجرد يوم نحتفل فيه.. لساننا هو كرامتنا ومن أهدر لسانه أهدر وجوده".

الذكاء اللغوي الاصطناعي.. الواقع والتحديات
وطــرح مديــر الجلسـة على الدكتـور يحيى علي آل مريع عسيري سؤالاً عريضاً حول واقع وتحديات إدخال اللغة العربية في سياق الذكاء الاصطناعي، فأجابت كلمته خلال الجلسة عن هذا التساؤل. إذ أوضحت أن الذكاء اللغوي الاصطناعي فرع من الذكاء الاصطناعي، ولكن الذكاء اللغوي الاصطناعي الكامل هدف بعيد جداً؛ لأنه يشبه ذكاء البشر.

وقدَّم عسيري شرحاً عن فهم الكلام وإنتاجه بين الإنسان والآلة، وتحدث عن معالجة اللغات الطبيعية آلياً، وأعطى لمحة عن أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعي المعتمدة على فهم اللغة. ثم استعرض الواقع وأبرز التحديات، وطـرح تساؤلاً عن مستقبل اللغة العربية في عصـر الذكــاء اللغوي الاصطناعي.

فعن تفسيره لمفهوم الذكاء اللغوي الاصطناعي، أشار إلى أن الآلة تمتلك قدرة لغوية تحاكي قدرة البشر على فهم وإنتاج الكلام، ورأى أن امتلاك الآلة هذه القدرة اللغوية يجعلها "أذكى" ويمكّنها من القيام بالمهام المطلوبة، كما أن ذلك يعزِّز القدرة على التواصل بينها وبين الإنسان.

وفي معرض حديثه عن فهم الكلام وإنتاجه بين الإنسان والآلة، أشار عسيري إلى أن إنتاج الكلام وفهمه من وجهة نظر لسانية يمر بمرحلتين: الأولى هي مرحلة الإنتاج، وفيها يكون توليد المعنى في الذهن، ثم تشفيره باستخدام نظام لغوي معيَّن، ثم ينتقل الأمر على شكل صوت. وقال إن من التطبيقات القائمة على الذكاء اللغوي الاصطناعي في جانب إنتاج اللغة ما يمكننا أن نرى روبوتاً يتكلم أو أن نرى برنامجاً للترجمات الآلية أو برنامجاً لتحويل الصورة أو الفيديو إلى نص. أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الفهم والإدراك، حيث تبدأ بالسماع، ثم فك الشفرة باستخدام النظام اللغوي، ثم التفاعل مع الخطاب.

مستويات المعالجة اللغوية
وتحدث عسيري عن معالجة اللغات الطبيعية آلياً واصفاً إياها بأنها تمر بعدة مستويات للمعالجة، فالمستوى الأول هو التقطيع والتحليل المعجمي والنحوي. ورأى أن هناك اهتماماً لا بأس به بالنسبة لهذا المستوى من المعالجة في أمريكا وأوروبا والوطن العربي. وأما المستوى الثاني فهو التحليل الدلالي على مستوى الجملة، كتحديد الأدوار الدلالية وإزالة اللَّبس والحقيقة والمجاز في النص. وأعطى مثالاً لانتشار هذا المستوى من المعالجة للغة العربية، كبرنامج الأدوار الدلالية للغة العربية وبرنامج شبكة الأفعال العربية.

أما المستوى الثالث حسبما أشار، فهو فهم التحليل الدلالي على مستوى النص، كتحديد العلاقات الزمانية بين الأحداث وتحديد مرجع الضمير، والعلاقة المنطقية بين الأحداث...

واستعرض عسيري أبرز التحديات والحلول المناسبة في مجال مستقبل اللغة والذكاء الاصطناعي، وهو تعزيز الاستفادة من التقنية عبر توظيف اللغة فيها، ذلك أن اللغة البشرية ظاهرة عالية التعقيد، "وإزاء ذلك يمكن الاستعانة بما يسمى بالنمذجة اللغوية". كما أن اللغة تحتاج إلى معرفة علوم أخرى. ومن أجل ذلك دعا إلى تضافر جهود التعاون بين علماء الذكاء الاصطناعي واللسانيين. كما أن اللغة في إطار إدماجها في الصناعة تحتاج إلى جهد بشري. ورأى أن الحل لمواجهة ذلك هو أن يتم استخدام الخوارزميات لتعليم الآلة حتى توظف اللغة في خدماتها.

