للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

اليوم العالمي للغة العربية

د. ثمامة فيصل بن أبي المكارم

قال اللهُ عزَّ وجلَّ في القرآن الكريم : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرآنا عَرَبِيًا لَعَلَّكم تَعْقِلُون) ، وقال جلَّ وعَلَا : (وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ في هَذَا القُرآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرون ، قُرْآنا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقون).
لقد شَرَّفَ اللهُ عزَّ وجلَّ اللغةَ العربيةَ وفَضَّلَها على سائر اللغات ؛ بحيث قد اخْتَصَّها لتنزيل كلامه المجيد ، و بَعَثَ في الناطقين بها رسولَه الأمين. واللغة العربية هي اللغة التي فرض الله على المسلمين التَّعَبُّدَ بها في الصلوات. وهي لغةُ مصادرِ الشريعة الغرَّاءِ ، وهي الوعاء الأصلي لتعاليم الإسلام السمحة؛ فبها وُضِعَ أولُ ما وُضِعَ من الكتب والمؤلفات في جميع العلوم الإسلامية من التفاسير وعلوم القرآن والحديث وعلومه والفقه وأصوله ، فاللغة العربية هي لغة المرجع والمصدر لديننا الحنيف ، ولا غنى عنها لمن أراد التفقهَ في أمور الدين وإدراكَ كُنْهِها وسَبْرَ أغوارها. واللغة العربية  مَكْرمَةٌ ومَفْخرةٌ للمسلمين ، وهي مصدرُ الخير والبركة لهم ، وهي مجلبُ السعادة ومنبعُ النور والعرفان ، وهي خزينةُ الدُّرَرِ واللآلي والمرجان ، وما أحسن ما قاله شاعرُ النيل حافظ إبراهيم مشيرا إلى هذه الميزات للغة العربية :
وَسِعْتُ كِتابَ اللَهِ لَفظاً وَغايَةً                 وَما ضِقْتُ عَن آيٍ بِهِ وَعِظاتِ
أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ                فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي
واللغة العربية ، علاوةً على مكانتها الدينية ، لغةُ العلم والأدب والتاريخ والحضارة. فلم يطرق علماؤها كافةَ العلوم والفنون التي سَبَقَهم في طَرْقِها غيرُهم من أصحاب الديانات والحضارات السابقة في القرون الخالية فحسب ، بل إنهم حدَّثوها ، ووسَّعوها ، وتفننوا فيها ، وشَقُّوا لها فروعا جديدة ، وزادوا عليها من أشياءَ لم يُسبَقوا إليها ، وبرز فيها منهم جهابذةٌ وعباقرةٌ وفلاسفةٌ عوَّل عليهم علماءُ الغرب واعتمدوا على تَرِكَتِهم العلمية لتحقيق الثورة العلمية في العالم الغربي.
تنتمي اللغة العربية إلى الفرع الجنوبي للغات السامية ، وهي أقدم اللغات الحية التي تحتفظ بخصائصها الأولى. أما لغات العالم الأخرى فقد تلاعب بها الزمان ما تلاعب وتَصَرَّفَ بها الحدثان ما تَصَرَّفَ ، وطرأ عليها تعديلٌ وتحريفٌ فقدتْ بهما خصائصَها الأولى ، أما اللغة العربية فقد حفظها الله وصانها من يد الدهر عبر العصور والأزمان ؛ لأنها لغة القرآن ، وقد أعلن الله جل وعلا أنه هو الذي نَزَّلَه وأنه هو الحافظ له. ويعتقد جماعةٌ من الباحثين أن اللغة العربية أقرب إلى الأصل السامي مقارنة بسائر أخواتها السامية وإن كانت اللغةُ الآراميةُ أقدمَ منها عهدا.
وتمتاز اللغة العربية بميزات وخصائص لغوية تجعل منها لغة غنية وثرية ، وتجعلها تُسايِرُ التطورَ الحضاري والفكري ، فقد استطاعت في العصور الإسلامية المختلفة أن تستوعب الفكر الدخيل والعلم الدخيل ، وأن تعبر عنهما بأسلوبها الصافي البليغ ، الأمر الذي يدل دلالة واضحة على شموليتها وتكاملها ومقدرتها الاستيعابية العجيبة.
وقد أثَّرَ انتشارُ الإسلام في سمو مكانة اللغة العربية ، فأصبحت لغةَ السياسة والعلم والأدب لقرون طويلة في الأراضي التي حكمها المسلمون. وأثَّرت اللغةُ العربيةُ تأثيرا مباشرا أو غير مباشر في كثير من اللغات الأخرى في العالم كالتركية والفارسية والكردية والأوردية والماليزية والإندونيسية والألبانية وبعض اللغات الأفريقية مثل لغة الهاوسا واللغة السواحيلية ، وبعض اللغات الأوروبية كالإسبانية والبرتغالية والمالطية والصقلية.
واللغة العربية اليوم هي لغة رسمية لاثنتين وعشرين دولة من الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) ، وينطق بها أكثر من 422 مليون شخص في العالم العربي ، ويستخدمها أكثر من مليار ونصف المليار من المسلمين في العالم.
ونظرا إلى هذه الأهمية البالغة للغة العربية ، ونظرا إلى مكانتها اللغوية والتاريخية والحضارية والثقافية وإلى النطاق الواسع للناطقين بها والمستخدمين لها من المسلمين وغيرهم ، لقد اهتمتْ بها منظمةُ الأمم المتحدة منذ تأسيسها في عام 1945م عقب الحرب العالمية الثانية ، وأَوْلَتْها عنايةً خاصةً ، فجعل المؤتمرُ العامُ لليونسكو في دورته الثالثة التي انعقدت في بيروت عام 1948م اللغةَ العربيةَ لغةَ العمل الرسمية للمؤتمر العام في تلك الدورة إلى جانب اللغتين الإنجليزية والفرنسية.
ومما يدل على عنايةِ منظمة اليونسكو باللغات العالمية وسعيِها إلى النهوض بها اعتمادُها في 17 نوفمبر عام 1999م في الدورة الثلاثين للمؤتمر العام يومَ 21 فبراير اليومَ العالمي للاحتفاء باللغة الأُمِّ من أجل النهوض بالتنوع اللغوي والثقافي. وجاء إعلانُها هذا كجزء من مبادرة جديدة تسعى إلى زيادة الوعي والاحترام لتاريخ وثقافة ومنجزات كل من اللغات الست الرسمية والعاملة في مجتمع الأمم المتحدة ، وهي اللغات العربية والانجليزية والفرنسية والروسية والإسبانية والصينية ؛ حيث أن اليونسكو تُقر بأن اللغات تقوم بدور أساسي في نشر المعارف والأفكار بين الشعوب والثقافات. ويرمز اختيار هذا التاريخ للاحتفال باليوم العالمي للغة الأم (21 فبراير) إلى اليوم الذي أطلقت فيه الشرطةُ النارَ عامَ 1952م في مدينة دكا ، عاصمة بنغلاديش اليوم ، على طلبةٍ خرجوا متظاهرين للمطالبة بالإعتراف بلغتهم الأم اللغة البنغالية كواحدة من لغتي البلاد الرسمية لِما كان يُعْرَفُ حينئذ بباكستان.
وفي 16 مايو عام 2007م أهابت الجمعيةُ العامةُ للأمم المتحدة بالدول الأعضاء التشجيعَ على المحافظة على جميع اللغات التي تستخدمها شعوب العالم وحمايتَها. وأعلنت الجمعية العامة ، في القرار نفسه ، اعتمادَ سنةِ 2008م سنةً دوليةً للغات لتعزيز الوحدة في إطار التنوع ولتعزيز التفاهم الدولي من تعدد اللغات والتعدد الثقافي.
وفي إطار دعم وتعزيز تعدد اللغات وتعدد الثقافات في منظومة الأمم المتحدة ، اعتمدت إدارة الأمم المتحدة لشؤون الإعلام في فبراير عام 2010م قرارًا يقضي بالاحتفال بيوم عالمي لكل لغة من اللغات الرسمية الست للأمم المتحدة. وحددت الأيامَ العالميةَ لهذه اللغات على النحو التالي :
-    الاحتفال بيوم اللغة الفرنسية في 20 مارس ، الموافق لليوم الدولي للفرانكوفونية - International Francophone Day
-    الاحتفال بيوم اللغة الصينينة في 20 أبريل ، تخليدا لذكرى سانغ جيه Cang jie)) مؤسس الأبجدية الصينية
-    الاحتفال بيوم اللغة الإنجليزية في 23 أبريل ، تخليدا للذكرى السنوية لوفاة الكاتب الإنجليزي ويليام شيكسبير
-    الاحتفال بيوم اللغة الروسية في 6 يونيو ، تخليدا للذكرى السنوية لميلاد الشاعر الروسي إلكسندر بوشكين Alexander Pushkin
-    الاحتفال بيوم اللغة الإسبانية في 12 أكتوبر ، الموافق ليوم الثقافة الإسبانية
-    الاحتفال بيوم اللغة العربية في 18 ديسمبر ، وهو اليوم الذي أُلْحِقَتْ فيه اللغةُ العربيةُ باللغات الرسمية للأمم المتحدة
أما سبب اختيار الجمعية العامة للأمم المتحدة يومَ 18 ديسمبر للاحتفال باليوم العالمي للغة العربية ، هو أنها كانت أصدرت في التاريخ نفسه عامَ 1973م في دورتها العشرين قرارا باعتماد اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية المقررة في الجمعية العامة ولجانها الرئيسية ، وبعد مرور حوالي أربعين سنة على ذلك القرار وتلبيةً لمقترحٍ تقدمتْ به كلٌ من المملكة المغربية والمملكة العربية السعودية إلى منظمة الأمم المتحدة، قررت الهيئةُ الاستشاريةُ للخطة الدولية لتنمية الثقافة العربية (أرابيا) التابعة لمنظمة اليونيسكو اعتمادَ 18 ديسمبر من كل عامٍ اليومَ العالميَّ للغة العربية. وتهدف خطة تنمية الثقافة العربية (أرابيا) التي أنشأتها منظمةُ اليونيسكو عام 1999م إلى : توفير إطار يمكن عن طريقه للبلدان العربية تنمية تراثها الثقافي ، بحيث يُصانُ الماضي مع التركيز بوجهٍ خاصٍ على المستقبل ، ويفتح العالم العربي على التأثيرات والتكنولوجيات الجديدة مع الحفاظ على سلامة التراث العربي.
واحتفلت اليونيسكو العامَ الماضي (2012م) باليوم العالمي للغة العربية للمرة الأولى. وقد اتخذت اليونسكو هذا القرار توسيعًا لنطاق استخدام اللغة العربية في أنشطة اليونسكو ، واعترافًا منها وتقديرا لما قدمتْه اللغةُ العربيةُ من مساهمات جليلة وخدمات عظيمة في تاريخ الحضارة والمدنية على مستوى العالم ، كما أقرت بذلك مديرة اليونسكو السيدة إيرينا بوكوفا (Irina Georgieva Bokova) في رسالتها التي أَلْقَتْها بمناسبة أول احتفالٍ باليوم العالمي للغة العربية في عام 2012م ، حيث قالت :
(إن الاحتفال باللغة العربية يتيح إبراز ما قدمه كتّابُ هذه اللغة وعلماؤها وفنانوها من إسهام في الثقافة العالمية. فالمؤلفون الذين كانوا يكتبون باللغة العربية هم الذين أتاحوا نقل المعارف الإغريقية إلى اللغة اللاتينية التي كانت مستخدمة في الغرب خلال القرون الوسطى ، وأقاموا بذلك صلات دائمة لا يمكن قطعها بين الثقافات عبر الزمان. وتندرج مؤلفات ابن رشد وابن خلدون ونجيب محفوظ في عداد أعمق مؤلفات العقل البشري ، وهي لا تعبر عن كامل قوتها إلا باللغة العربية. وهذا الحب للغة والافتتان بها ، اللذان يتجليان مثلاً في فن الخط وفي الشعر ، بما لهما من مكانة مرموقة في الثقافة العربية ، يشكلان البوتقة التي تنشأ منها أعظم الحضارات.)
وكان قد افتخر أمير الشعراء أحمد شوقي بهذه العظمة والرفعة لهذه اللغة المباركة مشيرا إلى حسنها وجمالها ، حيث قال :
إن الذي ملأ اللغاتِ مَحاسِنًا         جعلَ الجمالَ وسِرَّهُ في الضادِ
ونحن اليوم إذ نحتفل باليوم العالمي للغة العربية ، لِنَنْظُرْ إلى التحديات والمآزق التي تحيط بلغتنا، وَلْنَتَأَمَّلْ كيف نذود عنها وكيف نحافظ على سمو مكانتها في مواجهة الهجمات والغارات الرامية إلى القضاء على كرامتها وأصالتها ، وَلْنُفَكِّرْ كيف ننهض بها وكيف نُؤَهِّلها لِلتَّمَشِّى مع مسيرة الأيام دون تَعَرُّضِها لأي نُقصانٍ أو خُسرانٍ في خصائصها وميزاتها الحِسان ؛ لأنَّ وضعَ اللغة العربية في عصرنا الراهن لا يَسُرُّنا ولا يُرضِينا بل يُؤْسِفُنا ويُحْزِنُنا ؛ بحيث إن العربية العامية والدارجة قد تفشت في جميع البلدان العربية تفشيا فاحشا ، وكثر استعمالُها حتى طَغَتْ على الفصحى ؛ وتدهور وَضْعُ الفصحى واستفحل أمرُها ؛ حتى بلغت التراقيَ أو كادتْ ، وانحصر نطاقها في لفيف من العلماء والمثقفين ، وأصبح الجهلُ بالعربية السليمة والإلمامُ بلغات الشعوب الأخرى مفخرةً لدى ذوي العقول السقيمة ، مع أن ذلك هو المزلقة الحقيقية ، وهو حقا مؤامرة شنيعة حاكها ضدنا أعداؤنا ، ولا أقصد بهذا أن يُسْتَنْكَرُ تعلُّمُ اللغات الأخرى والتضلعُ فيها ، بل إنه أمر جدير بالعناية ، ولكن يجب أن لا نستهين من أجله بلغتنا الأم، وأن لا نتلاعب بها ، رغم إيماننا واعتقادنا أنها أفضل اللغات وأشرفها ، ومن هنا كان لزاما علينا أن نَنْتَبِهَ إلى هذا الأمر الخطير قبل فوات الأوان ، وأن نستيقط من سباتنا قبل أن يبكي علينا الزمان. وقد سبق أن نَبَّهَنا إلى ذلك حافظ إبراهيم حين قال :
أَيَهجُرُني قَومي عَفا اللَهُ عَنهُمُ     إِلى لُغَةٍ لَم تَتَّصِلِ بِرُواةِ
أَرى كُلَّ يَومٍ بِالجَرائِدِ مَزلَقاً     مِنَ القَبرِ يُدنيني بِغَيرِأَناةِ


د. ثمامة فيصل بن أبي المكارم

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية