|
|
|
|

إعادة الاعتبار للغة العربية
أ. رشيد حسن
أصابت تداعيات الانكسار العربي اللغة العربية في الصميم ، فهي الاكثر تضررا جراء هذا الانكسار .. بهزائمه المتلاحقة ، والتي لن تقف عند حدود معينه ، حتى يستعيد الانسان العربي حقه في الحرية .. وحقه في التغيير والاختيار.. وحقه في الديمقراطية وتداول السلطة والعيش بكرامة...وهذا ما شعر به ابناء الامة من المحيط الى الخليج خاصة الغيورين منهم على هذه اللغة ، بصفتها تمثل روح الأمة وهويتها، وشخصيتها وحضارتها ، وتمثل قبل ذلك وبعده كبريائها.
ان خطورة تراجع الاهتمام بهذه اللغة انه يتم على أيدي ابنائها ، الذين سقطوا في حفرة التغريب السحيقة، فعمدوا الى تهميشها ، وضرب قدسيتها، فأصبحت خليطا من العربية والانجليزية ، او من العربية والفرنسية ، كما تجسده “المسجات “ المتبادلة بين الشباب ، واسماء الشوارع والشركات والمحلات التجارية والفنادق ..الخ، والتي تكشف عمق حالة الانكسار ، وعمق الهزيمة التي تضرب الأمة.. كما يجسد التنكر لهذه اللغة ، وكأنها السبب في حدوث هذه الهزائم ، والسبب في التخلف الذي يحاصرها ، وما دروا ان هذه اللغة المقدسة هي لغة القرآن العظيم ،ورسالة الاسلام الذي وحّدَ الأمة بعد ان كانت قبائل متناحرة متقاتلة ، وهي لغة الفصاحة والاعجاز ، والمعجزة التي تحدى بها رب العزة اهل الفصاحة ان يؤتوا بمثل هذا القرآن الكريم.
هذه اللغة التي يتنكر لها ابناؤها ليست هي السبب في تخلفهم –كما يدّعون- بدليل انها استطاعت أن تستوعب حضارات الامم السابقة .. حضارات الهند والصين وفارس واليونان والرومان. وان تصهرها ومخرجاتها خاصة الفكرية والفلسفية ، في بوتقة الاسلام العظيم ، لتخرج حضارة شامخة ، تنير الارض كلها بنورالتوحيد والعدالة والمساواة، وتؤتي كلها في انجاب مفكربين وفلاسفة وعلماء واطباء ومؤرخين وشعراء من امثال: ابن سينا والفارابي والكندي وابن خلدون وابن رشد وابي العلاء المعري ..اسهموا في اخراج اوروبا والعالم باسره من ظلمات الجهل والتخلف الى نور المعرفة والتفدم ، فأصبحت جامعات قرطبة وغرناطة والقيروان وبغداد .. الخ ، منارات للعالم كله ، ينهل من ينابيعها ما يعيد له انسانيته المهدورة، ويخرجه من دياجير الجهل التي تسحقه ،ومن ليل العبودية الذي ران عليه عصورا طويلة.
ان الحرب الشرسة التي تشن على العربية بأيدي ابنائها ، تؤكد حتما ان هؤلاء الابناء ليسوا واعين تماما لما يفعلون، ولما يقترفون .. وهم يسهمون في ضياع هويتهم وشخصيتهم التي تجسدها لغتهم .
ومن هنا ندين بأقسى العبارات الحكومات العربية على امتداد سنوات طويلة من الماء الى الماء ،لأنها لم تقم باتخاذ الإجراءات الفاعلة لحماية هذه اللغة ، والحفاظ على قدسيتها، ومحاسبة كل من يسيء اليها، ويعتدي عليها ، لأنه في الحقيقة يسيء للأمة و لهويتها ويشوه شخصيتها المتميزة ...
وهذا يستدعي منهم الآن قبل الغد اعادة الاعتبار لها، بدءا من اعادة النظر في المناهج المدرسية والجامعية ووسائل الاتصال والإعلام ، وتشريع قوانين تمنع تسمية الشوارع والمحلات التجارية والشركات باسماء اجنبية .. الخ وفي هذا الصدد نذكر بما فعله العدو الصهيوني حينما أصر على احياء لغته الميتة، وفرضها حتى اليهود في( الجيتوات) والمهاجر ،واعتبرها مكونا رئيسا من مكونات سيادته وهويته وشخصيته.
ونذكر ايضا بالاعتزاز الفرنسي باللغة الفرنسية لدرجة ان المواطنين الفرنسيين يرفضون التحدث بالانجليزية رغم اتقانها ،ما يؤكد حرصهم الشديد على شخصيتهم وهويتهم الفرنسية واعتزازهم بها.
باختصار......تتعرض اللغة العربية لمخاطر شديدة تشي بتراجعها الى اللغة الثانية في الاقطار العربية ، ما يفرض على كافة الدول العربية اعادة الاعتبار لها ، فهي لغة القرآن الكريم ، وتجسّد روح الامة ، وتعكس شخصيتها ، ومكون رئيس من مكونات تاريخها وحضارتها استقلالها، واي مساس بها هو تشويه لروح الأمة وشخصيتها المتميزة .
الدستور
|
|
|
|
|
|