للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

لماذا.. هوية أبنائنا أمانة في أعناقنا

أ. فريدة العبيدلي

استرعى انتباهي في إحدى زياراتي الأسرية حوار ساخن دار بين طفلة في العاشرة من عمرها وأمها التي تحاول إقناعها بحل واجباتها المدرسية ، وعدم إضاعة وقتها في مشاهدة التلفاز واللعب على جهاز الآيبد ، ردود الطفلة لأمها ومحاولاتها لإقناعها بوجهة نظرها في موضوع واجباتها المدرسية كانت باللغة الانجليزية، لعدم قدرتها على التواصل مع أمها بالعربية ، في المقابل محاولات أمها بالتحدث معها بالعربية فشلت، فاضطرت لمجاراتها ومحادثتها بإنجليزية بسيطة تتقنها هي، علها تستطيع إقناع ابنتها بما طلبته منها، انتهى الحوار بإقناع الطفلة لأمها بأنها أنجزت جميع واجباتها في المدرسة وليس لديها واجب اليوم، سألت قريبتي لماذا لا تتقن ابنتك العربية ؟ ردت بخجل نحن السبب في ذلك فرحنا عند دخولها الروضة باتقانها لبعض الكلمات بالإنجليزية وأخذنا نتواصل معها بها في كل المواقف الحياتية إلى درجة أنستها العربية وأصبحت تفرض علينا التواصل معها بالإنجليزية لتفهم ما نريده وواصلت الأم حديثها قائلة : كنا نتواصل معها في المنزل بالإنجليزية لتتجاوز صعوبة اللغة وتتمكن من السير بنجاح في المدرسة ، ولم نكن ندرك بأن الأمر سيصل إلى هذا الحد وتصبح لغتها الأم لغة غريبة عليها لا تحسن التواصل بها. كم طفلا في مجتمعنا مثل هذه الطفلة يعاني في التواصل مع أقرب الناس إليه ؟ .

وقد يعاني مستقبلاً في فهم ثقافة مجتمعه وتاريخه وأدبه وشعره وفنه لجهله بلغة قومه وقد يؤثر ذلك في ظل غياب دور أهله على فهمه لتعاليم دينه، الأمر في حد ذاته يرتبط بتعزيز الهوية الوطنية التي تعد اللغة إحدى ثوابتها المجتمعية إلى جانب الدين والقيم والاتجاهات التي تنعكس بالتالي على شخصية أفراد المجتمع وقيمهم واتجاهاتهم وسلوكياتهم وانتمائهم .أود أعزائي القراء أن أستعرض معكم ما تعنيه الهوية ليسهل علينا كآباء وأولياء أمور غرسها في نفوس أبنائنا ، في ظل تحولات وتغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية متسارعة وثورة تكنولوجية اتصالاتية ومعلوماتية هائلة تشهدها مجتمعاتنا التي كانت إلى وقت قريب بسيطة ومحافظة ، تحولات وتغيرات لها آثار وأبعاد مباشرة وغير مباشرة على كثير من القيم والاتجاهات والسلوكيات الاجتماعية في نفوس الناشئة من أبنائنا . الهوية بمعناها البسيط تعني مدى وعي وإدراك الانسان لذاته وانتمائه لأسرته ووطنه وأمته واعتزازه بهم ،وترتبط الهوية بالانتماء الذي يشكل بأبعاده الاجتماعية قوة نفسية داخلية للإنسان يتحقق من خلالها التوازن النفسي والشعور بالأمان والاستقرار والاعتزاز بنفسه ومجتمعه ، وينعكس الشعور بالانتماء على تنمية وتماسك واستقرار المجتمع ، وتؤكد كثير من الدراسات أن هناك علاقة إيجابيه بين درجة الانتماء لدى المواطنين وبين معدلات التنميه في مجتمعهم، أي أنه كلما زادت معدلات الانتماء لدى المواطنين زادت معدلات التنمية في المجتمع الذي يعيشون فيه ، هذه العلاقة الإيجابية تستوجب تربية الناشئة على الانتماء والولاء لمجتمعهم ووطنهم ليكونوا ركائز دعم قوية في عملية التنمية. أبناؤنا في حاجة ماسة للالتزام بثوابت مجتمعنا الدينية والتاريخية والثقافية وعاداتنا وتقاليدنا الأصيلة في ظل تحديات ومتغيرات قوية ومؤثرة يأتي في مقدمتها :

التطور التكنولوجي وثورة المعلومات والاتصالات التي تفاجئنا كل يوم بشيء جديد ، التواصل الحضاري والثقافي والسياسي بأبعاده المختلفة والذي يستوجب توعية شبابنا وتأهيلهم لاستيعاب مثل هذه القضايا والقدرة على التعامل معها من خلال تعميق هويتهم وانتمائهم الوطني، المؤسف أن مثل هذه التغيرات المتسارعة وغير المخطط لها تخطيطا مستقبليا متكاملا أحدثت بعض المشكلات الاجتماعية والاقتصادية في مجتمعاتنا وكان لها تأثير على قيم الأسرة والمجتمع حتى أصبح التقليد الأعمى لكل ثقافة دخيلة جزءا من شخصية الأبناء وسلوكهم الحياتي ، فكثيراً ما نرى بعض الشباب الذين يعانون من عجز في التحدث والقراءة والكتابة بلغتهم الأم اللغة العربية. المسؤولية الأولى هنا تعود على أهليهم ودورهم في تنشئتهم ، ويعزو البعض أسباب هذا العجز إلى أن هؤلاء الأبناء تلقوا تعليمهم في مدارس أجنبية لهذا يصعب عليهم التحدث بالعربية ، قد يكون في هذا جزء من الصحة ولكن لا ينفي ذلك أن هناك الكثير من أبناء هذا الجيل والجيل الذي سبقهم تلقوا تعليمهم في مدارس أجنبية وسافروا للدراسة في دول أجنبية ولكنهم لم يتخلوا عن هويتهم وقيمهم وثقافتهم الأصلية ، والفضل في ذلك يعود لأهليهم الذين استطاعوا أن ينموا هذه الثقافة في نفوسهم ويعززوا انتماءهم لمجتمعهم خلاف بعض الأهل الذين تخلوا عن أدوارهم ومسؤولياتهم ظنا منهم أن هذا السلوك يعد جزءا من التحضر. الحفاظ على الهوية يضاعف من مسؤولية الأسرة باعتبارها اللبنة الأولى في عملية التنشئة ويتطلب من أولياء الأمور استيعاب التغيرات السائدة التي أفرزتها الثورة التقنية والثقافة العالمية والانفتاح عليها والاستفادة منها وتربية أبنائهم على نفس النهج مع الحفاظ على هويتهم الوطنية ، ويضاعف كذلك من مسؤولية المؤسسات التربوية والدينية والإعلامية والثقافية ومؤسسات المجتمع المدني للقيام بدورهم التوعوي في غرس قيم الهوية والانتماء الوطني في ظل عجز بعض الأسر عن القيام بدورهم الطبيعي .

الراية

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية