|
|
|
|

الخطاب الثقافي والخطاب النقدي في اللغة العربية
د.أحمد مبارك الخطيب
في النصف الثاني من كانون الأول الفائت مرَّ اليوم العالمي للغة العربية مروراً عابراً، وأراني حزيناً، لأن قومها العرب- والقلب منهم سورية- منهمكون بجراح
الربيع العربي النازفة، ولذلك لم يقدم لها أبناؤها البررة ما تستحق في عيدها، وهي الأم المعطاءة التي لم تبخل يوماً بتقديم مزاياها النحوية والصرفية والاستثقافية والإعرابية والإيقاعية. ولكن هذا اليوم يضع كلٍّ من يحبها أمام مسؤوليته الوطنية والقومية للوقوف إلى جانبها، والتدليل على مواطن الخطر الذي تتعرض له، وهو يبدو نذيراً ووشيكاً.
ولعلَّ الخطاب الثقافي الإبداعي الذي ينتجه العرب في الفن والشعر والموسيقا، وعلاقته بالخطاب النقدي الذي ينشأ ويترعرع في ظلّ الخطاب الثقافي... هي علاقة غير متكافئة، فالأول يكتب بلغة فصيحة، والثاني، وخاصة الشفاهي منه، يؤدَّى باللهجات المحلية لدى كل قطر عربي، ولدى كل محافظة تقريباً داخل القطر الواحد، وتبدو المفارقة هنا كبيرة، فالإبداع يتم بلغةٍ، والنقد يتم بلهجة، ويشكل هذا إساءة للإبداع، فاللفظة العامية التي تتناول الشؤون الحياتية من مأكل وملبس وتسوق، لا تستقيم مع اللفظة الرفيعة التي يجب أن يتسلح بها النقد ليتعادل موضوعياً مع الخطاب الإبداعي، فحين يناقش المثقفون مثلاً شؤون قصيدة «النثيرة» أو أي إنتاج فني رفيع على الشاشات الفضائية ينخرطون في لهجاتهم العامية، أو في أحسن الأحوال في اللغة الثالثة التي يحاول استخدامها بعض المثقفين العرب حين يتناولون شفاهياً نقد النصوص الأدبية، والقطع الموسيقية، والمسرحيات التاريخية الصارمة، و بذلك يتم تحييد اللغة الفصحى ومنعها من التداول الحي.
وربما يكون الغياب النقدي الذي يجب أن يكون مكافئاً للإبداع الفني، مساهماً في إبعاد اللغة الفصحى عن مسارها الحضاري، وفي هذا المجال تستغرب أن ترى كاتباً، نتاجه بالعربية الفصحى، ويستخدم اللهجة الدارجة في ردوده وتحليلاته حين تتم محاورته على أية قناة أو إذاعة.
والنتيجة التي لا تقبل تبديلاً هي أن العربية الفصحى تواجه خطرين كبيرين يتمثلان في: العولمة الثقافية الهائجة كالثور، وتريد الانقضاض على كل لغات العالم ما عدا اللغة الإنكليزية.
اللهجات المحلية التي يزداد انتشارها، ليس فقط في شؤون حياتنا العملية، بل في لغة المحاضرات الجامعية والمنتديات الثقافية والمؤتمرات السياسية والعلمية.
لا يستطيع أحدٌ أن ينكر أن اللهجة المحلية جزء من كياننا الحياتي، بها نفرح ونحزن، وبمفرداتها نعشق ونحب، ولكل لهجة محلية أسرارها الخاصة التي تعجز الفصحى وأية لهجة أخرى أن تفي بما تحمله من دلالات إيحائية، واستعارات كنائية وتصريحية، ومخزونات عاطفية.
اللهجة الدارجة- نقولها بمرارة- من أقوى الطاقات الثقافية الحاملة للإبداع في المسرح، وفي الغناء، وفي الشعر الزجلي والعامي، وفي سيناريو الأفلام التلفزيونية المحلية، وسيكون مثيراً للسخرية أن يتنطع متحمسٌ للغة العربية، فيدعو إلى هجر اللهجات المحلية في هذه المجالات، ويستبدلها جميعها بالفصحى... ولكن هذا الكاتب ذاته سيكون خائناً للغته إذا قبل أن تحل هذه العاميات محل الفصحى في الخطاب الثقافي، ومكافئِهِ الخطابِ النقدي، فيتم الحديث عن الإبداع في الفن وتحليله ونقده، بالعامية بدلاً من الفصحى، وسيكون التناقض كبيراً بين الإبداع الفني، وتناول هذا الإبداع باللغة الدارجة. والمثال على ذلك حين يناقش المثقفون شؤون المسرح والقصيدة واللحن الموسيقي، بلهجاتهم المحلية، فيعزلون العربية عن التداول الحي.
وهناك مشكلة أخرى مستفحلة أيضاً، وهي استخدام اللغة الثالثة، حيث يتجاهل المختصون الحركات الإعرابية، ويغيب بهذه اللغة جانبٌ من جمال الفصحى وسحرها، وبذلك تتعاون اللهجة الدارجة مع اللغة الثالثة لسحق اللغة العربية الفصحى.
اللغة الفصحى هي الحاضنة للتراث العربي، وهي التي تصل ماضينا بحاضرنا، وهي اليوم الحامل للهوية الثقافية العربية، ومصير العرب يتوقف على بقاء هويتهم، وهذا يعني أن نحيط لغتنا بسياج من الأمن والسلامة لنقيَها الأخطارَ الخارجية والداخلية، وهي مهمة ليست سهلة إطلاقاً.
الوحدة
|
|
|
|
|
|