|
|
|
|
لبنان: فجوة خطيرة مع اللغات الأجنبية
فيرونيك أبو غزاله
كلّما طرحت معلّمة الصفوف الإبتدائية نور حسن سؤالاً على تلاميذها باللغة العربية، جاءها الجواب بالإنكليزية أو الفرنسية، مصحوباً بجملة «لا أعرف كيف أقولها بالعربي». أمرٌ أثار حفيظة المـــعلّمة بســـبب تـــكراره، وهي تشكو من عدم تعاطي الأهل بجدّية مع موضوع اللغة العربية، فتعـــليم اللـــغات الأجنبية بالنسبة اليهم واجب وضروري لكي يستطيع أطفالهم النجاح في حياتهم المهنية، أمّا العربية فيمكن الإستغناء عنها أو أقلّه استخدامها من دون اتقان قواعدها لأنّها ليست «لغة العصر».
ما لاحظته نور خلال تعليمها للطلاب في المرحلة الإبتدائية، بات ينطبق على المجتمع اللبناني ككلّ، فالمفاخرة بين اللبنانيين تكون بحسن استعمال اللغات الأجنبية وليس أبداً العربية ســـواء في العمل، التواصل اليومي أو حتّى الكتابة على مواقع التواصل الإجتماعي مثل موقعي «فايسبوك» و «تويتر» إضافة إلى وسائل الدردشة المـــباشـــرة. فإمّا يتمّ اللجوء إلى لغة أجنبية، أو اللغة العربية المكتوبة بالأحرف اللاتينية التي تطيح بالقــــواعد اللغـــوية والأســـس البديهية للكتابة بالعربيـــة. وحتّى في الجامعات، فإنّ الطلاب ينحون إلى اللغات الأجنبية في أبحاثهم، ويردّون ذلك إلى أنّ المراجع البحثية بمعظمها ليست عربية وبالتالي كيلا يقعوا في مشاكل الترجمة، ينقلون المعارف والمعلومات كما هي بلغتها الأصلية سواء كانت إنكليزية أو فرنسية.
خلل تربوي
أزمة اللغة العربية لم تعد خافية على أحد في لبنان، ومن كان لم يدرك أبعادها بعد تنبّه إلى ذلك في امتحانات الشهادة المتوسطة السنة الماضية، حيث رسب 41 ألف طالب من مجموع 61 ألفاً في امتحان اللغة العربية، أي أنّ نسبة النجاح كانت فقط 32.7 في المئة. وهذا ما حدث على رغم أنّ النصّ كان للأديب اللبناني مارون عبّود والأسئلة أتت بمستوى اعتيادي تماماً كما في السنوات السابقة. ومثل هذه النتائج أظهرت عمق المشكلة ومدى تراجع مستوى اللغة الأم لدى الطلاب اللبنانيين. لكن التساؤل الذي يبقى مطروحاً في هذا الإطار، هو حول مكمن الخلل الحقيقي. فهل المشكلة في المنهج التربوي؟ الإساتذة؟ الطلاب أنفسهم؟ أو أنّ البيئة التي يعيش فيها اللبنانيون من الفئات العمرية كلها تفرض عليهم الاهتمام باللغات الأجنبية على حساب لغتهم الأمّ؟
يرى أستاذ اللغة العربية والصحافي باتريك رزق الله، الذي أسّس موقعاً خاصاً لتعلّم اللغة العربية، أنّ هناك أسباباً عدّة تؤدي إلى تراجع التواصل باللغة العربية في شكل غير مسبوق في لبنان، ومنها الخلفية الطبقية عند بعض المواطنين ما يدفعهم إلى التكلّم باللغات الأجنبية باعتبارها تمنح الناطق بها تفوّقاً طبقياً أو تميّزاً داخل المجتمع. كما أنّ نظام العولمة، بوسائله التكنولوجية وخصوصاً مواقع التواصل الإجتماعي، يفرض اللغة الإنكليزية كلغة أساسية للتواصل باعتبارها لغة عالمية يسهل استخدامها، في حين يجد المستخدمون صعوبة في التواصل باللغة العربية الفصحى. ويضيف أنّ اللبنانيين يقبلون على تطوير أدائهم باللغات الأجنبية وخصوصاً الإنكليزية باعتبارها لغة سوق العمل.
أمّا من الناحية التربوية، فيؤكد رزق الله أنّ بعض المدارس تهمل إيلاء اللغة العربية الإهتمام اللازم في عملية التربية والتعليم ويركّز على تعليم اللغات الأجنبية. هذا إضافة إلى إهمال تطوير طرائق تعليم مادة اللغة العربية والمواد الإجتماعية كالتاريخ والفلسفة والجغرافيا، وإهمال تطوير المضمون أيضاً. وتؤدي هذه العوامل إلى مخاطبة المتعلّمين بنصوص لا تحاكي تطلّعاتهم الإجتماعية.
وبالتالي، يعتبر رزق الله أنّ الحاجة ماسة لتحديث اللغة العربية بأساليبها ومضمونها التعليمي لتستعيد مكانتها في التواصل عند المتــعلّمين. ويجب أن يشمل هذا التحديث قواعد الصرف والنحو، المفردات، النصوص وأساليب التعبير. كما يجب توظيف وسائل التكنولوجيا السمعية والبصرية في تعليم المادة، مع الحرص على تنظيم ندوات وورش عمل تدريبية واسعة النطاق للنهوض بالواقع التعليمي.
الحياة
|
|
|
|
|
|