وأعطى لمحة مختصرة عن مراحل إدخال اللغة إلى الآلة للاستفادة من خدماتها مقسماً ذلك إلى مرحلتين، الأولى هي مرحلة ما قبل تعلّم الآلة، حيث يقوم المختصون بوضع نماذج لغوية محدَّدة لاستخدامها في الآلة، ثم يتم تحشية وتوسيم تلك النماذج ثم تقييم تلك النماذج وتعديلها لغوياً. أما المرحلة الثانية فهي مرحلة تعلّم الآلة وتتكوَّن من خطوتين: تدريب الآلة، واختبار قدرة الآلة على إنتاج بيانات جديدة.

أين نحن مما يجري؟
وبشَّر الدكتور يحيى عسيري الحضور بأن اللغة العربية، مقارنة بغيرها من اللغات، تحظى بجهود لا بأس بها من المعالجة وإدخالها في برامج الذكاء الاصطناعي في أوروبا وأمريكا وفي الوطن العربي على المستوى الأول من التحليل اللغوي. كما أن هناك بعض الجهود على المستوى الثاني من المعالجة اللغوية للغة العربية الذي سبق أن أشار إليه في معرض حديثه عن مستويات المعالجة اللغوية بشكل عام. ورأى أن الصعوبات التي تواجه اللغة العربية في هذا الإطار هي نفسها الصعوبات العامة التي تواجه سائر اللغات.

واختتم أستاذ اللسانيات الحاسوبية وتكنولوجيا اللغات الطبيعية في جامعة الملك خالد بأبها قوله: "إن فهم الآلة للغة البشرية يمثل مكوناً مهماً من مكونات الذكاء الاصطناعي، ويشكِّل تحدياً كبيراً للذكاء الاصطناعي". داعياً إلى تضافر الجهود بين اللسانيين وعلماء الحاسب في الجامعات وإقامة شراكات علمية للنهوض بمستقبل اللغة في مجال الذكاء الاصطناعي، مؤكداً ضرورة أن يكون هذا الأمر جزءاً من رؤية الجامعات والهيئات والمؤسسات الوطنية.

الذكاء الاصطناعي وعلاقته بالمخ البشري
كيف نبني عقلاً إلكترونياً يفهم ما نقول ويحدثنا بما نريد أن نعرف بل ويسدي لنا النصح والإرشاد؟ كان هذا السؤال الذي طرحه مدير الجلسة والموضوع الذي تحدث فيه الدكتور إبراهيم المسلم، وتناول فيه حقيقة وأسرار الذكاء اللغوي الاصطناعي، لافتاً إلى أن الصورة النمطية عنه أنه تقني جداً، بينما هو مجال متعدِّد التخصصات، ويشمل: علوم الحاسب وعلم الأعصاب واللسانيات واللغويات والفلسفة وعلم النفس. وعرض وجهات النظر الفلسفية المختلفة عن الذكاء اللغوي الاصطناعي ضمن اتجاهات الفكر والسلوك وهي: أن يفكر كالبشر، أو يفكر بعقلانية، أن يتصرف كالبشر أو أن يتصرف بعقلانية.

وأشار المسلم إلى أن مستويات الذكاء الاصطناعي أربعة، وذلك وفقاً للمهام المنوطة بالآلة، كما أشار إلى متطلبات كل مستوى حتى يتمكَّن من أداء تلك المهمة. وتحدث عن هذه المستويات، فذكر أن منها المستوى الضعيف الذي يحاكي مهمات بسيطة محدَّدة جداً كمهمات الترجمة والتعرف على الوجه، والعام الذي يستطيع تعميم ما تعلّمه على أشياء أخرى، ومستوى الذكاء القوي الذي يستطيع محاكاة كل وظائف الذكاء البشري تقريباً، ومستوى الذكاء الخارق كالذي نشاهده في الأفلام والذي يتجاوز مستوى الذكاء البشري.

هل يمكن أن ترى بلسانك؟!
وكان في حديث المسلم ما أدهش الحاضرين في معرض ما طرحه عن هندسة الخصائص التي تمكِّن الآلة من تفسير المرئي والمسموع والمقروء من خلال تحليل الصورة وتحليل الصوت وتحليل النصوص. وذلك من خلال بعض ما توصَّل إليه علم الدماغ، ومفاده أن جميع الخلايا في الدماغ البشري، وهي وحدات الإدراك، متشابهة على الرغم من أنها تساند حواسَّ مختلفة. وتأسيساً على ذلك، تمكّن العلماء من إيجاد نهايات طرفية بديلة لبعض الحواس المعطلة في الجسم البشري نتيجة لإعاقات معينة، ومن ذلك على سبيل المثال إمكانية توصيل وحدة إبصار بمستقبلات عصبية في اللسان لتتم معالجتها في الدماغ البشري، فتتحقق الرؤية ويبصر المعاق عن طريق لسانه.

وأوضح المسلم أن ذكاء الآلة الصناعي قادر على تعلُّم الخصائص من خلال تحليلها ومراكمة أجزائها، حيث يمكن استعادة تفاصيلها التي تؤدي إلى إدراكها وتمييز جنسها مهما اختلف ظاهرها. وضرب أمثلة كثيرة عن التطبيقات التي مكنت الآلة من تحليل الصور والأصوات والنصوص، وأشهر التطبيقات في تلك المجالات. وفتحت كلمته نافذة للخيال على الآفاق الممكنة في المستقبل المنظور لتجليات الذكاء اللغوي الاصطناعي، ملقية بسؤال مُلِحٍّ أمام الحضور: هل نحن مستعدون لأخذ زمام المبادرة والانطلاق بلغتنا العظيمة لمسابقة الأمم في تقنيات الذكاء اللغوي الاصطناعي في عصر الثورة الصناعية الرابعة؟

روح اللغة لا تزال عصية على الذكاء الاصطناعي
وتحدث الدكتور محمد المسعودي عن الدور المرتقب لعلماء اللغة والبرمجيات، انطلاقاً من الأثر المرتقب للذكاء الاصطناعي على الأجيال ومستقبل اللغة، مشيراً إلى ما ذكرته دراسات نشرت مؤخراً، وتوقعت اختفاء %47 من الوظائف بسبب طفرات الذكاء الاصطناعي خلال 10 سنوات، فيما أشارت دراسات أخرى إلى أن %60 من الوظائـف في عصر الثورة الصناعية الرابعـة التي يقـود عجلتها الذكاء الاصطناعي لم تظهر بعد. مما يستدعي تعاظم الدور المرتقب لعلماء اللغة والمختصين بالبرمجيات.

كما تحدث عن مبادرة "كيف نكون قدوة بلغـة القرآن الكريم" التي يقودها ملتقى مكة الثقافي وتطرق إلى كثيرٍ من المجالات ومن بينها المجال العلمي والتقني، وكيفية خدمة اللغة العربية من خلال الذكاء اللغوي الاصطناعي بإنشاء برامج وتطبيقات جديدة.

أما الدكتور عبدالله بن عويقل السُلمي فقد ألقى الضوء على معانٍ جديدة وجديرة بأن يشار إليها خلال اللقاء، قائلاً إن اللغة الإنسانية قبل أن تكون لساناً وقبل أن تكون كلاماً، هي محظوظة بالمعطيات الحضارية الحديثة التي تفتح لها آفاقاً جديدة لتنمو وتزدهر، معبِّراً في الوقت نفسه عن مخاوفه مما ستأتي به تلك النقلة الحضارية على مستقبل اللغة العربية وآفاق التخاطـب بين الإنسان والآلة، متسائلاً إن كنا سنشهد عصراً قريباً نستمع فيه إلى محاضرات في اللغة العربية من مجموعة من الروبوتات، وهل سيكون المستمعون وقتها روبوتات أم بشر، وهل سنشهد حوارات بين الآلة والآلة، وما شكل ذلك الخطاب في تلك الحالة. واستبعد السُلمي أن تتمكن الآلة من التعامل مع روح اللغة كما يفعل العقل البشري بأحاسيسه وقيمه التي تختلف من إنسان لآخر، والتي تمثل هويته.

وفي الختام استعرض الأستاذ صالح سالم أبرز ما شدَّ مسامعه في كلمات المتحدثين، وبعدما عرض كيفية تكوّن اللغة من خلال الدماغ، تحوّل الحديث عن اللغة بوصفها إنتاجاً بشرياً، إلى قابليتها بأن تكون حاسوبية بالكامل. وسرد في هذا الاتجاه عدداً من التجارب العلمية. وتوقَّع أن يصل الذكاء الاصطناعي الفائق إلى بناء لغة جديدة خاصة به نحتاج إلى تعلمها.

بين الطفل والآلة مَنْ يعلِّم مَنْ؟
وفُتح في نهاية الجلسة المجال لتعقيبات الحاضرين وأسئلتهم. فتحدثت آلاء عبدالعزيز المحمدي، وهي أستاذ مساعد في اللغويات من جامعة الملك عبدالعزيز عن تطوّر اللغة لدى الأطفال من خلال المشاهدة والاستماع، ومن ثم ربط الطفل الكلمات والجمل ببعضها، من خلال قدراته الإدراكية، وسألت إن كانت هناك أبحاث لدى العلماء المتخصصين في تعلم اللغة لدى الأطفال تهدف إلى استخدامها كنموذج لتعلم الآلة؟ وأجاب عن ذلك الدكتور إبراهيم المسلم بقوله إن النموذج الحوسبي لمعالجة اللغة يعتمد خوارزميات مركزية من المدخلات والمخرجات، فهو صندوق أسود قد لا نستوعب حساباته، ولا يسوغ أن نحد من قدراته أو أن نمارس الهندسة العكسية حتى يتماهى مع العقل البشري سواء أكان عقل الطفل أو عقل الكبير.
أما فايز مسفر الغامدي المتخصص في مناهج وطرق تدريس اللغة العربية بإدارة تعليم جدة، فتساءل: "كيف يمكن توظيف آليات وعناصر الذكاء الاصطناعي في تصميم مناهج وطرق تدريس اللغة العربية، أو في تصميم المناهج عموماً؟". وأجاب عن ذلك الدكتور يحيى عسيري بقوله: بالنسبة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي فإنها تعزِّز البحث العلمي في ما يتعلق باللسانيات. كما أن اللسانيات تفيد في إعطاء نماذج معينة تساعد في التفسير للنتائج التي يقوم بها الذكاء الاصطناعي، ومن ذلك تعليم اللغات إلى آفاق أرحب وأعمق قد لا يتوصل إليها العلماء من دون استخدام الذكاء الاصطناعي. وإلى ذلك أضاف الدكتور إبراهيم المسلم بوجود تطبيقات في التعليم الإلكتروني تحفز آفاق مهارات التعلم وتنميها لدى الطالب إلى الحد الأقصى الذي يناسب كل طالب على حدة.

وأثارت الدكتورة صلوح السريحي قضية قد تكون من خصوصيات اللغة العربية، وذلك عندما سألت عن مقدرة الذكاء الاصطناعي على التعامل مع اللهجات العربية المتعدِّدة والمتباينة في البلد الواحد وفي البلدان المتعدِّدة، وأن يتجاوز صعوبات تعدّد اللفظ الواحد في اللهجات المختلفة. فأجاب الدكتور المسلم، بقوله: "إن الذكاء الاصطناعي يتميز بتبني السبل المختلفة لوضع الحلول للمشكلات، كالمشكلة التي تم ذكرها الآن. إذ يمكن للآلة أن تترجم المعنى المقصود بالكلمة من سياق الجملة التي ذُكرت فيها، فدائماً ما تضع الآلة السياق في الحسبان. فبكل معلومة إضافية تتلقاها الآلة، تتحسن دقتها في تحليل المعاني والمفاهيم". وأضاف: "حين يتعلق الأمر بتعدد اللهجات وخصوصاً في اللغة العربية، فإن ذكاء الآلة بالتأكيد لايضاهي الذكاء اللغوي لدى البشر، ولكنه في تحسن كبير ومستمر".
 

العربية

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية