|
|
|
|

العربية: من الأفواه إلى معاقل العلم
أ. عارف علي الإدريسي
أعتقد أن من الصعب الكتابة عن موضوع له علاقة باللغة, خاصة أن كاتب هذه السطور أحوج ما يكون لتعلم اللغة، بنحوها وصرفها، أحوج ما يكون لتذوق حلاوة ما تزكو به من شهد سحر بيانها وما تحمله من ثراء في مفرداتها وتعدد في دلالاتها، بل أشد حاجة للولوج إلى حديقة أدبها التي تسحر زائرها بجمالها إيحاءً وإيجازاً وأداءً وتأثيراً وموسيقى، والتي ليس من السهل اكتشاف لها نظائر في أي لغة أخرى، ولأنها كذلك، آثرت إلا أن أكتب عنها وإن بشكل مختلف.
إن للغة قيمة جوهرية كبرى في حياة كل أمة فإنها الأداة التي تحمل الأفكار، وتنقل المفاهيم فتقيم بذلك روابط الاتصال بين أبناء الأمة الواحدة. ويقول مصطفى صادق الرافعي : (( إن اللغة مظهر من مظاهر التاريخ، والتاريخ صفة الأمة. كيفما قلّبت أمر اللغة - من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها - وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من تاريخها)). ولكن المتأمل إلى حال المجتمعات العربية وما يعانيه ناطقو العربية من ضعف في اللغة، وبُعد عنها، وهذا الحال لا يقتصر على العامة من أبناء المجتمع التي قد لا تدرك أهمية اللغة وجمالها وإنما يطال الخاصة من مثقفيهم والنخبة التي تتبوأ أعلى المقامات في مجتمعها، الكثير من هذه النخبة التي تدرك أهمية اللغة وتفتتن بجمالها وتسكرها ذائقتها الفريدة لا يهتم باللغة لجوهر اللغة، وإنما لجوهر الاختصاص، فالمشكلة إذاً لا تكمن فقط بالأغلبية التي لا تدرك معنى اللغة وأهميتها، وإنما أيضاً بتلك الأغلبية من النخبة التي لا يتعدى اهتمام البعض منها اختصاصه اللغوي التي لا تتجاوز قاعته الدراسية أو برنامجه التلفزيوني، أو اهتمامه الشخصي باللغة الذي لا يتعدى حدود نفسه أو ركام أوراقه، كذلك إضفاء الجزء الآخر على اللغة بعض الألفاظ الأجنبية كالإنجليزية وغيرها (والتي لها مرادفاتها بالعربية) في أحاديثه أو كتاباته وهذا بدوره يوحي للسامع أو القارئ عجز اللغة في مفرداتها أو ضعف في بنيتها أو محدودية في دلالاتها، وهذا مما زاد الفجوة كبراً بين المجتمع ونخبه، وبين اللغة وناطقيها!
وينبغي الإشارة هنا إلى أن قواعد اللغة وتعلمها أضاف لدينا مشكلة في اللغة، فحين تتحدث إلى طلاب أو غيرهم من فئات المجتمع عن اللغة العربية أول ما يتبادر إلى أذهانهم أنك تقصد الحديث عن النحو، وهذه المشكلة ولّدت عند الأغلبية عقدة من اللغة فأفرغت اللغة من جوهرها وأفقدتها قيمتها وحصرتها بالنحو فقط، وهنا لا أقلل من أهمية قواعد اللغة فهي بمثابة الهندسة للبنيان والتخطيط للعمران، ولكن هناك جمال في اللغة جهله الكثير وعزف عنه الكثير بسبب قواعد اللغة التي كانت ستأتي تباعاً مع حب اللغة والقراءة والممارسة.
كما أنه حين بدأت السليقة العربية تخفت وتتوانى، وعجز أهل اللسان العربي عن مواكبة التطور في العلوم، حيث اللغة لغة العلم، أصبحت العربية تُتعلَّمُ تعلما، تعيش في معاقل العلم، بعد أن كانت تؤخذ من أفواه الرجال، فعذراً لغتي الجميلة!
ولكن لأنها لغة ثرية بمفرداتها، متعددة بدلالاتها، واسعة في مخارج حروفها، متجددة بطبيعتها، مرنة في بنيتها، لأنها لغة القرآن المعجزة، لسان الوحي، ستظل اللغة المعجزة.
التغيير
|
|
|
|
|
|