للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

الإصبع والقمر

أ. مروان ناصح

-1- اتفقت اللجنة العليا للتمكين للغة العربية - وأنا عضو فيها - أن تطالب كل منتجي الدراما السورية بالتزام اللغة الفصيحة، في كل ما ينتجونه من مسلسلات وأفلام، وأسندت إلى شخصي المتواضع مهمة متابعة الإشراف على حسن سير الاجراءات الميدانية..!! والحق أنني لم أكن مقتنعاً بهذا التوجه اللغوي في ميدان الدراما، ولم آلُ جهداً في الاعتراض عليه، وبيان وجوه ضعفهِ، وعدم إمكانية تطبيقه واقعياً، لا سيما بعد الانتشار الكبير للمسلسلات السورية في البلاد العربية، واستساغة الجماهير للهجة العامية السورية، حتى إن كثيراً من نقاد الدراما عزوا نجاح المسلسلات التركية المدبلجة، وانتشارها، إلى اللهجة السورية التي تم "الدوبلاج" إليها، ويشهد على ذلك الفشل الذريع الذي منيت به المسلسلات المكسيكية والهندية والكورية التي "دبلجت" إلى اللهجة الخليجية على سبيل المثال..!!

وكان مما قلته لزملائي الكبار في تلك اللجنة:

 - أستطيع أن أضمن لكم اللغة العربية الفصيحة، في المسلسلات التاريخية التي تدور أحداثها في العصر الجاهلي، وعهود الحضارة العربية الإسلامية، فذلك مما اعتاد على تقبله الجمهور عبر التجربة والتكرار، مدعوماً بكل مفردات العيش البصرية "والعقلية" في تلك العهود: (الملابس، والأدوات والعلاقات الاجتماعية وآفاق التفكير والتطلعات.. إلخ) فكل ذلك يعد ماضياً محفوظاً في المتاحف وبطون الكتب، وهو مما يتشوق الإنسان العصري إلى الاطلالة عليه - بين الحين والآخر - ويستمتع في استعادته شكلاً وروحاً في إهاب فني متقن.. ولكنه لو خيّر بينه وبين حاضره - على علاته - لما اختار سوى حاضره، ومعطيات يومه، باستثناء هؤلاء الذين تسير أقدامهم إلى الأمام، ورؤوسهم إلى الوراء..!!

وهنا قاطعني أحد الزملاء محتداً:

- ماذا تريد أن تقول..؟؟ هل اللغة العربية هي من سكان المتاحف وبطون الكتب..؟! وليست جديرة بالحياة العصرية..؟!!

- أبداً.. أنا لم أقل ذلك.. وأنتم أدرى الناس بمدى إيماني بلغتنا العربية ومقدرتها الدائمة على التطور، ومواكبة الحياة في مختلف الأزمنة.. ولكنني إذا كنت مقتنعاً - جدلاً - بأنها كانت لغة الحياة اليومية في تلك العهود.. فلست أرى وجهاً ضرورياً لأن تكون لغة الحياة اليومية في حياتنا المعاصرة.. لأن هذا مغاير للواقع الذي نعيشه، من ناحية.. ولأن من المحال والعبث محاولة القضاء على اللهجات العامية وإحلال اللغة الفصيحة مكانها، بقوة القرارات والإجراءات "الإدارية"، من جهة ثانية.. بل إن سحب اللهجات العامية من التداول في حياة الناس ليس من أهداف أي محب مخلص للغة العربية الفصيحة.. وغاية ما يطمح إليه أي حريص عليها هو تقريب المسافة الفاصلة بينهما والارتقاء بالعاميات - قدر الاستطاعة - ارتقاءً فنياً تعبيرياً بالاحتكاك الدائم مع اللغة الفصيحة لغة الأدب والفكر والبلاغة والجمال..؟؟

أما بالنسبة لواقع الإنتاج الدرامي فسيظل خاضعاً لقوانينه "الداخلية" الأقرب إلى الحياة من تلك الرغبات الافتراضية.. وإلا فمن يستطيع أن يدلني على عمل درامي سوري واحد "معاصر" نطق - بعد قرارات اللجنة وإجراءاتها - باللغة العربية الفصيحة..؟؟

-2-

جاءني - يوماً - أحد الزملاء الإعلاميين المبتدئين، يستشيرني في قصائد من التراث العربي، يريد أن يقدمها إلى الجمهور من خلال التلفزيون، كمختارات شعرية مما قيل في دمشق، وحين قرأت تلك القصائد، وجدتها غير ملائمة لوسيلة إعلامية جماهيرية كالتلفزيون.. فهي تنتمي إلى قاموس لغوي موغل في القدم، حتى إن أبسط لفظ فيها يحتاج إلى شرح مطوّل.. وما إن أبلغت صاحبي بهذا الرأي، حتى اعترض وثار غيرة على اللغة العربية، واستنكر أن أمانع في أن يطلع الناس على هذه القصائد، وبعضها لشعراء كبار من وزن "أبي تمام"..!! وذهبت عبثاً كل محاولاتي لإقناعه بأن اعتراضي هو على عدم التوفيق في اختيار القصائد، والمقاطع المناسبة للتلفزيون.. لا على المستوى الشعري الرفيع..!! وضربت له مثالاً بعض الأبيات من قصيدة الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري "شآم يا جبهة المجد" التي لحنها ذات يوم الفنان صفوان بهلوان، وأنشدتها الفنانة ميادة الحناوي، وكيف أن عظمة الشاعر وشعره، وإبداع الموسيقي وتحليقه، وجمال صوت المغنية وأداءها البديع، لم تستطع مجتمعة إقامة صلة حميمية، مع جمهور المتلقين.. بل حتى مع المثقفين الذين راحوا يتساءلون عن معاني بعض الكلمات المستغلقة مثل كلمتي "خِب" (الخبيث والمخادع) و"مذِق" (الرجل الملول) في قول الجواهري:

"شممْتُ تربَكِ لا زُلفى ولا مَلَقَا             وسرْتُ قصْدكِ لا خِباً ولا مَذِقا"

وهرع بعض هؤلاء المثقفين إلى القواميس يستعينون بها على الجواهري، الذي كان بحق، آخر العمالقة الكلاسيكيين في الشعر العربي، ولكنه لم يكن كذلك في فنّ الشعر الملائم للغناء في عصرنا..!! ثم لماذا لا نتحرى شرط السهولة والوضوح، وأنس الألفاظ فيما نختاره لشعرائنا الكبار في القديم والحديث، مما يمكن أن يصلح للغناء، أو للأداء بوسائل الاتصال الجماهيرية الحديثة، وفي ديوان الشعر العربي الكثير ما يتحقق فيه هذا الشرط، وهل يضير عيون الشعر العربي، وعمالقته من الشعراء، أن التواصل الأمثل معهم لا يكون إلا في مصاحبة دواوينهم ومطالعة المجلات المتخصصة، وأن يعرفوا أن قارئهم ليس هو مستمع الإذاعة ولا مشاهد التلفزيون..!! وأخيراً أرجو ألا يُفهم هذا الكلام على أنه دعوة إلى نفي الشعر بعيداً عن هاتين الوسيلتين الإعلاميتين الخطيرتين، أو عن الصحف السيارة.. فما هو في حقيقته سوى دعوة إلى التدقيق والتبصر وصولاً إلى اختيار المناسب للوسيلة المناسبة، حتى لا ينطبق علينا المثل الصيني: "أنا أشير إلى القمر والأحمق ينظر إلى إصبعي"..!!

الشروق

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية