للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

لغة جيل العربيزي: بين خطر الدوبلاج ونزيف الهوية

أ. نسرين طرابلسي

تعرف لغة الصحافة باللغة البيضاء، وهي اللغة العربية المخففة البسيطة، اللغة التي تقرأ بها الجريدة، وتتصفح بها مجلات الفن والموضة والأزياء. لغة الإعلام الفصحى السهلة المطعمة بالعامية المحكية. لغة دبلجة المسلسلات المكسيكسي، ولماذا تركتني أعاني فأنا أحبك يا أليخاندرو.
لغة الأخبار والحوار التي تمرر بين كلماتها (يعني وشو وكأنو) في التحليلات العسكرية والاستراتيجية، لغة المذيعة الوافدة عندما يحرم عليها أن تتحدث بلهجتها حفاظاً على هوية المحطة. لغة البرامج الثقافية التي لا يحبها السواد الأعظم، لغة تصاب أحيانا بخدوش وكسور وخلوع، فينون الممنوع من الصرف ويوافق العدد المعدود حتى وإن كان من ثلاثة إلى تسعة وتضاف أل التعريف لكلمة غير من دون أي إحساس بالحرج أو ارتكاب خطيئة تجعل المعلقات تخر مغشيا عليها في سوق عكاظ.
في سوريا كانت مادة اللغة العربية في الثانوية العامة مادة نجاح أو رسوب! وكان تعليم اللغة الثانية أمراً ثانوياً في المدارس الحكومية. حتى خرج معظم السوريين ضعفاء باللغات الأجنبية، اللهم إلا من كان لديه المال لعمل دورات لغة موازية أو سافر لإكمال تعليمه في الخارج أو تغرب وتعلم لغة البلد الذي يقيم فيه. المهم أننا تخرجنا من الجامعات ونحن نفتخر أننا نفذنا من مقصلة الثانوية العامة ومضيق المفاضلة والواسطة وسنوات الجامعة التي هي مزيج من كل ما سبق بالطول وبالعرض. لننزل إلى الحياة العملية معتقدين أن شهادتنا الجامعية تؤهلنا لسوق العمل فكانت الصدمة لنا جميعا حين اكتشفنا أن كل الشركات العربية تطلب منك أن تكون ممتازا باللغة الانكليزية. وأن أغلب المراسلات بين شركتين عربيتين باللغة الإنكليزية. وأن كل الأخبار العربية تأتي من مصادر إنكليزية، وأن عليك لتعمل محرراً في قناة عربية أن تجري أولا اختباراً بالانكليزية! مع أن الأجانب يعملون في بلادنا من دون أن يكون هناك شرط واحد ولو من باب الدلع بأن على الموظف أن يفك حرفاً عربياً.
أو، بل، ربما!!
لا يمكننا إلا تحميل الإعلام جزءاً كبيراً من مسؤولية تردي اللغة العربية. أخبرني أحد أساتذتي في المعهد العالي للفنون المسرحية أنه أثناء إنتاج المسلسلات التاريخية في سوريا كان المدقق اللغوي يقف وراء الكاميرا ليصحح للممثلين، ومع ذلك كانت تفلت منهم أخطاء كثيرة. هذا يمكن تمريره وابتلاعه، بينما لم يكن من المنطقي على الإطلاق التغاطي عن أخطاء النشرات الإخبارية اللغوية.
في كل الدورات التدريبية توزع على المذيعين لوائح طويلة من الكلمات والاستثناءات القواعدية والأخطاء الشائعة. ولكن مثل كل المهارات فاللغة العربية لغة قراءة وبحث وممارسة. عليك أن تبدو دوما جاهزاً متمكناً من أدواتك ولغتك ومعلوماتك.
عدد كبير من العاملين في مهنة التقديم لا يلقون بالاً لقواعد النحو والإعراب. عندما يقرأ البعض تشعر أن عظام الفراهيدي وسيبويه والدؤلي تهتز تحت الأرض من فداحة الأخطاء.
يشكلون الكلام بحركات ترفع الضغط وتنصب العصب وتجر المشاهد معها إلى الأسفل. عدا عن الخطأ الذي يتحول إلى قاعدة عندما يبدأ به أحدهم على الشاشة ويستشري بداء التقليد كالعدوى بين الجميع. على سبيل المثال كلكم تعرفون طريقة المذيعين في تصويب الخطأ الذي يقعون به، فيتبعون الكلمة الخاطئة بـ (أو) ثم الكلمة الصحيحة، وهذا بحد ذاته خطأ لأن الأصح أن يقولوا (بل) لأن الأو تفيد أن الخيار بين كلمتين صحيحتين، بينما ال(بل) هي للتوضيح أن الكلمة الأولى خاطئة والثانية هي الصحيحة. إنها دوّيخة لغوية، فاللغة العربية بحر عميق في أحشائه الدرّ كامن، وليس كل متحدث بها غواص.

اللغة والناس

في أثناء كتابة هذا المقال سألت صديقتي ما هو آخر برنامج لغوي ظهر على التلفزيون وتتذكرينه. صفنت قليلا ثم أجابت ‘اللغة والناس′. إنه برنامج سوري كان يقدمه اللغوي والأديب السوري الراحل يوسف الصيداوي. السوريون الذين عاصروا فترة التمسك باللغة العربية في سوريا إلى درجة المغالاة من أسماء المحال التجارية وحتى المصطلحات الطبية والعلمية في الكتب المدرسية والجامعية! يعرفون أنه لا يوجد شعب غيرنا يقول عن antibiotiques الصادّات الحيوية! ولهذا حديث طويل لنبق مع الصيداوي كان برنامجه يبدأ ببيت الشعر العربي:
لغةٌ إذا وقعت على أسماعنا كانت لنا برداً على الأكبادِ
ستظل رابطةً تؤلف بيننا فهي الرجاءُ لناطق بالضادِ.
وقدمه على مدى أحد عشر عاماً متواصلة وتحولت مئة حلقة من حلقاته إلى كتاب يحمل نفس عنوان البرنامج.
وقبل أن تذهب 2013 أخذت في طريقها علمين من أعلام الإعلام العربي كانت أيامهما أيام عز للغة العربية على الشاشة، ليس فقط لفظا ونطقاً بل وتعليماً لجيل كامل ينظر إليهما بكل إجلال وإكبار. ولأننا في السنوات الأخيرة خطف الموت الكثير من الهامات الفنية والإعلامية بحزن صامت طغت عليه أصوات القذائف والانفجارات، فلا بد أن نتذكر في سطر بمقال في جريدة من باب الوفاء والتعبير عن الامتنان لأننا بفضل جهودهم أنقذت أجيالاً من ضياع اللغة. فاليوم سادت (العربيزي) بين الجيل الجديد الذي يكتب بها تعليقات ‘الفيس بوك’ ورسائل ‘الواتس آب’، لغة هجينة أصحابها لم يطالوا سماء العربية ولا تراب الانكليزية!

جيل السمسم وطرائف الجاحظ

من تدريس اللغة العربية وإدارة البرامج التعليمية انتقل الإعلامي السوري ياسر المالح للتعاون مع مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك ككبير الكتاب في برنامج ‘افتح ياسمسم’ عام 1979 كنسخة من البرنامج الأمريكي Sesame Street أو شارع السمسم.
وعلى الرغم من أن العديد من الفقرات كانت جاهزة وتمت دبلجتها على العربية، إلا أن عددا كبيرا من الأغاني والفقرات الكوميدية التعليمية والفقرات الخاصة بتعليم الأبجدية والكلمات والجمل والأسئلة والأرقام أعدت بإشراف متخصصين. فمن ينسى عبارات هدوء وباص ومدرسة ودخول وخروج، كنا نضحك ونتعلم اللفظ والكتابة والدلالة والمعنى. من ينسى أغنية في جيبوتي يا إخواني نلعب نجري في جيبوتي، ولم نكن نعلم أن جيبوتي بلد عربي يعيش سكانه تحت خط الفقر مهمش ومنسي حتى في نشرات الأخبار والنشرات الجوية!
العلم الثاني الذي فقدناه هو محمد توفيق البجيرمي، والذي كان أستاذا للغة الانكليزية في جامعة دمشق، لكن شهرة برنامجه المنوع ‘طرائف من العالم’، الذي قدم وأعيدت حلقاته لفترة قاربت 25 عاماً والذي كان يقدمه بطريقة جذابة وملفتة ويستخدم في صياغة مادته المحسنات البديعية. مما أهله ليقوم بدور الجاحظ في مسلسل ‘البخلاء’ في عام 1983، ودور ‘ابن عبد ربه’ الأندلسي في مسلسل مأخوذ من كتاب العقد الفريد.
هؤلاء أعلامنا اللغوية في الإعلام فمن هم أعلامكم في اللغة والإعلام اليوم؟!

بالسوري والمصري والخليجي!

بينما يضيف معجما ‘لاغوس′ و’أوكسفورد’ من حين لآخر بإضافة مفردات جديدة للغة الانكليزية، وتتحول هذه اللغة إلى لغة المال والأعمال. أقرت الأمم المتحدة اللغة العربية في عام 1973 كواحدة من اللغات الرسمية لها وللمنظمات الدولية المنضوية تحتها. لكن اليوم العالمي للغة العربية لم يقرّ إلا في 18 من ديسمبر 2013. أي أنه واحد من أحدث الأيام العالمية، رغم أن العربية كلغة تنتمي إلى واحدة من أقدم الأسر اللغوية ‘الساميّة’. فهل نعتني بها ونثمن ما نمتلك في المؤسسات التعليمية والإعلامية؟! أترك لكم التفكير بهذا السؤال بينما أحدثكم عما شغل الدنيا وملأ الناس الدوبلاج.
دوبلاج مصطلح تلفزيوني من الكلمة فرنسية الأصل doublage والمقصود به القيام بتعريب إنتاجات تلفزيونية كالمسلسلات والأفلام والأفلام الوثائقية والأنمي.
تتم الدبلجة في الاستوديو مع وسائل لعرض المادة المصورة. ثم يقوم ممثلون مختارون لتأدية أصوات الشخصيات المصورة في الفيلم بأداء تمثيلي مطابق للصورة، مع مراعاة حركات الشفاه وكذلك مراعاة وقت الكلمات. المسلسلات المكسيكية والكارتونية كانت تدبلج بالفصحى، لكن مع الهجوم الكاسح للمسلسلات التركية وتسويقها على كل الشاشات العربية، انتشرت اللهجة السورية أكثر مما اشتهرت بمسلسلاتها الأصلية. حتى القنوات المصرية التي تترجم الأفلام الأجنبية باللهجة المصرية مكتوبة، أصبحت تعرض المسلسلات التركية المدبلجة بالسوري لتواجه الاستقطاب الجماهيري الرهيب الذي أحدثته تلك المسلسلات، وتجد لدى جمهورها متابعة وصدى على نطاق واسع.
في صراع الهوية على القنوات الإعلامية، ينتصر الزي التقليدي واللهجات المختلفة وتضمحل اللغة العربية. يسجل كل من الـ’فيسبوك’ و’تويتر’ اللغة العربية كواحدة من أكثر اللغات نمواً يوما بعد يوم، يجري مارك زوكربيرغ تغييرات على اختراعه كتاب الوجوه ويضيف الهامش اليميني للمستخدمين العرب. فهل يصحو مجمع اللغة العربية لعمل شيء ما لانقاذ لغتنا العربية وجعلها أكثر مرونة وهل تتنبه وزارات التربية والتعليم في الحكومات السديدة والرشيدة الموقرة في عمل ما يغير مناهجها القاتلة التي تجعل الأهل والطلاب يدفعون ما فوقهم وما تحتهم ليضعوا أولادهم في مدارس بريطانية وأمريكية في العلم والمعرفة والفن والجرأة وطلاقة اللسان بحرية التعبير.. وتؤمن في نهاية المطاف مكاناً في الحياة وفرصة عمل؟!

القدس العربي

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية