للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي التاسع للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

اللغة العربيّة: ما المشكلة؟

أ. منصور بن محمد الشتوي

اللغة أداة تواصل بها يعبّر الناس عن مشاعرهم وآرائهم ويخبرون عن همومهم وأحلامهم... إنّها أداة إفهام وفهم. وهذا التعريف ينطبق على كلّ اللغات في العالم في كلّ مكان وكلّ زمان. إذن، فاللغات متساوية في وظيفتها التواصليّة. ولذلك ليس من الخطاب العلميّ في شيء أن نفضّل لغة على أخرى في أداء هذه الوظيفة أو أن نحتقر لغة بدعوى أنّها أقلّ قدرة على التعبير أو أقلّ شعريّة/ فنّيّة... فاللغة اصطلاح وتواضع واتّفاق بين أفراد الجماعة اللغويّة الواحدة. ومن المهمّ أن نشير إلى أنّ الفرد يولد في المجتمع فيكتسب لسان ذلك المجتمع اكتسابا أموميّا دون أن تثور في ذهنه فكرة الاعتراض (!) على تلك اللغة أو فكرة استصعابها (!). وعلى هذا الأساس تكون اللغة العربيّة أداة تواصل كغيرها من اللغات في المجتمعات الأخرى. غير أنّ الواقع هو أنّها ليست هي لغة التداول اليوميّ رغم كونها اللغة الأمّ في المجتمع العربيّ. وتثور حولها مشاكل كثيرة في التربية والإعلام... ويتناقش الناس في ذلك ويختلفون ويتخاصمون.
 
فأين المشكلة؟
لقد لـخّص الأستاذ عبد السلام المسدّي قضيّة اللغة العربيّة في إطار المجتمع العربيّ. وبيّن أنّها ليست مشكلة لسانيّة بل إنّها مشكلة "تاريخيّة حضاريّة". وهذا ما نفهمه من قوله:"إنّ اللغة العربيّة – لو أنصفها التاريخ وأهلُها – لكان من المفروض أن تكون هي أداة التداول المطلقة (...) وأن تكون أداة التداول في كلّ ما يتّصل بمجالات الفكر والثقافة والمعارف، وبكلّ حقول التسيير والتوجيه، وكذلك بكلّ دوائر الإبداع والفنون..." (عبد السلام المسدّي: مكانة اللغة العربيّة في مواجهة انتشار اللهجات العامّيّة عبر وسائل الإعلام، ضمن كتاب " مجلّة العربيّ: نصف قرن من المعرفة والاستنارة"، الجزء الأوّل، كتاب العربيّ، 72 (أفريل 2008)، ص 53.)  
وما يلفت في قول الأستاذ المسدّي هو عبارة "لو أنصفها التاريخ وأهلُها". وفيها شقّان. أوّلهما الوضع التاريخيّ والآخر هو الوضع الاجتماعيّ أو الحضاريّ. وإذا بدأنا بالثاني قلنا إنّ مشكلة المجتمع العربيّ مشكلة عامّة أي في جميع المستويات فليست اللغة إلاّ مرآة تنعكس عليها حال المجتمع. فإن كان ذلك المجتمع متقدّما كانت اللغة "متقدّمة" أو في وضع سويّ لسانيّا واجتماعيّا وإن كان العكس فالعكس. وأمّا عن الوضع التاريخيّ فقد أكّد الأستاذ المسدّي في مجمل مقاله الذي أحلنا إليه آنفا أنّ ثمّة وضعا غير طبيعيّ تاريخيّا وإن لم يشخّصه بتفصيل لأنّ مقام مداخلته وموضوعها لم يكونا في تلك الوجهة. فما الذي حدث في الواقع العربيّ حتّى تفقد العربيّة مكانتها في المجتمع العربيّ؟ ما الذي حدث في المجتمع العربيّ؟
ولا شكّ أنّ هذا ليس من اللسانيّات ولا من العلم الذي يتبجّح به البعض. نقصد لا يكفي أن ننظر لسانيّا لنقول إنّ انقراض اللغات ظاهرة طبيعيّة فنقف عند "ويل للمصلّين" بل يجب أن نبحث في الظروف الموضوعيّة المحيطة بالظاهرة موضوع الدرس. ذلك أنّ التخصّص العلميّ لا يعني أن نقطّع الواقع إلى معازل ليس بينها تأثير متبادل. بل إنّ العكس هو الصحيح، فإنّ ما أثبته البحث العلميّ اليوم هو العودة إلى مبدإ الموسوعيّة بمفهوم جديد هو "تضافر العلوم" أو "تضافر الاختصاصات". وأوّل ما ينبغي ضبطه هو حدّا المكان والزمان. فلا وجود لظاهرة أو حدث خارج أبعاد المكان الثلاثة وحدّ البعد الرابع أي الزمان.
 
متى.. وأين؟
لئن تقرّر أنّ العربيّة ليست بدعا بين اللغات من حيث كونها أداة تواصل ومن حيث قيامها على خصائص نظاميّة مميّزة، ولئن تقرّر أيضا أنّ "مشكلة" التنافس بين الشفويّ والمكتوب ليست مشكلة "عربيّة" خاصّة، فإنّ ثمّة خصوصيّات "عربيّة" في "مشكلة اللغة العربيّة". وأوّل هذه الخصوصيّات هي أنّ المشكلة تثور في مجتمع عربيّ في الربع الأوّل من القرن الواحد والعشرين. فمتى بدأت؟ متى أخذ التوازن اللغويّ يختلّ في المجتمع العربيّ؟
إنّنا لا نستطيع أن نقدّم تاريخا دقيقا لبداية المشكلة لكن بالإمكان أن نقدّم ملامح الفترة التي نشأت فيها. إنّها الفترة التي أخذ فيها المجتمع العربيّ يتفكّك نسيجا اجتماعيّا. وسيّان في ذلك أن يكون التفكّك بفعل داخليّ (انفصال) أو بفعل خارجيّ (تجزئة) لأنّ النتيجة واحدة وهي التصدّع والتخلّف وتمزيق الكيان العربيّ. على أنّ المشكلة، لا شكّ، ستؤثّر أسبابها في طريقة فهمها ومن ثمّ حلّها. ولهذا نقول إنّ هناك ظروفا داخليّة يتجاوز الحديث فيها مقامنا هذا تضافرت مع مشاريع هيمنة خارجيّة فأدّت إلى التخلّف الحضاريّ واللغويّ في المجتمع العربيّ. ومهمّ أن نعرف ذلك لأنّ امتداد أسباب المشكلة في الواقع دون أن ننتبه إليها سيبقي الواقع على ما هو عليه وسيؤدّي إلى هدر جهود كثيرة لأنّها لن تكون موجّهة الوجهة السليمة. ثمّ إنّ هذا مهمّ لنعرف مدى وعي الأطراف الداخليّة بما تفعله تثبيتا للمشكلة أو تعجيلا بحلّها.
إنّ مشكلة العربيّة ليست مطلقة وإنّما هي مشكلة تثور في المجتمع العربيّ المجزّإ. وهذا مهمّ لأنّ كلّ الذين يتحدّثون عن إرادة حلّ المشكلة يتحدّثون بشكل مباشر أو غير مباشر عن الإرادة السياسيّة. فهل أنّ الإرادة السياسيّة في الوطن العربيّ واحدة؟ وهذه الإرادة هي بلغة أخرى برنامج سياسيّ، واع بالتأصيل الحضاريّ، ومن عناصره "التخطيط اللغويّ" و"التنمية اللغويّة وصولا إلى مفهوم "الأمن اللغويّ" وهو مكوّن رئيس من مكوّنات "الأمن القوميّ".
 
والدعاية؟
الدعاية علم له قوانين هي قوانين القهر الدعائيّ أو السيطرة الدعائيّة. وهي خمسة: (1) حصر اهتمام الناس في مثير واحد بالتركيز عليه لإحداث الأثر باستفزاز الوضع النفسيّ المطلوب كلّ مرّة؛ (2) حصر الموضوع بعد ذلك في مفاضلة ثنائيّة بين البند المراد ترويجه ونقيض له؛ (3) التركيز على تقديم البند الدعائيّ دون خوض في تفاصيله أو أصوله والتداول في تفاصيل النقيض المراد دحضه؛ (4) انتقاء نماذج سلبيّة تكشف فساد النقيض المدحوض وعادة ما تكون من نماذج ماضية فاشلة معزول بعضها عن البعض يحكمها الانتقاء؛ (5) انتقاء نماذج استقطابيّة نمطيّة من الذين يسمّون "قادة الرأي" لتمثيل النموذج الدعائيّ واستقطاب الناس إليه.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذه القوانين تعمل متزامنة وليس شرطا أن تكون في مكان واحد بل لعلّ المطلوب هو تشتيت الأمكنة لإخفاء التقاطع والتكامل بينها لضمان نجاحها.
تطبيقا لهذا على مشكلة العربيّة نرى أنّ القانون الأوّل يتمثّل في مظاهر كثيرة منها الصورة السينمائيّة الساخرة لمدرّس العربيّة وحبّذا لو كان النموذج كاتب عدل شرعيّا تعليمه دينيّ فستكون السخرية من اللغة مقرونة بالدين فيصاب عصفورا العروبة والإسلام بحجر واحد. ولنذكر أنّ هذه النماذج تقحم في خطابها المسرحيّ أو السينمائيّ في مقامات شاذّة غريبة دائما. ويظهر الهدف الساخر هنا عندما نقارنه بانعدام روح السخرية في إطار فلم تاريخيّ أو مسلسل تاريخيّ أو عندما نشاهد أو نسمع نشرات الأخبار أو نشاهد برنامجا حواريّا... فالدعاية تركّز على المفارقات. ثمّ يأتي القانون الثاني عند التركيز على العربيّة الفصحى ونقيضاها اللغات الأجنبيّة والعامّيّات. فيثور الاستقطاب الثنائيّ لإيهام الناس أنّ المشكلة هي مشكلة "مستويات لغويّة" فإمّا فصحى وإمّا عامّيّة. وأمّا القانون الثالث فيظهر في إبراز عيوب المحافظة اللغويّة من حيث هي تكلّس وانغلاق ولا تناقش العامّيّات واللغات الأجنبيّة ولا يُترك مجال للتفكير في التفاصيل. وإنّ من لوازم الدعاية صرف اهتمام الجمهور عن التفكير في تفاصيل عنوانها. والقانون الرابع يظهر في انتقاء المقامات السلبيّة التي تبيّن "عجز" اللغة العربيّة عن مواكبة العصر. وتُضرب أمثلة من المفاهيم التي لم تستقرّ بعدُ ويُحتاج فيها إلى مصطلحات تقريبيّة فيُقال إنّ العربيّة ليست لغة علم. ولا يعدم الدعائيّون، في القانون الخامس، نماذج من مبدعي الأمّة وعلمائها تقدّم علمها وإبداعها بغير العربيّة الفصحى ليصبح الإغراء تامّا.
ونريد أن نكرّر أنّ هذه القوانين تعمل مجتمعة في الزمان غير مجتمعة في المكان بالضرورة. ومهمّ أن نضيف أنّ بعض الصادقين غير المنتبهين يساعدون الدعائيّين في ما يفعلون دون وعي عندما لا يفصلون مثلا بين دراسة المستويات اللغويّة دراسة علميّة لسانيّة من جهة وتوظيف الدعاية لإقصاء الفصحى من الاستعمال من جهة أخرى. مع أنّ القول مثلا بأولويّة الفصحى في التواصل لا ينفي الإبداع عن الخطاب المتداول أبدا و لا يعني تخطئة المشتغلين بدراسة العامّيّات دراسة علميّة لسانيّة موضوعيّة. إنّ الدعاية التي تحدّثنا عنها هي دعاية واعية موجّهة نحو تشويه خصوصيّة جوهريّة في وحدة المجتمع وثقافته.
ولينظر كلّ من شاء قول الأستاذ المسدّي إذ يقول في مقاله المشار إليه آنفا: "في فرنسا الآن – ومنذ 1996 – تنظيم تربويّ فيه من الغرابة ما لا يترك شكّا في النوايا الحضاريّة المتوارية، وهذا التنظيم يخصّ تراتيب الباكالوريا التي هي شهادة الثانويّة العامّة. فمن بين الموادّ التي يتعيّن على كلّ مترشّح أن يجتازها امتحان في إحدى اللغات، وكانت اللغة العربيّة من بين اللغات التي يمكن اختيارها كالإنغليزيّة والألمانيّة وغيرهما، وكثيرا ما كان أبناء الجالية العربيّة الذين تابعوا دراستهم على النظام الفرنسيّ يختارون اللغة العربيّة لاجتياز اختباراتها ضمن موادّ الباكالوريا، وإذا بالتشريع الإداريّ الجديد قد أدخل اللهجات العربيّة ضمن اللغات التي يمكن اختيارها، بل أصبح أبناء الجالية العربيّة يجتازون بالتوازي اختبارا في اللغة الفصحى واختبارا في اللهجة بحسب ثلاث مجموعات إقليميّة: المجموعة المغربيّة والمجموعة المصريّة والمجموعة الشاميّة. هكذا تسمّي النصوص الترتيبيّة دوائر الاختبار. ولكنّ الإمعان في التسلّل الثقافيّ لم يقف عند هذا الحدّ: فاختبارات اللغة العربيّة الفصحى هي اختبارات شفويّة، والاختبارات في اللهجة هي اختبارات كتابيّة، وهذا منتهى المكر الحضاريّ لأنّه إصرار على إعطاء اللهجات "دستورا" نظاميّا وإحلالها في النفوس محلّ الكيان الثقافيّ الكامل والمستقلّ. وتدفّقت منذئذ المغريات وتهاطلت أموال الدعم حتّى يتجنّد أهل الخبرة في ترتيب الأدوات التربويّة المساعدة، وفي تصنيف الكتب المدرسيّة المعينة على اجتياز اختبار العامّيّات العربيّة... ومازال مسلسل فصم أبناء الجالية العربيّة عن مراضعهم الثقافيّة والحضاريّة متواصلا". (المرجع السابق، ص 63.)
 
كلمة أخيرة     
وبعدُ فإنّ مشكلة العربيّة ليست إلاّ جزءا من مشكلة المجتمع العربيّ على وجوهها المتعدّدة. فالعربيّة لغة تواصل حيّة وليس من الطبيعيّ أن يختار عربيّ على السليقة أن يترك لغة هويّته تلقائيّا إلى أشكال أخرى من التواصل أو إلى لغات أخرى. ولذلك نقول إنّ حلّ المشكلة لا تكفي فيه الدعوة إلى الاعتناء بوسائل الإعلام وتحسين لغتها أو الدعوة إلى تطوير تعليم العربيّة. فهذه مسائل فنّيّة (تقنيّة) أقرب إلى التنفيذ. وهي ضروريّة وغير كافية. ومن الجدير بالملاحظة بعد هذا أنّ الانصراف المفرط إلى المشاكل الجزئيّة أو إلى مشاكل المجتمع مجزّأةً هو من آثار الدعاية لإيهامنا بتقطيع الواقع كي لا نرى الصورة في اكتمالها. لكنّ الوعي هو تنزيل الجزء في الكلّ. عندئذ سيظهر لنا أنّ مشكلة اللغة ليست إلاّ وجها من وجوه مشكلة أعقد هي أدعى إلى التفكير من مجرّد خوض حرب وهميّة بين العربيّة الفصحى والعامّيّات.
وأخيرا فإنّ من عوامل نجاح الدعاية هي أن نكون مجنّدين فيها دون أن نعرف ذلك.


التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2023
المجلس الدولي للغة العربية