|
|
|
|

اللغة العربية: التحديات والمواجهة
د. لطفيّة إبراهيم برهم
(لا مجال أمام العرب اليوم للانخراط بكفاءة واقتدار في المنظومة الإنسانية بكلّ أبعادها إلا بجبهة ثقافية عتيدة. ولا ثقافة من دون هوية حضارية ولا هوية من دون إنتاج فكري، ولا فكر من دون مؤسّسات علمية متينة ولا علم من دون حرية معرفية، ولا معرفة ولا تواصل ولا تأثير من دون لغة قومية تضرب بجذورها في التاريخ، وتشارف حاجة العصر وضرورات المستقبل).
يؤسّس هذا القول لـ«عبد السلام المسدّي» في كتابه الموسوم بـ ( العرب والانتحار اللغوي، ص37 ) عتبة دخول إلى البنية الدلالية للعنوان المشار إليه أعلاه، وهي بنية تفعّل العلاقة بين اللغة العربية ومنظومة القيم المعرفية تفعيلاً تتجاوز فيه اللغة تعريف «ابن جني» لها بأنها (أصوات يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم) (الخصائص، جـ3 / 33) لتصبح ركناً رئيساً من أركان شخصيتنا ومقوّماً من أهمّ مقوّمات حياتنا وكياننا، ومكوّناً فعّالاً في بنية تفكيرنا حاملاً لثقافتنا، ومحقّقاً جسر تواصل بين أجيالنا من جهة وبيننا وبين الأمم الأخرى من جهة ثانية، إنها باختصار مكوّن من مكوّنات هويتنا الثقافية وضامن لسيرورة ذاتنا الحضارية لذلك لم يكن أمام الدول الاستعمارية إلا أن تتحدّى وجود هذه الهوية بآليات جديدة تختلف عن آليات الاستعمار القديم، ومن أهمّ هذه التحديات:
ـ التحدي الأول: اتهام اللغة العربية بالعقم والجمود والتحجّر والقصور، بحجة أنها لم تعد ملائمة لأساليب القرن الحادي والعشرين عصر الثورة المعلوماتية، والاختراقات الفضائية وهو تحدٍ يمكننا أن نواجهه بما يأتي:
1 ـ لا تعيش الكلمات في اللغة العربية فرادى منعزلة بل تعيش مجتمعات مشتركات، كما يعيش العرب في أسر وقبائل ذلك لأن للكلمة ـ بوصفها جسماً وروحاًـ نسباً تعود إليه مع مثيلاتها في مادتها ومعناها.
2 ـ تتميّز اللغة العربية بثبات الأصول ومرونة الفروع تميّزاً يقابل بين اللغة التي تحافظ على روابطها الاشتقاقية، والعرب عبر العصور ذلك لأن خاصية الاشتقاق بأنواعه: الصغير والكبير والأكبر، والكبّار، خاصية عملت على زيادة موروث اللغة اللفظي والمعنوي بمرور الزمن .
3- النحت: في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي إبان الثورة الصناعية في أوربا وبداية النهضة الحديثة في البلاد العربية، واجه اللغويون والعلماء العرب تدفّق فيض من المخترعات العصرية والمفاهيم الجديدة، التي كان عليهم أن يضعوا ألفاظاً عربية تعبّر عنها، ففكّر بعضهم في الاستفادة من النحت بوصفه وسيلة من وسائل توليد الألفاظ الجديدة، في اللغة العربية ـ ومنهم على سبيل الذكر لا الحصر: أحمد فارس الشدياق، وجورجي زيدان، وساطع الحصري، ويعرّف النحت بأنه ( أخذ كلمة من كلمتين فأكثر مع تناسب بين المأخوذ والمأخوذ منه في اللفظ والمعنى )، ويرى « عبد الحق فاضل» أن مزيته (ليست في الاقتصاد في الحروف وحسب بل في جعل المصطلح الطويل كلمة واحدة قابلة للتعريف والتنكير والإضافة والإفراد والجمع والاشتقاق أحياناً) .
4 ـ الترادف وهو تطابق اللفظين أو تشابههما في المعنى (فرس، حصان) إذ يكثر أنْ يكون للمسمّى الواحد أكثر من مفردة لغوية واحدة، بل قد تصل هذه المترادفات إلى العشرات والمئات وفي لغتنا العربية مؤلفات خاصة بكتب الألفاظ وكتب الفروق، نذكر من الأولى (تهذيب الألفاظ لابن السكيت، وجواهر الألفاظ لقدامة بن جعفر ...) ونذكر من الثانية (الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري، والتعريفات لعلي بن محمد الجرجاني) .
5- علامات الإعراب: التي تتميّز بها اللغة العربية من دون غيرها من اللغات، دليل غنى لأن اللغات الأخرى تلزم المتكلمين بها بترتيب معيّن للكلمات، يميّز الوظائف النحوية فيها .
6- التعريب: وهو نقل الكلمة الأجنبية ومعناها إلى اللغة العربية كما هي من دون تغيير فيها، أو مع إجراء تغيير وتعديل؛ لينسجم نطقها مع النظامين الصوتي والصرفي للغة العربية، ولتتفق مع الذوق العام للسامعين ولتيسير الاشتقاق منها. إنه جوهر تعريف الجوهري له في معجمه ( الصحاح ) بقوله: ( وتعريب الاسم الأعجمي أن تتفوّه به العرب على مناهجها).
وعندما ينقل اللفظ الأجنبي إلى اللغة العربية كما هو يسمّى دخيلاً، وعندما ينقل مع تغيير أو تحوير يسمّى معرّباً، ومن أمثلة الدخيل لفظا (أوكسجين، ونتروجين)، ومن أمثلة المعرّب لفظا (تلغراف، وتلفون) . ويطلق على العملية كلّها (الاقتراض اللغوي) أو (الاستعارة اللغوية) وهي عملية تمارسها جميع اللغات الحية باستمرار إذ تقترض اللغة أية لغة ألفاظاً معيّنة أو صيغاً صرفية وتراكيب نحوية للتعبير عن مفاهيم جديدة لم يعهدها الناطقون بتلك اللغة من قبل . والتعريب بهذا المعنى عملية لغوية يستخدمها الاصطلاحيون لإغناء اللغة العربية بمفردات علمية وتقنية وحضارية جديدة .
ـ التحدي الثاني هو الحرب اللغوية:
إنّ النظام العالمي الجديد في كونيته الثقافية تضمّن مشروعاً لغوياً لإيمانه بأن اللغة هي الحامل الأكبر للمنجز الثقافي، والجسر المهمّ للتسويق الإعلامي، والسيف الأمضى للاختراق النفسي إضافة إلى أنها مدار كلّ تسلل إيديولوجي أو اندساس حضاري لأنها أمّ المرجعيات في تشييد المعمار الحضاري، وفي بناء صرحه الثقافي لذلك سعى دعاة الأممية وأنصار العولمة إلى وضع الخطط والاستراتيجيات لتفتيت القومية العربية، وتفكيك ثقافتها المتينة بالتركيز على هدم اللغة العربية الفصحى بعاملين: خارجي يتمثّل في اللغة الأجنبية، وسيادتها ـ يوم كان الصراع الحضاري معتمداً على الاكتساح العسكري ـ، وداخلي يتمثّل ـ اليوم ـ في دفع لغتنا الفصحى نحو التشظي بالتركيز على اللهجات العربية، بغية تنميطها وكشف أنساقها، إلى أن تهيأ كلّ شيء لإطلاق الدعوة إلى نبذ اللغة العربية الفصحى وإحلال بناتها محلّها، وكان المثقال الأكبر في الحبكة الفكرية، والاستدراج الذهني هو القياس المتعجّل بين ما حصل للغة اللاتينية وما يجب أن يحصل للغة العربية لذلك نادوا بالترويج للهجات العامية بوصفها حاملاً للثقافة العربية، وبديلاً من اللغة القومية. وللأسف لم ننتبه إلى غياب الوعي اللغوي في تناول الشأن الثقافي، فنحن نتمثّل الإبداع، ثم نتداول الحديث عنه باللهجة العامية في مؤسساتنا الثقافية، من دون أن نحسّ بالتناقض بين حضور إبداع الفنّ وغياب إبداع اللغة. إنه الانفصام الناجم عن كون الخطاب الثقافي محمولاً على نظام لغوي بينما نستقبل الثقافة الفصحى، ثم نعمل على تلهيجها بوعي أو من دون وعي حتى نقترب من عزل العربية الفصحى عن السياق التداولي الحيّ...؛ بمعنى أن هناك ازدواجاً لغوياً يتجسّد في ثنائية ( اللغة الفصحى، واللهجة العامية)، وهي ثنائية تعيدنا إلى ثنائية (اللغة والكلام) عند «سوسير» .
هذا الازدواج اللغوي يصدع وحدة اللغة، ويجعلها طبقات ثقافية وعقلية لذلك نؤيد «أمين الخولي» و «سلامة موسى» في رؤيتهما بأنه يجب ألا يكون للمجتمع لغتان، إحداهما كلامية أي لهجة عامية والأخرى مكتوبة أي فصحى، وأنه يجب علينا -لمواجهة هذا التحدي- توحيد لغة الكلام والكتابة، فنأخذ من العامية للكتابة أكثر ما نستطيع ونأخذ من الفصحى للكلام أكثر ما نستطيع حتى نصل إلى توحيدهما بلغة تكون للكتابة والكلام في الوقت نفسه وبذلك تضيق الفجوة بينهما، وسيزداد ضيقها أكثر فأكثر بإقرارنا بالتطور الدلالي، الذي نلمس آثاره في كثير من ألفاظ اللغة العربية.
وأعتقد أن حلّ هذه المشكلة مشكلة الازدواج اللغوي على نحو جذري مرتبط بنموّ أمّتنا التعليمي ورقيّها الحضاري مشيرين إلى ارتفاع نسبة الأمية في أغلب البلاد العربية .
ـ التحدي الثالث هو العولمة الثقافية، وقد بدأ هذا النوع منذ بداية الاستعمار في القرن الثامن عشر فاللغات الغربية، على سبيل المثال وبالتحديد: الإنكليزية والفرنسية، أصبحتا اللغتين الأساسيتين للاتصال في العالم على الرغم من وجود أكثر من 6912 لغة حية ومعروفة .
إن مواجهة هذا التحدي تتمّ من داخل اللغة القومية نفسها أي اللغة العربية؛ ذلك لأن الخبراء بأمر هذا التحدي هم من أدرى الناس بأن الأداء اللغوي للفرد لا يمكن أن يرتقي ذهنياً بأية لغة أجنبية ما لم ينطلق من امتلاك تام للمهارة الأدائية باللغة القومية أي باللغة العربية التي يرتبط بها الاكتساب الأمومي وما يرافقه من شحن بالقيم الوجدانية والعاطفية والروحية وحتى الأسطورية.
-التحدي الرابع: الفجوة الرقمية، وهو تعبير يستخدم للدلالة على تلك الهوة الفاصلة بين الدول المتقدمة والدول النامية في النفاذ إلى مصادر المعلومات والمعرفة والقدرة على استغلالها . وهنا نعود في مواجهة هذا التحدّي إلى اللغة التي تؤدي دوراً رئيساً في اقتصاد المعرفة لذا يعدّ التخلف اللغوي تنظيراً وتعليماً واستخداماً ومعالجة آلية بالكومبيوتر من أهمّ أسباب الفجوة الرقمية، فاتحاً السياق على أمية ثقافية: لغوياً ومعرفياً، وعلمياً لأننا نعتمد على استيراد تكنولوجيا المعلومات والأنترنيت من دون أن ننتجها...؛ لذلك يجب أن نبدي اهتماماً شديداً بلغتنا القومية خاصة في علاقتها بتكنولوجيا المعلومات والأنترنيت، لمواجهة التحديات المعاصرة التي تواجهها لغتنا، والارتقاء بها لأنها السلاح الأمضى لمواجهة الغزو الثقافي والإعلامي في ظلّ العولمة، وهذا لن يتحقق للغة إلا بمنجز حضاري، مؤكدين أن ابتعاد العربية الفصحى عن لغة التخاطب اليومي، إنما مرجعه إلى الجمود الفكري وضآلة الإنتاج المعرفي في الوطن العربي، ولكي نؤسس منظومة معرفية يجب علينا أن نمتلك منظومة لغوية شاملة مشتركة متجذرة حمالة للأبعاد المتنوعة فكراً وروحاً وإبداعاً لأن اللغة هي الحامل الضروري المحايث لكل إنجاز تنموي.
الفداء
|
|
|
|
|
|