|
|
|
|

خيانة اللغة
أ. محمد علي طه
تُزعجني الأخطاء اللغويّة التي تطلّ بوقاحة من سطور بعض الصّحف اليوميّة والأسبوعيّة، وتؤلمني عناوين الأخبار على شاشات الفضائيّات العربيّة ? بلا استثناء ? التي تزخر بالأخطاء النّحويّة والإملائيّة ممّا يدلّ على أنّ هذه الصّحافة وهذه الفضائيّات بلا مدقّق لغويّ ولا يراجع المحرّرون موادّها، وكأنّ الأخطاء النّحويّة والإملائيّة صارت ظاهرة لغويّة عصريّة انحطاطيّة، أو كأنّهم يقولون لنا بعيون بيضاء: لغتنا/لغتكم بلا قواعد وبلا نحو وبلا صرف وبلا إملاء صحيح. وهذا دليل على عدم احترام هذه الصّحف لقرّائها، وهذه الفضائيّات لمشاهديها، بل يشير إلى خدمة أجهزة الإعلام ? سواء كانت تدري أو لا تدري ? لأعداء لغتنا وقوميّتنا وصخرة وجودنا.
أنا واحد من جيل من الأدباء الذين أحبّوا اللغة العربيّة وأدركوا أنّ المحافظة عليها قضيّة قوميّة ووطنيّة وحرصوا على أن يكتبوا نصوصهم بلغة عربيّة سليمة، كما رأوا في اللغة هويّة شعبهم وجذور بقائه لا سيما أنّ المؤسّسة الإسرائيليّة خطّطت وعملت على تغييبها وإضعافها.
حينما كان الكاتب إميل حبيبي رئيساً لتحرير صحيفة "الاتّحاد" حرص على أن تصدر الجريدة ? مشروع حياته ? خالية من الأخطاء اللغويّة، وقد كلّفني لعدّة سنوات في أثناء عملي في الجريدة بأن أقدّم في مستهل اجتماع هيئة التّحرير اليوميّ عرضاً لما وجدته من أخطاء لغويّة قليلة في العدد السّابق، وكانت نظراته الحادّة تؤنّب المسؤولين عنها. وقرأتُ -فيما قرأته- أنّ عدداً من الكتّاب المصريّين البارزين في القرن الماضي كانوا يعرضون مؤلّفاتهم على لغويّين من الأزهر الشّريف لمراجعتها وتصحيح أخطائها، وهذا برهان على احترامهم للقارئ وإجلالهم للغة. وكانت الكتب المترجمة التي تصدر في العالم العربيّ تُراجعها لجان من الأدباء والمختصّين كما يُراجعها مدقّقون لغويّون محترفون، وما زالت دور النشر المحترمة والمعروفة تسير على هذا النّهج.
عندما أشتري كتاباً مترجماً عن إحدى اللغات أتأكّد في البداية من اسم المترجم ومن دار النّشر كي أقرأ ترجمة خالية من الأخطاء وبدون خيانة لغويّة أو أدبيّة إلا أنّ شهرة بعض الكتب ونجوميّة بعض المؤلفين تغريني أحياناً بل تخدعني وتضع غشاوة على عينيّ فأقع فيما أحاول أن أتجنّبه.
قرأتُ في هذا الأسبوع التّرجمة العربيّة للرّواية الجميلة "عدّاء الطّائرة الورقيّة" للكاتب الأفغانيّ خالد حسيني التي كتبها باللغة الانجليزيّة وهي رواية رائعة أثارت أصداء أدبيّة واسعة في العالم ووصفتها الكاتبة الرّوائيّة التّشيليّة الكبيرة إيزابيل ألليندي بأنّها رواية استثنائيّة. والرّواية ممتعة جدّاً ومشوّقة جدّاً إلا أنّ الأخطاء اللغويّة التي أحصيتها فيها تربو على ثلاثمائة خطأ وهذا يسيء كثيراً إلى الرّواية الصّادرة عن دار "دال للنّشر والتّوزيع" في دمشق في العام 2012 وترجمة منال فيّاض.
يبدو أنّ الفوضى في سوريّا التي عمّت الوطن من درعا إلى حلب وصلت إلى رواية خالد حسيني فعاثت بها فساداً يفوق ما فعله المحتلّون وطالبان في أفغانستان، ولو علم الكاتب بهذه الأخطاء التي نصبت المبتدأ والخبر وتجاهلت عمل النّواسخ، والتي كما قال الشّاعر إبراهيم طوقان "رفع المضاف إليه والمفعول"، لشكا المترجمة ودار النّشر إلى محكمة لاهاي!!.
الحياة الجديدة
|
|
|
|
|
|