|
|
|
|

عندما يتحدث الأستاذ
أ. رائد عابد
الأسبوع الماضي تشرفت بزيارة مدينتي الأقصر واسوان في مصر، حيث نظَّم الاتحاد المصري للثقافة الرياضية دورة تدريبية للمدربين المحليين في مدينة الأقصر وعلى هامش أعمال الدورة التدريبية تم تنظيم لقاء موسع في اليوم الافتتاحي مع الشاعر الكبير الأستاذ فاروق شوشه وهو الذي كان ذات يوم رئيسا للإذاعة المصرية في الزمن الجميل عندما كانت الأذن ترى وتسمع، وإلى جانبه كان عملاق آخر هو الأستاذ الكبير المعروف بالخال فهمي عمر وهو الذي تخرج على يده العديد من عمالقة الإعلام المصري وهو الذي كان ذات يوم ملك الإذاعة عندما كان يقدم برنامجه الشهير الذي يحلل المباريات بسرد جميل جعل الناس تنتظر البرنامج بكل شوق ولهفة.
يشعر المرء بأجواء الدراسة الجامعية عندما يستمع لمحاضرة قيمة للأستاذ الفاضل فاروق شوشه الذي تحدث بلغته العربية الفصحى عن التعليق الرياضي واصفًا المعلق بالموصف (أي وصف الصورة) مع ضرورة الالتزام بأبسط قواعد اللغة العربية أثناء التعليق، مؤكد أن هناك العديد من المصطلحات اللغوية الجديدة دخلت على اللغة العربية من باب التعليق الرياضي حيث يعتمد بعض المعلقين على الترجمة من اللغات الأخرى وخاصة الإنجليزية.
سيطر الأستاذ الكبير على القاعة التي اكتظت بالحاضرين واستمر في الحديث عن كيفية الاعتماد على الشكل واللهجة العامية التي للأسف الشديد أصبحت هي المنشرة بين الإعلاميين، وأكد خلال حديثه أن المدارس لم تعد تقوم بواجبها تجاه الطالب حيث اختفت حصص النشاط خارج الفصل ولم يعد هناك رياضة أو مسرح أو حتى رسم بالألوان. فكيف ننظر للمستقبل؟
عندما يتحدث الأستاذ يسيطر الصمت على القاعة ولو استمر لساعات، لأنه موسوعة أدبية ثقافية بديعة وما زال قادرا على العطاء والإبداع وتقديم الشعر الذي لم يبخل علينا بقصيدة من قصائده الرائعة.
قسم الأستاذ اللهجات العامية إلى ثالثة أقسام عامية المثقفين وعامية الشارع وعامية المتخصصين بمصطلحات لكل مهنة لا يعرفه إلا القليل من الناس. وضرب أمثلة على كل قسم والأمر واضح، فلا يمكن مخاطبة الفلاح البسيط بلغة عربية فصحى أو أن نستخدم معه مصطلحات أجنبية أو علمية متخصصة.
ما يحدث اليوم هو السعي وراء تأمين لقمة العيش بأي طريقة لأن الحياة تغيرت وأصبحت صعبة لذلك لم يعد للوزن الفني أي معيار أو تقدير لأن المجتمع لا يرحم، بعض الناس يهتم بمنظره الخارجي ونوع هاتفه أهم بكثير من الاهتمام بعمله وما سيقدمه للناس.
الشاعر الكبير تحدث عن أمور كثيرة تمس المهنة لكن أبرز ما استوقفني في حديثه هو عن المعلق الرياضي والكاتب الرياضي، لأنني لم أكن أتوقع منه الحديث بهذه الاحترافية العالية فكل ما أعرفه عنه أنه شاعر وهناك عدد كبير من المثقفين والشعراء يعتقدون أن الرياضة رجس من عمل الشيطان.
لكنه عكس الصورة تماما وأكد أنه محترف في عمله وعلمه، لأنه تحدث عن المعلق الرياضي وكأنه يتابع كل صغيرة وكبيرة حيث أشار إلى ما يحدث من صراخ ومحاولة القفز على الحواجز دون لياقة بدنية عالية مما يؤدي دائما إلى سقطات كارثية على الهواء.
هناك مجموعة من المعلقين احترفوا تذمير قواعد اللغة العربية ولم يعد بإمكان أحد أن يصنفهم فهم لا يتحدثون باللهجة العامية البسيطة ولا المتوسطة، وتجدهم يصرخون بكلمات عربية تؤكد أن لقمة العيش وضغوط الحياة أهم بكثير من جملة عربية صحيحة، يبقى على بعض القنوات أن تحذر المشاهدين من بعض المعلقين تماما مثلما يتم التحذير من أضرار التدخين لأن الاستماع للغة عربية ركيكة مهزوزة سيولد جيلا فاقدا لأبسط مقومات التذوق اللفظي، جيل يعتقد أن كل ما يسمعه من المعلق صحيح، كان الله في عون عشاق لغة الضاد..
الشبيبة
|
|
|
|
|
|