|
|
|
|

اللغة العربية بخير دون مجالسكم وتصريحاتكم
أ. علي الخبتي
نحن معشر العرب والمسلمين يدغدغ عواطفنا ويحرك وجداننا أمران؛ الدين واللغة.. وسأتحدث هنا عن اللغة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية بعدما رأيناه من كثرة ما يسمى بمجالس ومؤتمرات وجمعيات اللغة العربية، وما شاكل هذه المسميات من البعض الذي ركبوا موجة الاهتمام باللغة العربية في ظني بحسن نية من البعض، وللتكسب من البعض الآخر، ومن الاجتهاد من البعض القليل..
أقول هذا الكلام بعد أن رأينا وسمعنا كلاماً كثيراً يشبه الغثاء من ممثلين لمؤسسات دولية وجمعيات ومجالس ومنظمات لم يكن له الأثر الذي يمكن رؤيته على متحدثي اللغة العربية من دارسين وطلاب ومنتمين لها بشكل عام، تريدون الدليل.. خذوه.. لن أقول لكم ملاحظة مستوى الحديث على مستوى صحة العبارات وعدم اللحن أو الأسلوب بل الكتابة، اطلبوا من أي دارس أو خريج أن يعد لكم نصف صفحة يتحدث فيها عن نفسه أو يعد طلباً للالتحاق بوظيفة وسترون نتيجة هذه المجالس والمؤتمرات وجهد المنظمات التي يتشدق بها الممثلون، هم لا يقدمون شواهد وأدلة وأمثلة EIDANCES على أن جهودهم قنوات تصب في الارتقاء بالمنتج المستهدف الذي هو العربي المنتمي لهذه اللغة في أي مستوى.. وأن هذا المنتج قد لوحظ تقدمه في مستوى سلامة لغته من اللحن ومستوى أسلوبه في الكتابة.. هم يسردون القصص الجميلة البليغة في عدد المؤتمرات وعدد المشاركين فيها وعدد البحوث المشاركة والندوات وورش العمل ويستخدون هذا السرد كإنجاز عظيم ويدغدغون بذلك عواطف الراعين بحكم أن اللغة العربية لغة القرآن، وأنها في خطر وستندثر لولا جهدهم العظيم وتدخلهم في الوقت المناسب والأعمال البطولية التي قاموا بها لإنقاذها..
إن الحديث عن الخطوات التي يتم القيام بها ليس إنجازاً ما لم تقدم شواهد وأدلة وأمثلة على أن تلك الخطوات كان لها الأثر على المتلقي والمستهدف من أبناء اللغة العربية، وهنا مكمن التحدي.. وليس السرد الممجوج المتكرر كل عام لفعاليات يكتنفها التكرار ويلفها القدم وتحيط بها الهزالة. إن كل ما تفعله تلك المجالس والجمعيات والمؤتمرات، أو سمها ما شئت من تلك الأسماء العجيبة والغريبة، هو الخروج بتوصياتٍ من نوع غليان ماء المحيط وقصتها المشهورة.. توصيات لا تنم عن وعي، ولا واقعية ولا فهم حقيقي للكيفية التي يمكن بها خدمة اللغة العربية بطريقة وبخطوات وبفعاليات نستطيع أن نلم عن طريقها شواهد وأدلة وأمثلة على أنه كان لها تأثير مباشر على المنتمين لهذه اللغة العظيمة..
إنني هنا أطالب كل الرعاة والمنظمات بأن يتوقفوا عن دعم أي جهد له علاقة بهذا الأمر، ما لم يتم تقديم شواهد وأدلة من تلك المجالس والمنظمات والجمعيات أو ما شابهها من المسميات، ما لم تقدم شواهد على أن ما يقومون به كان له أثر على متحدثي اللغة العربية وأن يصرف ذلك الدعم لجهات معتبرة ومشهود لها بالتميز لدراسة الكيفية التي يمكن بها العمل على خدمة اللغة العربية بطريقة نستطيع أن نلمس بين عام وآخر الأثر الواضح بالشواهد والأدلة والبراهين والأمثلة لتلك الجهود على اللغة ومتحدثيها، وأن نتوقف فوراً عن سماع القصص الجميلة والعبارات الرنانة والطرح البليغ الأجوف عن إنجازات الذين يزعمون أنهم يخدمون اللغة العربية بمجرد انعقاد مؤتمر أو ورشة عمل أو لقاء مع خبير ثم يتم سرد توصيات جوفاء لم يثبت أن لها أي أثر من أي نوع على لغتنا ومتحدثيها بكل فئاتهم..
إنني أطالب القائمين على هذا النوع من الفعاليات باحترام عقولنا بعدم الخروج علينا بفعاليات مكررة وقديمة وممجوجة تتمثل في مؤتمرات ولقاءات واجتماعات فجة ورثناها من قرننا الماضي ولم يعد لها أي تأثير.. يتكرر فيها الحديث وتتكرر فيها طريقة العرض والمحتوى ثم تسرد توصيات لا قيمة لها ولم يثبت بالشواهد أنه كان لها أثر.
لننظر إلى اللغات الأخرى على الأقل نقلد الجهود التي قاموا بها حتى أصبح لتلك الجهود أثر ملموس.. هؤلاء القوم أعدوا معاجم للغتهم لكل المستويات في أروع جهد قاموا به كان له الأثر الواضح في نشر الثقافة المعجمية في أوساط الطلاب منذ نعومة أظفارهم حتى المرحلة الجامعية التي استغربنا إبان بعثاتنا عندما رأينا كيف يحمل طالب الجامعة المعجم وهو ابن اللغة.. هذا الجهد العظيم كان له الأثر الكبير في إثراء الثروة اللغوية لدى الطلاب منذ المراحل الأولى لدراستهم.. بحيث أصبح لدى الطلاب آلية سهلة في متناول أيديهم لمعرفة معنى أي كلمة وإضافتها إلى مخزونهم اللغوي مباشرة عن طريق الجهد المعجمي الذي أدى إلى تكوين الثقافة المعجمية لدى الطلاب.. مثل هذه الجهود فاعلة وواضحة للعيان وأدت إلى الارتقاء بمستوى متحدث اللغة سلامة وأسلوباً بالشواهد والأدلة والأمثلة إلى درجة أننا نرى العسكري والاقتصادي والمحامي والمتخصص في أي مجال يتحدث لغة سليمة وبأسلوب بليغ وليس فقط المتخصص في اللغة، كما هو الحال لدينا، بالرغم من مجالسنا التي يقولون إنها تخدم اللغة العربية..
خلاصة القول.. من هذا المنبر أتوجه بهذه الدعوة المخلصة الأمينة للقائمين على مثل تلك الجهود في الوطن العربي أن يفكروا في جهدهم المكرور كل عام وأن يدرسوا أثره وإذا أعيتهم الحيلة وابتعدوا عن "الدبرة" أن يقلدوا ببساطة أصحاب اللغات الأخرى ليتعرفوا كيف تقدمت لغتهم ويعملوا الشيء نفسه، بدلاً من صرف الجهد والمال والوقت في تكرار فعاليات أظنها عقيمة وسقيمة لا أرى شواهد وأدلة وأمثلة على تأثيرها على المنتمين إلى اللغة العربية بكافة فئاتهم.. وأقول لهم بإخلاص وأمانة إن مجرد اللقاء ليس إنجازاً، ومجرد التوصيات ليس أثراً إيجابياً.. وإذا أردتم الدليل انظروا إلى تأثير مجالسكم ومؤتمراتكم وتصريحاتكم على لغتنا وأهلها..
الوطن
|
|
|
|
|
|