للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

اللغة العربية في الداخل الفلسطيني؛ بين صراع الهوية ومخاطر التهويد

أ. مجدي طه

تعتبر اللغة العربية رمزاً ثقافياً وحضارياً للداخل الفلسطيني, واللغة هي جزءا لا يتجزأ من الهوية الوطنية والقومية للحضارات المختلفة, وبالإشارة إلى خصوصية الداخل الفلسطيني فأن اللغة العربية تشكل بعداً وطنياً وعقدياً تساهم في بناء الهوية الجماعية عبر مركباتها الفرعية والمعرفية المختلفة, كما هو الحال في صراع الحضارات؛ فأن أية محاولة لطمس أو لتشويه اللغة العربية أو حتى تهميشها يعتبر مساساً بأحد أهم مركبات الهوية الجماعية للمجتمع الفلسطيني, وبالرجوع إلى صراع الحضارات فقد شكلت المركبات اللغوية أساسا تاريخياً أدت إلى تغير الخارطة الجيو- سياسية في العالم من خلال صراع اللغات وبناء تاريخ سياسي واجتماعي وحضاري وفي كثير من الأحيان إنساني مختلف. ومن الجدير ذكره بأن هذا الصراع كان كفيلاً وسبباً مباشراً لولادة حقبة تاريخية جديدة شرعت بتقسيم العالم العربي والإسلامي إلى "كانتونات" خضعت للدول الاستعمارية, فقد ساهمت سياسة "التتريك- أي تفضيل اللغة التركية وجعلها لغة رسمية للدولة" التي انتهجها أعضاء جمعية الاتحاد والترقي التركية خلافاً للعثمانيين وبعد الإطاحة بالسلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله إلى إثارة النعرة القومية والطائفية لدى الوطنيين والقوميين العرب مما دفعهم إلى اتخاذ خطوات معادية للخلافة العثمانية والانضمام إلى محور الحلفاء في الحرب العالمية الأولى, وفي إشارة أخرى إلى صراع اللغات فوصل الصراع أوجه عند الحركة الوطنية الفنلندية "الفيومانيا" التي سعت إلى توسيع استخدام اللغة الفنلندية في كافة مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية في إطار تكوين الهوية الوطنية على خلفية الصراع مع روسيا بعد الحرب العالمية الأولى.
وبالعودة إلى البرلمان الإسرائيلي حيث ناقش الكنيست في الأيام القليلة الماضية فكرة إلغاء اللغة العربية كلغة رسمية في المؤسسات الرسمية بعد أن تقدم عضوا الكنيست "أريه الداد" و "أريه طبايب" بمشروع يقضي بإلغاء التشريعات التي وضعت في عهد الانتداب البريطاني في فلسطين عام 1922 التي اعترفت باللغات العربية والعبرية والانجليزية كلغات رسمية, وذلك بهدف تحويل اللغة العربية إلى لغة ثانوية وبالأحرى هامشية, علماً بأن هناك محاولات لتهميش اللغة العربية في المرافق والقطاعات المختلفة منذ عام 1952, ويقف الداخل الفلسطيني أمام مرحلة جديدة ولا بد من مواجهة هذه القوانين بشكل عملي ولا يكفي إصدار البيانات والهتافات لتنشر في وسائل الإعلام فقط.
هذا وتجدر الإشارة أيضا إلى أن الدول الاستعمارية وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا استعملت هذه الازدواجية (ثنائية اللغة) وفصلت بين اللغات؛ لغة رسمية (لغة الاستعمار) ولغة غير رسمية (وطنية), وقد فرضت فرنسا اللغة الفرنسية على الدول التي احتلتها ووصل الصراع ذروته في الجزائر بعد فرض اللغة الفرنسية كلغة رسمية في المؤسسات الحكومية الرسمية, مما دفع الشعب الجزائري إلى تقوية علاقته وروابطه مع لغة الأم العربية بمختلف الوسائل والطرق وكان له الأثر السلبي على الاستعمار الفرنسي لاحقاً في الجزائر, ولم تثن هذه السياسة الشعب الجزائري من تمسكه بلغته الوطنية ولكن على العكس تماماً, ويبدو أن المؤسسة الإسرائيلية تسعى إلى سيناريو مشابه باتجاه الداخل الفلسطيني, ويعتقد بعض الباحثين والمفكرين بأن نظرية الاسرلة والتهويد لاقت نجاحاً كبيراً في الجانب اللغوي نظراً لمحاولات غزو اللغة العربية وهذا يتناقض بشكل جوهري مع الديمقراطية الأثنية التي تنتهجها المؤسسة الإسرائيلية وتعرّف بموجبها الداخل الفلسطيني كحضارة دينية أو ثقافية!!.
فهناك حرب حقيقية على اللغة العربية وذلك يعني استهداف الداخل الفلسطيني بشكل مباشر, لأن اللغة هي أساس كل ثقافة وأحدى الثوابت التي لا غنى عنها لكل أمة أيا كانت هذه الشعوب, وتشكل اللغة رمزاً للبعدين القومي والوطني, وتشكل حجر الزاوية للبعد الديني, فاللغة العربية جزء من الدين الإسلامي وقد ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه قال "تعلموا العربية فأنها من دينكم, وتعلموا الفرائض فأنها من دينكم", أما أبو منصور الثعالبي فقد قال كلاماً بليغاً "من أحب الله تعالى, أحب رسوله محمد صلى الله عليه وسلم, ومن أحب الرسول العربي أحب العرب, ومن أحب العرب أحب العربية", وورد عن ابن تيميه قوله "إن اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب, فأن فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهمان إلا بفهم اللغة العربية, وما لا يتم الواجب به فهو واجب", وقال محمد عبده رحمه الله؛ " إن انحطاط اللغة العربية يعني انحطاط العرب", وفي سياق آخر قال البيروني "لأن اشتم بالعربية خير من أمدح بالفارسية".
هذا وتجدر الإشارة إلى أن الحرب على اللغة العربية هي جزء من حملة عالمية ومحلية على الوجود الفلسطيني وعلى المقدسات والهوية, وهي معركة مستمرة منذ عقود فقد بدأها الصليبيون, وتلاهم الاستعمار الغربي فقد قال أحد الجنرالات في الجزائر "يجب أن نزيل لغة القرءان العربية من وجودهم ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم حتى ننتصر عليهم", فهناك مهمة صعبة بانتظار الداخل الفلسطيني وتحدِ كبير للحفاظ على اللغة كجزء مقدس من الوجود والحس الوطني والديني, هناك غزو للغة العربية ومحاولات لإدخال مصطلحات وكلمات غير عربية فأصبحنا نرى من يخلطون بين اللغتين العربية والعبرية لإبراز أنفسهم خاصة أن اللغة العبرية هي لغة المؤسسات الأكاديمية, وهذا يدل عن حالة الجهل واللاواعي التي يعيشها الداخل الفلسطيني ويدخل في منظومة الفهم المشوه للهوية وللانتماء الوطني.
هناك اختراق كبير للغة العربية وهي سياسة ممنهجة منذ عقود, صحيح أن اللغة العربية حتى هذه اللحظات هي لغة رسمية إلا أنها هامشية ولا تستعمل في الدوائر الحكومية والقضائية, وتستعمل اللغة العربية في كتابة اللافتات وفي كثير من الأحيان تكتب هذه اللافتات بشكل خاطئ عمداً وهذا دليل آخر على تهميش اللغة وسياسة تفضي إلى تحريف المسميات وتشويه التراث والحضارة العربية الفلسطينية وخلق مفهوم مشوه للجيل الشاب, وتستعمل اللغة العربية أيضا في الأماكن العامة وتظهر في صيغة الممنوع والتحذير أو التهديد كإشارة على انحطاط هذه اللغة, بالمقابل اجتهدت المؤسسة الإسرائيلية على تعزيز مكانة اللغة العبرية في جميع المؤسسات الحكومية وإبرازها كلغة حضارية.

أخيرا..

يكمن التناقض في الادعاء بديمقراطية المؤسسة الإسرائيلية, وهناك فرق شاسع بين البعدين النظري والتطبيقي العملي, لذلك المطلوب في خضم هذه القوانين العنصرية الموجهة إلى اللغة العربية والداخل الفلسطيني توعية الناس لهذه المخاطر وتشكيل حالة ضبط الأمن اللغوي, والعمل على زيادة التلاحم والترابط ما بين المجتمع واللغة, وزرع هذه القيم والمفاهيم الأخلاقية والتربوية العقدية في شرائح المجتمع المختلفة من خلال الأطر الاجتماعية المتنوعة, ويجب التصدي لهذه القوانين بتمسك أكبر بالثوابت الوطنية والإسلامية, بالإضافة إلى توجيه وسائل الإعلام على دور اللغة العربية ومكانتها الوطنية والقومية والعقدية وحثها على تطبيق المبادئ اللغوية السليمة, وحث الشرائح المثقفة المختلفة من الكتاب والباحثين والمعلمين والطلاب الجامعيين والأكاديميين وغيرهم الالتزام بلغة عربية فصيحة واستعمال الأدب والثروة اللغوية وتجنب العامية في الكتب والمجلات.

مركز الدراسات المعاصرة

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية