للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

اللغة العربية وتحديات لغة العلم

أ. محمد عزالدين الصندوق

حملت اللغة العربية إبداع العرب الوحيد، ألا وهو الشعر قبل الدعوة الإسلامية ومنحها القرآن التقديس فيما بعد لتكون لغة إعجازية مقدسة. وعند القرون الثلاثة الأولى بعد الدعوة مُنحت العربية مهمة أخرى لتكون وعاء للفكر الإسلامي الفلسفي الوليد

وكذلك لغة النهضة العلمية الوليدة.  ومع التراجع الفكري والركود العلمي، ارتدت العربية لتبقى وعاءً مقدسا فقط.
دخل العرب القرن العشرين عراة لا يملكون من مقومات الحضارة شيئا حتى لغة الشعر إبداعهم الوحيد كانت قد ماتت قبل الدخول. وبعد محاولات التململ العربي للنهوض من الغفوة، اكتشف العرب وجود ما يسمى بالعلم و التكنولوجيا واكتشفوا كذلك عجز لغتهم عن استيعاب ما وجدوه بعد هذا السبات العميق.
هكذا وجدت اللغة المقدسة عجزها عن استيعاب ما وجده قومها لذا لامتهم  وعكست ألمَها مما هي عليه على لسان شاعرهم حافظ إبراهيم و مما قالته اللغة المحنطة:
وسعت كتاب الله لفظا وغاية          وما ضقت عن أي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة      وتنسيق أسماء لمخترعات
لا شك في أن حافظ إبراهيم الذي اعتمدته اللغة للكلام عنها لم يكن على دراية بماهية لغة العلم المعقدة ومتطلباتها، وربما اللغة المسكينة التي تخلى عنها أهلها وحنطوها لم تكن لتعرف حقا ماذا حل بها و كيف تم تحنيطها من قِبل أبنائها.
لقد كتب العرب والمسلمون علومهم الطبيعية في فترة النهضة اليتيمة (700م - 1000م) باللغة العربية، رغم أن الكثير من العلماء لم يكونوا عربا. لقد دخلت اللغة العربية وقت ذاك طورا جديدا من تاريخها، وهو الطور الثالث.
قبل الدعوة الإسلامية، كانت اللغة لغة الإبداع الشعري وهو الإبداع الوحيد (ربما عرفوا النحت و لكن لم يصلنا منه شيئاً) الذي عرفه العرب قبل الإسلام،  وهذا هو طورها الأول، وبعد الدعوة أصبحت اللغة المقدسة التي جاء بها القرآن وهذا هو الطور الثاني لها.
حتى العصر العباسي، لم يكن للعرب عهد بالفكر الفلسفي والعلوم، وما أن انفتحت الحضارة العربية على الأمم الأخرى، حتى أخذت باستيعاب تجارب الشعوب، وكانت التراجم التي قام بها اليهود والمسيحيون والصابئة وقت ذاك جهدا عظيما يصعب تقديره قاد اللغة العربية لتدخل طورها الثالث. منذ ذلك العهد، استوعبت واللغة العربية الفن والفكر والعلم.  وقت ذاك لم تكن هناك طباعة أو مؤسسات نشر متخصصة.
في تلك الفترة اليتيمة من التاريخ كانت بغداد والقاهرة والأندلس مراكز الإشعاع العالمي وكانت اللغة العربية لغة الحضارة السائدة. استوعبت اللغة العربية الشعر والفكر الدين والعلوم. وما تزال حتى وقتنا الحاضر الكثير من مصطلحات العرب القديمة مستخدمة في بعض العلوم.
ومع بداية تلاشي النهضة العلمية (حوالي 1000م)، أخذت اللغة تتقوقع ضمن الإطار الديني والأدبي و مع الاحتلالات الأجنبية المتكررة و التي كان آخرها الاحتلال العثماني، تلاشت حتى القدرة الأدبية للغة لتتحول إلى مجرد لغة مقدسة. بعد سقوط الدولة العثمانية، بدأ التململ العربي للاستيقاظ من الكارثة وكان للغة هي الأخرى تلك المحاولة للاستيقاظ. خلال النصف الأول من القرن العشرين عاد للأدب العربي البعض من رونقه وعادت العربية إلى طورها الأول. وما أن أدركت عمق الكارثة الفكرية والعلمية وعدم القدرة على استرداد طورها الثالث عاتبت العرب على لسان شاعرهم .
نحن الآن في عام 2010 وليس 800 وعلوم اليوم ليست مثل علوم الماضي، الاختلاف ليس كميا فقط وإنما نوعيا و منطقيا. اليوم، يجب أن نتساءل هل العربية يمكن أن تكون لغة علم كما كانت؟
قد يبدو تبرير قابلية اللغة على استيعاب وصف آلة أو البحث عن أسماء لمخترعات يعطيها القابلية لتكون لغة للعلم تبريرا ساذجا وسطحيا، وهذا ما هرول وراءه الكثير من اللغويين والمجمعيين العرب لاشتقاق مصطلحات عربية مقابلة لمصطلحات العلوم المعاصرة ووضعوا القواميس لها. لقد كان ركضهم، وما يزال وراء سراب، لأن العرب الآن ليسوا منتجي علم بل متقبلين لبعض مما يُنتج وما على اللغويين إلا متابعة ما يستجد للبحث عما يرادفه وبصورة مستمرة ودائمة.
إن لغة العلم ليست مجرد وعاء استيعاب لنقل ما هو موجود. للغة العلم الحديثة مميزات كثيرة منها:
-إنها لغة حية علميا، وهذا يعني أنها الوعاء الأول للناتج العلمي، فالبحوث الجديدة أول ما تكتب تكتب بلغة العلم المقبولة عالميا.
-إنها اللغة التي تنتج مصطلحات جديدة يتم الترجمة عنها باستمرار، فلغة العلم يجب أن تكون لغة منتجة للمصطلح إضافة لكونها قابلة للترجمة، والمصطلح العلمي يكون واحدا رغم اختلاف المترادفات التي قد تبدو متشابهة.
-إنها لغة واسعة الانتشار علميا، وليس المقصود هو عدد المتكلمين بها، بل عدد مراكز البحوث التي تعتمدها، وعدد الدوريات التي تصدر بها وعدد الكتب التي تكتب بها والمؤتمرات التي تعتمدها كلغة مقبولة .
-إنها اللغة التي تجمع ما بين القدرة على التوضيح مع استخدام الرمز (الحروف والعلامات) لكتابة العلاقات العلمية والرياضية.
-أنها اللغة التي تتعامل بها مؤسسات نشر عالمية، وبذلك يكون مطبوعها متوفرا ومتراكما، ويمكن الرجوع له كمصدر دائم، وهذا يعني أن هذه اللغة تغوص في تاريخ التخصص العلمي لتوفير المعلومة المطلوبة.
لقد بدأ النشر العلمي الأكاديمي في حدود القرن السابع عشر، وما زال متواصلا من دون انقطاع وبتراكم هائل من الخبرات خلال هذه الفترة الزمنية.
خلال هذه الفترة استطاعت اللغة الانجليزية من التواؤم مع الكتابة والطباعة العلمية، كما أن تقاليد النشر العلمي تأسست خلال هذه المدة التي كان العرب فيها منقطعين عن الحضارة العالمية. كما أخذت بالتشكل طريقة الصياغة اللغوية للحقائق العلمية و طريقة كتابتها. وتوجد الكثير من الدراسات حول قدرة اللغة في استيعاب العلوم.
حاليا اللغة الانكليزية تتصدر اللغات العلمية العالمية بسبب سعة انتشارها كما توجد العديد من اللغات العلمية شبه العالمية مثل الفرنسية والألمانية وهناك لغات علمية اقل انتشارا مثل اليابانية والصينية.... وعالمية اللغة تنشأ من عمق اهتمام مجتمعها بها. ونتيجة سعة وانتشار الناتج العلمي، فإن اللغة الانكليزية العلمية أخذت بالتوسع وقبول مصطلحات ورموز من لغات أخرى.
لقد كان الروس ضمن الفترة السوفياتية ينشرون بحوثهم بلغتهم، وهذا يعني أن المنظومة العلمية الروسية كانت كاملة وتحوي مؤسسات نشر علمي من كتب ومجلات بحثية.
وبغية الاستفادة من البحوث السوفياتية، اهتم الغرب بتأسيس مؤسسات متخصصة في ترجمة المنشورات العلمية الروسية كي يكون على قدم المساواة مع ما يكتشفه السوفيات.
مما تقدم نجد أن لغة العلم ليست مجرد وعاء يمكن تبديله بالترجمة، بل مؤسسات ضخمة توفر لقرائها البحوث السابقة والحالية إضافة إلى توفيرها الكتاب العلمي (الأكاديمي) بمستوياته المختلفة.
كانت أول تجربة عربية حاولت أن تمنح اللغة العربية صفة لغة العلم في العصر الحديث هي التجربة المصرية في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
لقد كانت على ما يبدو من ضمن الحماسة القومية أكثر من أنها خطة مدروسة. وأصدرت القاهرة مشروع «الألف كتاب»، وهو مشروع ترجمة كتب عالمية مختارة للغة العربية. لقد كانت تجربة مفيدة للمثقف العربي، إلا أنها لم تتطور، لأنها كانت أعجز من أن تتمكن من توفير المراجع العلمية المختلفة الاختصاصات، إضافة إلى مشكلة المصطلح العلمي الذي اختلف العرب على ترجمته كل دولة على هواها. ومشكلة استخدام الرمز العلمي والرياضي، مثل هذه المشاريع قد تفيد في نقل المعرفة لرجل الشارع و للمثقفين عموما، ولكن ليس الباحث الذي هو بحاجة دائمة لمتابعة تخصصه والتطورات التي تحصل. الباحث العلمي عليه أن يكتب إنتاجه بلغة يفهمها العالم كما هو بحاجة إلى قراءة ما ينتجه الآخرون.
ظهرت محاولات أخرى مختلفة في الكثير من الدول العربية، ولكنها جميعا محاولات متلكئة محلية الطابع  رعتها السياسة و الأيديولوجية الحاكمة أكثر من أنها ضرورة اجتماعية. كما قام الكثير من الأساتذة العرب بتأليف أو ترجمة الكثير من الكتب العلمية، كما سبق لي شخصيا وأن أصدرت كتابا علميا باللغة العربية، ولكن كل هذه الجهود لا يمكن أن تواجه الكم الهائل من الانجاز العلمي العالمي المتسارع يوميا. وكما يختلف الساسة العرب في مواقفهم فإن المجامع العلمية العربية التي ركضت وراء ترجمة المصطلح العلمي اختلفت فيما بينها، فهناك ترجمة مصرية وأخرى عراقية وأخرى سورية ... للمصطلح الواحد. مثلا مصطلح (Momentum) تمت ترجمته بالزخم، وكمية الحركة والعزم وهكذا الحال مع باقي المصطلحات، في حين نجد الشعوب الناطقة باللغة الانكليزية تستخدم جميعها المصطلح نفسه.
عهدنا الحالي ليس هو عهد المأمون العباسي الذي أسس بيت الحكمة، وقام بترجمة الكتب المختلفة إلى العربية. العالم الآن أكثر وأكثر تعقيدا مما كان عليه وقت ذاك ولكن للأسف ما زال هناك الكثير ممن يعتقدون أن الزمن قد توقف منذ قرون. إن تجربة المأمون كانت رائدة في زمانها، أما الآن فنحن بحاجة إلى تجارب أخرى وليس استنساخ تجربة ماتت. وأصبحت ذات قيمة تاريخية فقط. ترجمة الكتب العلمية على المستوى الجامعي مسألة غاية في التعقيد فهناك عدد هائل من التخصصات وفي كل تخصص هناك على الأقل مستويان من الكتب، كتب الدراسات الأولية وكتب الدراسات المتقدمة. بالإضافة للكتب، فإن الباحثين قلما يحتاجون الكتب قدر احتياجهم للمجلات (الدوريات) العلمية التي تنشر البحوث أولا بأول. إنه من الظلم والاستخفاف التشبه بتجربة المأمون الآن. 
في زيارة لإحدى الدول العربية دهشت عندما وجدت الكثير من الأطباء الشباب  هناك لا يملكون القابلية على تبادل المعلومة العلمية الطبية الإنجليزية بيسر، إلا بعد ترجمتها للغة العربية. كم ستكون الأمور صعبة في حالة المتابعة العلمية للتخصص الأعلى، لأن جميع المنشورات البحثية المتخصصة لا تصدر باللغة العربية، وليس هناك إمكانية لترجمة جميع المنشورات العلمية العالمية إلى اللغة العربية. إن تعريب العلوم قد يكون عبئا إن لم يكن كارثة لأنه سيقف حجر عثرة في سبيل التطور العلمي. الصين و دول أخرى تُدرس بلغتها الأم وذلك لإمكانياتها الكبيرة وعدم انقطاعها الحضاري الكبير الذي يعانيه العرب.
على ذلك نجد أن اللغة العربية الآن ليست بلغة علم وهذا ليس لقصور ذاتي تعاني منه بل لقصور الإمكانيات العربية الاجتماعية والاقتصادية والفكرية. الترجمة العلمية يجب أن تشمل الدوريات القديمة والحديثة والكتب الأكاديمية وبمختلف الاختصاصات. إن محاولة كهذه تتطلب تضافر جهد عربي كبير جدا ومؤسسات نشر متخصصة استثمارية وجيش هائل من المترجمين المتخصصين لكل مجال. إنه ولا شك مشروع خيالي. المشكلة الأساسية وراء ذلك كانت يوم تخلى العرب عن العلم منذ قرون وبذلك خنقوا لغتهم وحنطوها. فهل سيتمكن العرب المعاصرون من إعادة اللغة العربية إلى العلم؟

الصباح

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية