للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

الظواهر الخمس في المشهد اللغوي العربي

أ. عبدالإله بلقزيز


في قراءة يوميات المسألة اللغوية في وطننا العربي، بتفاصيلها كافة، ثمة ظواهر أساسية مقلقة، تفاقمت حدّتها خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ومن بينها نجاح النخب الأنغلوفونية والفرنكوفونية في الوصول الى أعلى مقاليد الدولة والقرار، والتزايد المُقلق لمساحات نفوذ اللغات الأجنبية في قطاعات الإنتاج، والعمل، والإدارة، والخدمات العامة، والتربية والتعليم، والاتصال والإعلام…، والحياة العامة.

فما هي خفايا هذا المشهد اللغوي؟ ولماذا تحوّل دعاة "التعددية اللغوية" في ما مضى إلى مناهضين لهذا الشعار؟ وماذا وراء محاولات دقّ الإسفين بين اللغة العربية، ولغات أخرى أهلية، تنطقها جماعات اجتماعية عدّة من مواطني بلداننا العربية؟
من يقرأ يوميات المسألة اللغوية، في البلدان العربية المعاصرة، ويتقرّى تفاصيل المشهد اللغوي القائم، بفسيفسائيته الفاقعة، يلحظ جملةً من الظواهر:
الظاهرة الأولى أن فجوةً وسيعة تقوم بين الجهد الجبار، الذي بذله الباحثون واللغويون، بل والمثقفون الملتزمون، على جبهة النهوض بأوضاع اللغة العربية من الداخل: إحياءً، وتطويراً، وتغذيةً اصطلاحية، وعلى جبهة "التحسيس" بمركزية العامل اللغوي في مشروع الاستقلال الوطني، والنهضة القومية، والتقدم الاجتماعي والعلمي… و(بين) الجهد الشحيح والباهت الذي بذلته "الدولة الوطنية"، منذ نيل الاستقلال السياسي، في سَنِّ سياسات لغوية وطنية تُنَاسِب حاجات التنمية الاجتماعية، والتقدم العلمي والمعرفي، وتصون كيان الثقافة العربية من التبديد. ومع إقامة مجامع لغوية وأكادِيميات خاصة، وأقساماً للغة العربية في الجامعات، والتعريب الجزئي للتعليم والإدارة…، ممّا يُحسَب لمصلحة سياسات "الدولة الوطنية"، بخاصة في مرحلة بناء الاستقلال، إلاّ أن ما أعطته باليمين، أخذتْهُ بالشِّمال، في الأعمّ الأغلب من البلدان العربية، وبخاصة في العقود الثلاثة الأخيرة التي نجحت فيها النخب الأنغلوفونية والفرنكوفونية في أن تتولّى مقاليد الدولة والقرار فيها، وأن تعيد صوْغ النظام التعليمي والاقتصادي والإداري على مقاس مصالحها! والفجوةُ هذه في اتساعٍ متنامٍ مع تجفيف النخب الحاكمة مواردَ المؤسسات اللغوية، المشار إليها، بل التضييق- المتقصّد- لها ولحرية حركتها!
الظاهرة الثانية، وهي امتدادٌ للأولى وتجسُّدٌ واقعي لبعض نتائجها، هي التزايد المثير- والمُقلق في الآن عينه- لمساحات نفوذ اللغات الأجنبية في قطاعات الإنتاج، والعمل، والإدارة، والخدمات العامة، والتربية والتعليم، والاتصال والإعلام…، والحياة العامّة بما في ذلك، أحياناً، مجال التخاطب اليومي والتبادل الاجتماعي واللغوي للقيم. تتسع رقعة هذه المساحة تزامناً مع تضاؤل مساحة حضور اللغة العربية وضمورها واشتغالها في المجالات والقطاعات المشار إليها. ويُرَدّ الاختلال في التوازن بين المساحتين إلى السياسات الرسمية لأنظمة الحكم القائمة، وللنخب الجديدة الحاكمة اليوم؛ فالسعيُ جارٍ، منذ ما يزيد على العقدين، في تصفية مواريث التعريب بذريعة عدم الملاءَمَة، وبدعوى تبيُّن حدود ما يستطيعه ذلك التعريب في تهيئة مجتمعاتنا: تعليماً واقتصادًا، للمنافسة العالمية، ناهيك بتوليده أجيالاً من المتعلمين المنفصلين عن العصر، المشدودين إلى ثقافة تراثية تشجع على العنف، وعلى كراهية قيم العصر…إلخ.
في المقابل، تجنح سياسات الدولة للردّ على تلك المَخَافات المزعومة بتجفيف الينابيع، من طريق قضم مساحات نفوذ العربية في التعليم والإدارة، والإعلام، وإجبارها على الانكفاء والتحوّل إلى لغةٍ غيرِ قابلةٍ للصَّرْف إلا في الشؤون الدينية والشعائرية! والمشهد اللغوي، الذي يتبلور في تلك الأعقاب، هو مشهد السيطرة الكاملة، بل المطلقة، للّغات الأجنبية، الإنكليزية والفرنسية بخاصة، في ميادين الاقتصاد، والمال، والأعمال، والإدارة، والتعليم في قطاعاته العلمية والتقنية، والمرتبطة بمجالات المال والأعمال، ومقابل حضورٍ باهت، وشبه رمزي، للّغةِ العربية في ميادين الأوقاف والشؤون الإسلامية، والقضاء، والتعليم الأصيل، وبعض مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية!
الظاهرة الثالثة، التمكين المتمادي للّغات الأجنبية من التغلغل في النظام التربوي والتعليمي بوسائط غير رسمية، لكنها مُجازة من الدولة ومكفولة بالحماية القانونية. جرى ذلك، في ما مضى، بذريعة وجود جاليات أجنبية (من رعايا الدول المستعمِرة) في بلداننا العربية، واضطرار الدولة لحماية مصالحها في البلاد، بما فيها البعثات العلمية. مثلما جرى بذريعة وجود علاقات بين دول أجنبية وطوائف دينية، في بعض المجتمعات العربية (في المشرق العربي خاصة)، وحاجة هذه الطوائف إلى تعليمٍ خاص ترعاه تلك الدول. لكن هذا التمكين يُطِل اليوم من مدخليْن جديديْن: من مدخل التعليم الخاص، ومن مدخل الجامعات الدولية وفروعها والجامعات المُتَوْأَمة. وإذْ نشأ التعليم الخاص ونما، متغذيًا من تخلّي الدولة عن وظائفها التربوية، باسم "التخفف من أعباء التنمية الاجتماعية"، وإشراك القطاع الخاص في النهوض بواجبه حيالها، متغذيًا- في الوقتِ عينِه- من الإخفاق المروِّع للمدرسة الوطنية، والتعليم الحكومي الرسمي، بسبب السياسات الخرقاء في ميدان التربية والتكوين…، فقد صمَّم برامجَه على فكرة "ربط التعليم بالتنمية"، وتوسَّل اللغات الأجنبية أداة في ذلك التكوين، في المقام الأول، بذريعة اتصال التنمية في بلداننا بمحيطها العالمي. ولمّا كانت "التنمية" المقصودة هي تنمية الاقتصاد الطفيلي غيرِ المنتج: اقتصاد التجارة والخدمات والأعمال، فقد انصرف معظم الاستثمار في التعليم إلى هذه القطاعات لتكوين أطرٍ صغرى ومتوسطة، وتتطلبها سوق النشاطات الطفيلية باللغة المناسبة للسوق تلك (الإنكليزية والفرنسية). ثم ما لبثت موجة الجامعات والمدارس العليا الخاصة أن انطلقت، منذ عقود ثلاثة، لِتَليها موجة الجامعات الدولية، وفروعها، والجامعات المتوأمَة بين البلد المضيف والبلد المدير، ليزحف مع انتشارها السرطاني سلطان اللغات الأجنبية، لتتراجع معها صورةُ التعليم الوطني ومؤسساته وصدْقيَّته، ومكانة اللغة العربية فيه.
الظاهرة الرابعة، هي انفضاح أزعومة "التعددية اللغوية"، وتبيُّن حدودها وأغراضها المضمَرة في التنزّل غطاءً تبريريّاً لفرض أوحدية لغوية، بعمليةٍ قيصرية أخرجت اللغة العربية، وما زالت تخرجها، من مشهد الاشتغال والنفوذ اللغوي! وبيان ذلك أن شعار الحاجة إلى "تعددية لغوية" رُفِع، في ابتداء أمره في وجه من دافعوا عن "حاكمية" اللسان العربي، ومرجعيته في النظام التعليمي في الوطن العربي. وقيل، في معرض السجال حينها- وكانت بلدان المغرب العربي الثلاثة (المغرب، الجزائر، تونس) ساحته- إن الانحكام بلغةٍ واحدة، هي اللغة العربية، مدعاة إلى إفقار النظام التعليمي، وفصل جماهير المتعلمين عن المعرفة الإنسانية المعاصرة، المكتوبة باللغات العالمية، وإن الإيغال في سياسة التعريب أتت، على مستوى التكوين العلمي، بأوخم النتائج، بالتساوق مع ما شهدته اللغات الأجنبية من تراجع…إلخ. وكما كان لهذا الشعار ألسنتُه، التي لهجت به، كانت له أسنانُه وأظافرُه داخل الدولة، وفي أوساط النخب الحاكمة. ولقد مُكِّن لفكرة إقصاء اللغة العربية من أن تتجسَّد واقعاً مادياً من وراء هذه الأزعومة. غير أن مجريات التطبيق كشفت عن أن الهدف ما كان تحقيقاً لتعددية لغوية، وإنما أريد بهذه أن تكون تَعِلّةً لفرض أوحدية لغوية (فرنكوفونية في المغرب العربي، وأنغلوفونية في المشرق العربي). وها إن الأدعى إلى الغرابة، اليوم، أن دعاة "التعددية اللغوية" في ما مضى، هم أشدّ مناهضي هذا الشعار حدّ النكير عليه، لأنه يجعله ستاراً لمزاحمة الإنكليزية للفرنسية في عالم نفوذها، الذي "وُهبَتْهُ" وهباً، أو لمزاحمة الفرنسية للإنكليزية على "أملاكها" اللغوية الممنوحة لها من أبناء جامعاتها المتنفذين في مراكز الدولة والقرار!
أما الظاهرة الخامسة، فتكمن في محاولة دقّ الإسفين بين اللغة العربية، بما هي لغة الغالبية العظمى من مواطني البلدان العربية، وبين لغات أخرى أهلية تنطقها جماعات اجتماعية عدّة من مواطني هذه البلاد، مثل اللغة الكردية في بعض المشرق العربي (العراق، سوريا)، والأمازيغية في المغرب العربي (المغرب، الجزائر، ليبيا). ومع أن معظم الناطقين بالكردية والأمازيغية يتحدث العربية، ويمارس بها علاقات التبادل الاجتماعي للقيم والأفكار، وأن كثيراً من الناطقين بالعربية يعرفون الكردية والأمازيغية، بفعل الاحتكاك والتصاهر وسوى ذلك من الأسباب؛ ومع أن هذه اللغات تعايشت، واحتكَّ بعضُها ببعض، بل تبادلت التأثير، لمئات السنين في نطاق الحضارة العربية – الإسلامية، إلاّ أنه وُجِدَ من ابتغى -بفعل فاعلٍ- الإيقاع بينها، ثم بين ناطقيها لإشعال حربٍ أهلية لغوية تستنزف الجميع، ولا يكسب نتائجَها إلاّ مهندسوها، من المافيات الأنغلوفونية والفرنكوفونية، ووكلاؤهم المحليون، الذين تراءت لهم هذه المعركة اللغوية الداخلية أقصر طريق إلى مدّ نفوذ لغاتهم الأجنبية إلى بلداننا!
هذه ظواهر خمس تخدش صفاء المشهد اللغوي، وتغشاه اكفهراراً. لكنها تَحْمِل العقل الملتزم على التفكير في مخاطرها.


النهار

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية