للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

اللغة العربية فى الجزائر.. بين الوجود والتغييب - 2

أ. عفاف عنيبة

 

الاستعمار الفرنسى واللغة العربية: فى 1830 عندما إحتلت فرنسا الجزائر وقد إستقر لها المقام بشكل نهائى فى بلادنا نحو 1848 حيث أعلن المجلس الوطنى أن الجزائر أرض فرنسية، أظهر المحتلون الفرنسيون عدائهم الصريح للغة العربية. وأول إجراء إتخذته ضدها كان منع تعليم اللغة العربية وبشهادة المؤرخ توفيق المدنى "أن الستين ألفا من أبناء المسلمين الذين يتلقون علومهم فى المدارس الابتدائية الحكومية (فى ظل الإستعمار) لا ينالون من العربية أى نصيب، والذى يجب أن نلاحظه هنا بكل أسف وكدر هو أن البرنامج العلمى الحكومى لا يعتنى أى عناية لا كبيرة ولا صغيرة بالتعليم العربى، فبرنامج التعليم الإبتدائى للمسلمين هو برنامج أوروبى بحت".

بمعنى أن السلطة الاستعمارية كانت تبحث على تكوين، ومنذ الصفوف الاولى من التعليم، نموذج الإنسان الجزائرى المستلب الذى يرى نفسه جزءا لا يتجزأ من فرنسا فيتنكر لأصوله البربرية ويتنصل من لغته العربية ويتبرأ من دينه الحنيف. وفى 1907 وبعد صدور قانون فصل الدين عن الدولة فى فرنسا قامت بمصادرة كافة الأوقاف الإسلامية فى الجزائر والتى كانت تضمن إستقلالية المساجد ورجال الدين والقضاء الاسلامى وضمتها إلى أملاك الدولة ووزعت الأراضى على المعمرين. وقد كانت تمنح الجنسية الفرنسية إلى الجزائرين ولا يتمتع الفرد الجزائرى بحقوقه كاملة كمواطن فرنسى إلا اذا ما تخلى عن دينه ولغته وتنصر وتبنى اللغة الفرنسية وهيهات أن يعامل كمواطن فرنسى!!

وأسس الجنود والمبشرون المسيحيون للإستعمار الفرنسى فى الجزائر، وقد إنصب هم الفريق الثانى من هؤلاء على تنصير أكبر عدد من الجزائرين وقد رأوا فى اللغة العربية العدو اللدود الذى يمنعهم من تحقيق أهدافهم الخسيسة، فمتى تغلبوا على اللغة العربية ومحوها من وجود المسلمين الجزائرين سهلت عليهم مهمة تنصيرهم. فاللغة العربية كانت الحبل السرى الذى يربط المسلم الجزائرى بدينه وربه، وللتدليل على كلامى هذا، أورد هنا فقرة للادميرال قيدون الوالى الفرنسى على الجزائر أثناء الاحتلال وقد توجه بخطاب الى الآباء البيض سنة 1871 (1) " انكم اذا سعيتم إلى إستمالة الأهالى بواسطة التعليم وبواسطة ما أسديتم إليهم من إحسان قد قدمتم بعملكم هذا خدمة جليلة للبلاد الفرنسية. فليس فى وسع فرنسا أن تنجب من الأبناء ما يكفى كى تعمر بهم الجزائر. وصار من اللازم أن يستعاض عنهم بفرنسة مليونين من البرابرة الخاضعين لسلطاننا. واصلوا عملكم بحنكة وحيطة، ولكم منى التأييد، وفى إمكانكم أن تعتمدوا على كل الاعتماد." (مجلة العالمين الصادرة فى باريس اول افريل 1925).

وقد إنحصر تعليم اللغة العربية فى العهد الاستعمارى فى الكتاتيب والمساجد والزوايا ولكن سرعان ما تفطن الإستعمار إلى الخطر الذى تمثله هذه الزوايا والمساجد التى ستنجب آجلا  أم عاجلا أجيال متمسكة  بهويتها البربرية العربية المسلمة فعمل على محاصرتها. إلى أن تصدى للأمر مجموعة من أخيار الجزائرين الوطنيين والغيورين على دينهم ولغتهم فأنشأوا مدارس خاصة بتمويل من المخلصين لتعليم اللغة العربية وإيواء تلامذتها وطلبتها (5)، "خاصة بعد ماتأسست جمعية العلماء المسلمين برئاسة ورعاية العلامة المصلح الشيخ بن باديس رحمه الله، ورغم ذلك لم يكن يتعدى عدد المدارس الحرة الثلاثون مدرسة وعدد طلبتها الثلاثة آلاف بينما كان عدد الجزائرين ستة ملايين، و780 ألف من أبناءهم لا يرتادون تلك المدارس القرآنية الحرة!".

إن التغييب الذى عانت منه اللغة العربية أيام الإستعمار الفرنسى أعده أحد أهم الأسباب فى وجود  أجيال كاملة من الجزائرين (وقد دام الاستعمار 132 سنة) لا يحسنون الحديث باللغة العربية. وبالرغم مما أكده المؤرخ توفيق المدنى من إجادة الجزائرين الحديث بعامية عربية نظيفة إبان الإحتلال الفرنسى قائلا فى مؤلفه "كتاب الجزائر": "فاللغة العامية العربية هى لغة كل الأهالى المسلمين فى أرض الجزائر سواء كانوا من العرب أو البربر أو غيرهم. واللغة العربية الفصحى هى اليوم عندهم جميعا لغة النهضة والتفاهم العلمى والاجتماعى". مشيرا الى وجود لغة العمال فى المدن الساحلية، وإلى لغة قدماء الجنود. وعزا طغيان المفردات الفرنسية على لغة أهل المدن من عمال الى إحتكاكهم بالمحتلين الفرنسيين الذين كانوا يستقرون بأعداد كبيرة فى المدن أكثر منه من الريف الجزائرى وأعطى نموذج حى عن طريقة التحدث لدى هذه الشريحة من الجزائرين، وأوردها هنا كما جاءت:

"أذكر مرة أن صديقا من هذه الطبقة (نسبة إلى الجزائرين العمال) قال لى مرة ينتقد جمعية إسلامية لأنها عقدت إجتماعها بإحدى المقاهى بدل عقده بقاعة نادى الترقى ما نصه: أنا يا خويا "نكرتيكى" هذو الناس؛ كان "الدفوار" متاعهم يعملوا "الرانيون" فى "السيركل""يدسكيتو" مثل ما يحبوا و"يلفيو السيانس" وقت اللى يحبوا وما يلقاوش أشكون "يسبيونيهم".

نلاحظ فى هذه السطور مدى تأثر اللسان الجزائرى العربى باللغة الفرنسية وقد حصر المؤرخ مدنى هذه الفئة من الجزائرين فى المدن والساحل مؤكدا أنها أقلية بالنظر إلى سواد الأعظم من الجزائرين الذين كانوا لا يزالون ورغم أنف فرنسا يتحدثون بعامية عربية خالية من الألفاظ الأجنبية ولكن هذه الفئة القليلة صارت بعد الإستقلال هى الغالبة فى الشعب الجزائرى.

وهذا التحول السلبى الذى وقع كانت وراءه نيات إستعمارية غير بريئة قررت زرع فتيل الفتنة فى المجتمع الجزائرى، بعد ما تيقن الإستعمار أن اللغة العربية متمكنة من الجزائرين وأنها تكاد تكون مهمة مستحيلة القضاء عليها، لجأ إلى وسائل خسيسة لحمل الجزائرين للتخلى عنها من تلقاء أنفسهم كإدعاء بأن اللغة العربية دخيلة على الجزائرين الذين هم من أصول بربرية وأن هؤلاء لهم لغتهم الأصلية وهى البربرية، وقد إتجهت مثل هذه المحاولات الدنيئة إلى منطقة بلاد القبائل الصغرى والكبرى. وقد نجح فى هذا المضمار المستعمر بحيث إستطاع أن يسمم عقول حفنة من الجزائرين المستلبين والمنسلخين ليقوموا بدورهم ببث أسباب الفرقة بين أبناء الشعب الواحد، ورغم هزيمة الإحتلال الفرنسى فى ميادين القتال، وإعترافه بإستقلال الجزائر بعد حرب تحريرية دامت قرن وإثنان وثلاثون سنة إلا أنه خلف وراءه جحافل من العملاء تمكنوا من التسلل إلى أجهزة الحكم فى الجزائر المستقلة وأداموا سطوة اللغة الفرنسية فى حياة الجزائرين وحاربوا  بكل ما أتوا من دهاء وخبث اللغة العربية متعللين بشتى الذرائع.

veecos net

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية