|
|
|
|

العامية والفصيحة
أ. إسلام أبوشكير
من الكتب التي أثارت ضجة كبيرة حين صدورها، كتاب (لتحيا اللغة العربية .. يسقط سيبويه) لشريف الشوباشي، الذي صدر عام 2004، وعرض فيه المؤلف تصوراته الخاصة لإنقاذ اللغة العربية، وهي تصورات اتهمت حينها بأن من شأنها أن تفاقم من أزمة اللغة، عوضاً عن حلها. وبغض النظر عن ذلك، فإن فكرة الكتاب تولدت كما جاء في المقدمة نتيجة خطوة أقدمت عليها إحدى المجلات العلمية الألمانية عندما صنفت اللغة العربية ضمن قائمة اللغات المنقرضة، باعتبار أن أحداً لا يتكلم بها الآن، وأن الدارج أو المستعمل هو اللهجات المحلية أو ما يسمى (العاميات).
من المؤكد أن موقف المجلة الألمانية لم يكن دقيقاً لاعتبارات كثيرة، منها أن العربية الفصيحة ليست مهجورة تماماً، فهي لا تزال اللغة الأولى في الكتابة ومن غير منازع، كما أنها لغة الإعلام في معظم وسائله المرئية والمسموعة والمقروءة. فالفصيحة لغة الفكر والثقافة والتعليم والأدب والإعلام والتواصل الرسمي بين مختلف الشعوب العربية، في حين أن العاميات لم ترتق إلى ذلك، وما زالت لغة التواصل اليومي فقط.
لا يعني ذلك الغض من إمكانات العاميات، ولا من طاقاتها الجمالية والتعبيرية، ولا من درجة التصاقها بالوجدان، وقدرتها على تجسيد الإحساس في كثير من البساطة والتلقائية، لكن الاعتراف بها على أنها (لغات) قائمة بذاتها يفتقر إلى الإنصاف إذا ما قيس تاريخ هذه العاميات بتاريخ الفصيحة، وإذا ما قيست قدرتها على الاستجابة لمقتضيات العصر وما يشهده من تطورات بقدرة الفصيحة.
الأمر المهم هنا هو الإشارة إلى الدعوات التي انطلقت للتقريب بين الفصيحة والعامية، للوصول إلى نقطة وسطى تلتقي فيها إمكانات كل من (اللغتين)، وهي دعوات مشروعة ومنطقية، إلا أن السائد فيها الميل إلى الاستعلاء تجاه العاميات، فيبدو الأمر كما لو أن على العاميات أن ترتقي إلى مستوى الفصيحة، دون أن تلزم الفصيحة نفسها بوجوب التنازل قليلاً، والعمل على تمثل طاقات العاميات وإمكاناتها والاستفادة منها.
قضية على قدر كبير من الأهمية. فللعاميات نفوذها الكبير، ومن الضروري دراستها، والبحث في نقاط قوتها، ومحاولة التقرب إليها في هذا السياق، فحيوية العامية جانب لا يجوز إهماله، بل لا بد من تقبله، والبحث في أسراره وعوامله، ومحاولة نقله إلى الفصيحة لإحيائها، ونقلها من حالة اللغة الخاصة بالاستعمال الرسمي إلى حالة اللغة المرنة المقبولة في الحياة اليومية.
مناسبة الكلام لها صلة باليوم العالمي للغة العربية، كما أن لها صلة برحيل واحد من أشهر وأهم شعراء العاميات العرب، أحمد فؤاد نجم، الذي ترك وراءه تراثاً مبدعاً يوازي أجمل ما تركه شعراء الفصيحة، ما يؤكد وجهة نظرنا حول ضرورة الالتفات إلى العامية بصفتها لغة ذات طاقات وإمكانات تستحق الدراسة، لمصلحة الفصيحة على الأقل.
الرؤية
|
|
|
|
|
|