|

دور التلفاز في نشر العربية الفصحى
أ. علي عبيد
خلق الله البشر وكان لابد من وسائل للتواصل وتبادل الافكار فيما بينهم فكانت هناك اكثر من وسيلة لاتمام هذه العملية كي يتمكن الانسان من التعامل مع المحيط الذي يعيش فيه ويستطيع اكتساب الخبرة والمعرفة ممن تعج بهم الحياة من حوله او من مضوا من اسلافه. وكان الكلام اكثر هذه الوسائل فاعلية واقواها طريقة للتواصل . والكلام مجموعة اصوات قد تصدر عن الحيوان بشكل غير منظم فلا يكون لها معنى, ولذلك فقد تميز الجنس البشري بأن نظم هذه الاصوات فنشأت اللغة التي نكاد لا نعلم عن اصل نشأتها شيئاً, غير ان العلماء يعتقدون ان الناس ظلوا يستخدمونها منذ امد بعيد واذا قورن تاريخ الكتابة الذي لا يجاوز ستة آلاف وخمسمائة سنة عد ضئيلاً بالنسبة لنشأة اللغة. واللغة كائن حي اما ان ينمو ويتطور واما ان يدب اليه الضعف والوهن فيكون مآله الى الاندثار. وتشير بعض الابحاث التي قام بها اللغويون الى انه كانت هناك خمسة عشر الف لغة مستخدمة في العالم لم يعد مؤهلاً منها للاستخدام الآن سوى خمسمائة لغة يدرج اللغويون منها ثلاثمائة في دائرة الخطر ويتوقعون ان تستخدم البشرية مع مطلع القرن الثاني والعشرين اثنتي عشرة لغة فقط. ولعل هؤلاء العلماء اكثر تفاؤلا من الكاتب الاسباني كاميلو جوزي سيلا ـ الحاصل على جائزة نوبل في الادب لعام 1989 ـ الذي ضيق الدائرة كثيراً وارتأى ان الثورة الاتصالية وانفجار ادوات التواصل التي اختزلت بعد الزمان والغت بعد المكان, وتجاوزت ـ بواسطة الصورة ـ حواجز ادوات التعبير, ستؤدي تدريجيا الى انسحاب اغلب اللغات من ساحة التعامل البشرية الا اربعاً قادرة على الحضور العالمي وعلى التداول الانساني, وهي الانجليزية والاسبانية والعربية والصينية. ويستند رأي كاميلو ذو المنحى الاستشرافي الذي يتوسل بالاستقراءات المستقبلية في مجال اللغويات الذي هو من اكثر الحقول استعصاء على التكهن ـ الى ما يبديه بعض الدارسين من استشعار بأن جل الالسنة البشرية قد تختفي قبل نهاية القرن الواحد والعشرين لينفرد عدد محدود منها بالبقاء والتداول. لقد تنبهت امم عدة الى اهمية اللغة ودورها في الحفاظ على كيان الامة فبذلت جهوداً حثيثة من اجل المحافظة على لغاتها وخاضت معارك لاحاطة شعوبها بسياج يمنع تسلل اللغات الاخرى اليها ومسح هويتها, ولنا في الفرنسيين والالمان والروس والكوريين والصينيين واليابانيين واليهود وما فعلوه للحفاظ على لغاتهم او بعثها من جديد مثل ودليل على ذلك. اللغة العربية... اشهر اللغات السامية... كانت قبل البعثة النبوية محصورة في شبه الجزيرة العربية, فلما اعزها الله بالاسلام وجعلها لغة القرآن الكريم والرسالة المحمدية السامية تجاوزت حدودها وانتشرت فيما بين اواسط الهند وجبل طارق وما بين البحر الاسود وبحر العرب, تشهد بذلك حروفها والفاظها المستعملة في لغات الترك والفرس والهنود والاسبان وغيرهم. واذا كان علماء المقارنة بين اللغات يردون تاريخ اللغة العربية المعروفة بخصائصها المميزة لها اليوم الى عصر سابق للدعوة الاسلامية يحددونه بالقرن الرابع قبل الهجرة فقد ظلت هذه اللغة الى زمن الفتح الاسلامي محافظة على كيانها (غضة الشباب... سليمة الاهاب... بضة رخصة لم يعتورها تشويه... ولم يشبها تحريف... ولم يسمع ان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو إمام اللغة انكر على احد من العرب شيئاً في منطقه, أو عاب عليه اعوجاجاً في مقوله إلا القليل. ومنه ما كان من ذلك الاعرابي الذي اخطأ الكلام بحضرته فقال لاصحابه: ارشدوا اخاكم فقد ضل) . وقد ظهر اللحن في اللغة بعد ان فتحت فارس والشام, ولكن العرب كانوا يستهجنونه فقد روي ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بقوم يرمون فاستقبح رميهم, فقال: ما أسوأ رميكم, فقالوا: نحن قوم (متعلمين) فقال عمر: للحنكم اشد عليّ من فساد رميكم. وهذا انما حصل من الموالي والمتعربين لصعوبة تمييزهم احوال المثنى والجمع في النطق كما يصعب ذلك على كثير منا الآن. ولذلك فان اللحن هو اول داء اصاب اللغة العربية وقد اسعفها الاوائل بخير دواء الا وهو علم النحو ذلك ان الفساد قد استطرق اولاً الى الاعراب قبل ان يستطرق الى اوضاع اللغة لان حركات الاعراب متغيرة من الرفع الى النصب الى الجر الى الجزم فكان يعسر على من ليس بعربي صميم تمييز مواضعها بخلاف مادة اللغة فان اوضاعها لم تزل باقية في موضوعاتها في ذلك الوقت الذي لم يكثر فيه الدخيل حتى يشتبه بالالفاظ العربية وكانت العرب تراقب من يحرف الكلم عن مواضعه وتسلقه بألسنة حداد. يقول ابن حزم في كتاب الاحكام: (ان اللغة يسقط اكثرها ويبطل بسقوط دولة اهلها ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم, او تنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم, فانما يفيد لغة الامة وعلومها واخبارها قوة دولتها ونشاط اهلها وفراغهم, واما من تلفت دولتهم وغلب عدوهم واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة اعدائهم فمضمون منهم موت الخاطر, وربما كان ذلك سبباً في ذهاب لغتهم ونسيان انسابهم واخبارهم, وذهاب علومهم, هذا موجود بالمشاهدة ومعلوم بالعقل والضرورة) . ويستدل البعض على صحة هذا الرأي بما حصل لبلاد الاندلس اذ يقولون ان من اسباب سقوطها ونزع أيدي المسلمين من ولايتها ضعف اللغة العربية عندهم ومسخ صورتها بما خالطها من الكلمات والاساليب التي لا تطابق وضعها ولا تحتملها طبيعتها, فكان من اسباب هوانها وسقوطها هوان اللغة العربية وضعفها. ومع ذلك فقد استطاعت اللغة العربية ـ مسجلة ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ البشرية ـ ان تحافظ على منظومتها الصوتية والصرفية والنحوية لمدة تصل الى حوالي سبعة عشر قرناً مطوعة إياها لمواكبة التطور الحتمي في الدلالات, في الوقت الذي يقول فيه علم اللسانيات ان الاربعة قرون هي الحد الاقصى الذي يبدأ بعده التغير التدريجي لمكونات المنظومة اللغوية. اللغة العربية في وسائل الاعلام بعد هذه المقدمة الضرورية عن نشأة اللغة وتطورها وموقع اللغة العربية من اللغات الاخرى لابد من المرور على دور اجهزة الاعلام ـ حسب تسلسل دخولها عالمنا العربي ـ في التأثير على اللغة العربية إيجاباً او سلبا حتى نصل الى دور التلفاز الذي هو موضع اهتمامنا. ونبدأ بالصحافة التي ساهمت في النهوض باللغة في أواخر القرن الماضي عن طريق إتاحة الفرصة للاتصال بها واخراجها من الدائرة الضيقة للعلماء والخطباء الى دائرة القراء الاوسع, فبعد ان كان الاتصال باللغة محصوراً في الكتب التي يغلب عليها الطابع الادبي والاسلوب الذي تغلب عليه المحسنات الشكلية المستهلكة والمفردات الصعبة استطاعت الصحافة ان تطور لغة سهلة مبينة عصرية خلّصت العربية مما ألصق بها من تعقيد وتقعر وخلقت لغة وسطى بين العامية والفصحى. وقد ساهم قيام الصحافة بنشر نتاج كبار الادباء والشعراء في الارتقاء بالذوق اللغوي العام اذ كانت قصائد شوقي وغيره من شعراء تلك الفترة تنشر في الصفحة الاولى فيتلقفها القراء في لهفة وشوق لتصبح جزءاً من حياتهم واحاديثهم في البيوت والمدارس والجامعات والمنتديات. وقد تطورت لغة الصحافة مع تطور المجتمع واستطاعت ان تواكب المتغيرات دون المساس بالقواعد العامة للغة ومكوناتها الاساسية. اما الاذاعة فقد كانت بداياتها في العالم العربي بدائية ساذجة غلب عليها طابع الهواية, ولذلك فقد استخدمت في البداية اللهجة العامية مع شيء من الاسفاف, ودخلت في مهاترات نسوق هنا احد الامثلة لها على سبيل الطرافة. فقد حدث في مصر مرة ان انتقدت مجلة (روزاليوسف) الشيخ (محمود صبح) اشهر من يعزف على العود في ذلك الوقت, فلم يجد الشيخ صبح وسيلة للرد على هذا النقد خيراً من الاذاعة التي كان يعزف فيها, فبعد انتهائه من عزفه المنفرد على العود عقب قائلاً : (سامعة ياست روزا ولافيش كده أبداً... اللحن ده يطلع من ايدك يا ست روزا؟... يا وليه افهمي بأه دانا الشيخ صبح!) غير ان هذه الصورة قد تغيرت تماماً عندما قرر مجلس الوزراء الغاء هذه المحطات الاهلية عام 1932 وتوقفت نهائياً عند بدء تشغيل محطة الاذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية من قبل شركة ماركوني البريطانية. ثم تطورت الاذاعة بعد ذلك خاصة بعد قيام ثورة 1952 لتدخل مرحلة جديدة اتسمت بالتطور والتقدم لتلعب الاذاعة بعد ذلك دوراً عظيماً وتقفز باللغة قفزة هائلة بعثت فيها حياة جديدة حيث اوصلتها الى جماهير الشعب بمستوياته المختلفة فاصبح لها جمهورها من المتعلمين والاميين وغدت ترافق الفلاح في حقله والعامل في مصنعه... وقد ساهم الفن الاذاعي في اظهار جمال اللغة وفتونها بالنطق والاخراج الاذاعي. وكان لاستقطاب الاذاعة لكبار المتحدثين من الادباء والشعراء دور في الارتقاء بالتذوق الفني لجماليات اللغة لدى المستمعين, اضافة الى اختيار الاذاعة لاجمل الاصوات المعبرة ذات الاداء اللغوي السليم, كما ارتقت الاذاعة في عهدها الذهبي بالغناء عن طريق اختيار المغنين للنصوص الشعرية ذات المستوى اللغوي الراقي. غير ان هذا الدور بدأ في التراجع خلال السنوات الاخيرة خاصة بعد انتشار اذاعات الـ (اف. ام) حيث عادت العامية واللهجات المحلية لتطغى على اداء المذيعين. دور التلفاز في نشر العربية الفصحى احدث دخول التلفاز الى عالمنا العربي نقلة كبيرة في طريقة استخدام اللغة ومفرداتها, فبعد ان كانت الاذاعة تعتمد على الخيال في نقل المعنى الذي تريد ايصاله لمتلقي الرسالة الاعلامية لاعتمادها على مخاطبة حاسة واحدة لديه هي السمع جاءت الصورة لتضيف بعداً جديداً للكلمة المنطوقة, فلو جاء في حوار في الاذاعة مثلاً عبارة (انظر الى العين التي هناك) لاحتاج الامر ان يفسر المتحدث ما يقصد بكلمة (عين) التي استخدمها هنا كأن يقول (عين الماء) ان كان يقصد ذلك او يقول (العين التي تراقبنا) ان كان يقصد عيناً بشرية, بينما هو في غنى في التلفاز عن ذلك فالصورة تشرح المعنى المقصود, وبذلك ساعد التلفاز على الايجاز الذي هو أس البلاغة. ولان دخول التلفاز في العالم العربي كان لاحقاً لدخول الاذاعة ومتأخراً عنها فقد استقطب في بداياته كثيراً من عناصر الاذاعة, وكانت الاذاعة في ذلك الوقت تضم عدداً من المذيعين الاكفاء ساهموا في نقل جمال اللغة وفتونها ـ اللذين تحدثنا عنهما عندما مررنا بدور الاذاعة في نشر اللغة العربية ـ الى المشاهد. وكان حرص التلفزيون على استخدام اللغة الفصحى في برامجه عاملا مهما في نشرها وجعلها مألوفة لدى المشاهد تتسلل الى عقله ووجدانه بيسر وسهولة دون ان يخامره احساس بأن هذه اللغة ليست هي لغة التخاطب التي يتعامل بها في حياته اليومية, ولذلك فان الاذاعة والتلفاز معاً حينما فكرا في انتاج اعمال درامية كالتمثيليات والمسلسلات والافلام التلفزيونية لم يجدا مفراً من استخدام اللهجة العامية فيها, خاصة الاجتماعية منها, إذ لا يعقل ان يدور حوار في البيت بين الرجل وزوجته وابنائه بلغة غير تلك المستخدمة فعلاً في واقع الحياة اليومية, ومع ذلك فقد بذل كتاب الدراما العرب جهداً كبيراً في استخدام لهجة حوار راقية بعيدة عن الاسفاف والغريب والمستهجن من الالفاظ وحرصوا على الابتعاد عن لغة السوقة والطبقات الدنيا من فئات المجتمع, غير ان هناك اعمالاً كثيرة فرضت طبيعتها على الكتاب استخدام اللغة العربية الفصحى, فحينما قدمت الاذاعة والتلفاز اعمالاً تاريخية لابراز البطولات الاسلامية والقيم العربية الاصيلة كان لابد ان تكون لغة الحوار فيها هي العربية الفصحى, وذلك من باب المطابقة للواقع ايضاً, وقد ساهم ذلك بشكل كبير في جعل العربية الفصحى مألوفة لدى جمهور المشاهدين تطرق آذانهم بيسر وسهولة فلا يجدون صعوبة في فهم معانيها ولا غرابة في التخاطب بها. ورغم هذا الدور المشكور الذي لعبه التلفاز في نشر العربية الفصحى وتقريبها الى أذن المشاهد العربي إلا ان الخلل قد جاء من خلال منافذ اربعة ارتبها هنا حسب اهميتها من وجهة نظري: اولاً: برامج الاطفال لاشك ان الطفل هو اول من يتأثر بما يسمع ويشاهد وهو اكثر من يتأثر بذلك ايضا. وقد كان بامكان التلفاز ان يلعب دوراً كبيراً في تقويم لسان الطفل العربي من خلال الحرص على استخدام الفصحى في جميع البرامج الخاصة بالطفل, غير ان ذلك لم يحدث ـ مع الاسف ـ في اغلب الدول العربية ان لم يكن فيها جميعاً. وقد ادى استخدام مقدمي ومقدمات برامج الاطفال للهجة العامية في هذه البرامج الى تكريسها ولم يساعد على تعويد الطفل استخدام الفصحى في هذه السن المبكرة وهو لا يزال غضاً وارضاً خصبة تتقبل ما يزرع فيها. وقد تنبه المسئولون عن اجهزة التلفاز في منطقة الخليج الى ذلك في اواخر السبيعنيات واوائل الثمانينيات, وكانت تقوم على انتاج برامج الاطفال خلال هذه الفترة (مؤسسة الانتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربي) التي تحولت بعد ذلك الى (مؤسسة الانتاج البرامجي المشترك لدول مجلس التعاون) . وفي بادرة مشكورة ولفتة محمودة للدول الاعضاء في هذه المؤسسة كان هناك قرار بعدم انتاج اي برامج خاصة بالاطفال باللهجات العامية, واعتماد اللغة العربية الفصحى المبسطة في جميع برامج الاطفال. ولذلك فقد شهدت تلك الفترة انتاج اهم برنامج تلفزيوني في نظري ساهم في نشر اللغة العربية الفصحى وتحبيبها للصغار والكبار وجعلها مألوفة تجري على السنة الجميع وهو برنامج (افتح يا سمسم) الذي انتجت المؤسسة منه عدة اجزاء موجهة لمختلف الاعمار بدءا من سن الثالثة وتدرجاً الى الاعلى حسب المراحل الدراسية التي يمر بها الطفل. وقد لقي هذا البرنامج قبولاً منقطع النظير لدى الاطفال عكس ما كان يتوقعه البعض لاعتماده الفصحى لغة للحوار والتخاطب, حتى غدت شخصياته مألوفة ومحببة للاطفال, واصبح الكثير من مشاهديه يقلدون هذه الشخصيات ويستخدمون مفردات واسلوب حوارها في حياتهم اليومية وساعات لعبهم, والاكثر من ذلك ان هذا البرنامج قد لعب دورا تعليميا جعل الاطفال يحفظون الارقام والحروف قبل دخول المدرسة, الامر الذي سهل على المدرسين ويسر لهم مهمتهم فلم يعودوا في حاجة الى البدء معهم من نقطة الصفر اذ كان الطالب يدخل المدرسة وهو حافظ لكثير من الحروف والارقام سهل التعامل. كما ساهم هذا البرنامج ايضا في قيام الاطفال احيانا بادارة الحوار مع ابائهم وامهاتهم بلغة البرنامج الفصحى من باب التقليد, وهو تقليد محبب له نتائجه الايجابية على لسان الطفل وطريقة تفكيره. وقد اتبعت المؤسسة هذا البرنامج ببرنامج اخر هو (افتح يا وطني أبوابك) حقق هو الاخر نجاحا لكنه لم يكن بمستوى نجاح برنامج (افتح يا سمسم) لتغير الظروف داخل المؤسسة والمحيط التلفزيوني بعد انتشار الفضائيات ودخول عوامل جديدة كان من المفروض التنبه لها لتغيير المنهج والاسلوب حتى يكون مواكبا للمستجدات آخذا لها بعين الاعتبار. كما كان من القرارات المهمة التي ساعدت على نشر الفصحى وجعلها مألوفة لدى الاطفال عدم استخدام العامية اطلاقا في جميع افلام الكرتون التي قامت المؤسسة بشراء حقوقها وجعلها ناطقة باللغة العربية, وهو ما حدا بالكثير من الاطفال الى ادارة الحوار بينهم أثناء اللعب باللغة نفسها تقليدا لما يشاهدونه في هذه الافلام لما هو معروف عن حب الاطفال لتقليد شخصيات ما يشاهدون من ابطال الرسوم المتحركة. وانسجاما مع هذه السياسة فقد اتخذ تلفزيون الامارات العربية المتحدة من أبوظبي خلال تلك الفترة وهي منتصف السبعينيات قراراً بعدم عرض اي برنامج خاص بالاطفال ما لم يكن ناطقا بالفصحى ورفض كل ما هو ناطق باللهجات العامية, كما قام خلال أعوام الثمانينيات بانتاج عدد من مسلسلات الاطفال كانت لغتها هي العربية الفصحى المبسطة المفهومة للطفل. ولم يلق ذلك نفورا من قبل الاطفال بل كان متسقا مع ما يشاهدون من برامج مستوردة لم تخرج عن هذا السياق. غير ان ما يؤسف له أن نشاهد حاليا بعد انتشار الفضائيات تراجعاً كبيرا عن هذه السياسة في معظم التلفزيونات العربية التي عادت برامج الاطفال فيها تنطق باللهجات العامية المحلية وتطعيم لغة الحوار بمفردات اجنبية انجليزية او فرنسية. وهي انتكاسة بدأنا نلحظ آثارها على ألسنة النشء الجديد تساندها عوامل اخرى تتعلق بمناهج التعليم والمدارس الاجنبية الخاصة والمربيات الاجنبيات, ويمثل التلفاز واحدا من العوامل التي تضعف من جريان اللغة العربية الفصحى على ألسنة اطفالنا الذين يشكلون جيل الغد, الامر الذي يجعلنا نستشعر الخطر القادم ونعمل على تفادي مسبباته, ونأمل ان يتنبه القائمون على أجهزة الاعلام ـ وعلى رأسها التلفاز ـ إلى ذلك ويقوموا بدورهم في حماية النشء من الوهن الذي اخذ يتسلل الى لغتهم ويخالط السنتهم العربية. ثانياً: البرامج الحوارية وبرامج البث المباشر تعتبر البرامج الحوارية الاختبار الحقيقي لقدرة المذيع وموهبته وثقافته اللغوية والعامة, حيث يفترض فيمن يتصدى لتقديمها وادارة الحوار فيها شروط من أهمها إجادة اللغة العربية الفصحى وعدم اللحن فيها, وقد كانت هذه سمة الجيل الاول من المذيعين الاذاعيين والتلفزيونيين, الا أن ذلك الجيل لم يخلفه ـ مع الأسف ـ جيل على الدرجة نفسها من المقدرة والكفاءة ـ إلاّ فيما ندر ـ ولذلك عمد مذيعو هذه النوعية من البرامج الى ادارة حواراتهم باللهجات العامية تفاديا للوقوع في أخطاء لغوية تكشف ضعفهم وحصيلتهم اللغوية الفقيرة, علماً بأن هذه النوعية من البرامج أفضل مجال لتعويد المشاهدين على استخدام الفصحى في حواراتهم وحياتهم اليومية وجعلها قريبة من اسماعهم سلسة على ألسنتهم. اما برامج البث المباشر فهي واحدة من أكثر منافذ الخلل لاعتمادها على الارتجال مما قد يوقع مقدميها في مطبات الاستخدام الخاطئ للغة ومفرداتها فيكون المهرب من ذلك هو استخدام اللهجات العامية التي تجنبهم الحرج وتبعد عنهم تهمة الاساءة للغة وتشويهها, فاذا ما اضفنا الى ذلك دخول المشاهدين طرفا في الحوار وهم غير مهيئين للحديث كانت امكانية الوقوع في الاخطاء اللغوية اكثر وكانت مهمة التصويب أصعب. ثالثا: الأغاني يؤكد العالم الالماني اتوجروت Otto Groth ان الاعلام هو التعبير الموضوعي لعقلية الجماهير وروحها وميولها واتجاهاتها, وهو يعتبر ان الاغاني والموسيقى خير تعبير عن روح الامة. وهذه الحقيقة التي يتفق عليها الكثير من علماء الاعلام ويؤكدونها ملموسة في حياتنا اليومية ومشاهداتنا, لا تحتاج الى دليل او برهان. ولقد كانت لغة الاغنية ومعانيها وقيمها في بدايات هذا القرن والى وقت قريب مختلفة تماما عمّا نسمعه ونشاهده في عصرنا الحاضر. ولعل خطورة الاغنية تأتي من كونها قابلة للتكرار مرات عديدة حتى ترسخ في وجدان المستمع والمشاهد وتتسلل الى روحه فتصبح كلماتها جزءا من مفردات حديثة ومعانيها جزءا من تكوينه النفسي والعاطفي. كانت الاغاني الى منتصف ستينيات هذا القرن تقريبا تنتقي كلماتها من شعر فحول الشعراء السابقين والمعاصرين لتلك الفترة حتى رأينا قصائد ابي فراس الحمداني وابن زيدون وأحمد شوقي وابراهيم ناجي وغيرهم تتغنى بها قمم الغناء من أمثال ام كلثوم ومحمد عبدالوهاب وغيرهم من نجوم تلك المرحلة, وكان يطرب لهذه الاغاني جميع فئات المستمعين متعلمين وغير متعلمين مثقفين ومحدودي الثقافة عمالا وفلاحين وأساتذة جامعة من مختلف الطبقات, بل كان من لا تساعده ثقافته على فهم معاني كلماتها يسعى الى معرفتها ممن هو اعلى ثقافة منه. اما اليوم فاننا نعيش مرحلة الغناء فيها أشبه ما يكون بتشنجات تصدر عن أناس يعانون من أزمات وأمراض نفسية وتخلف عقلي, الكلمات فيها مسفّة تخاطب الغرائز في ابتذال, وتفتقر إلى المعاني السامية التي كانت تحملها كلمات اغنيات الستينيات وما قبلها حتى اصبحت اكثر الاغنيات رواجا وتداولا على ألسنة العامة هي تلك التي تعتمد على كلمات غريبة لا اصل لها في اللغة ولا معنى مثل: (السح الدح امبوه) و(كركشنجي دبح كبشه) و(ايه الاسيتوك ده) و(كمننا) و(كجولوه) و(يا ططا يا ننا) والامثلة كثيرة لا يتسع المجال لذكرها. اما التلفاز فقد جاء ليقدمها لجمهور المشاهدين بواسطة (الفيديو كليب) باخراج وتصوير يعتمد على مجاميع الراقصات من مختلف الجنسيات يتلوين في حركات مثيرة للغرائز لا علاقة لها غالبا بكلمات الاغنية ومعانيها, حتى رأينا احد مطربي هذه الموجة يصور اغنية من هذه الاغاني في احدى دول جنوب شرق آسيا بفتيات غريبات الشكل واضح انه قد تم اختيارهن من الاندية الليلية والاماكن المشبوهة التي يفترض ان نحذر الشباب ونمنعهم من ارتيادها. كما يعتمد بعض مخرجي (الفيديو كليب) على القطع السريع الهستيري والمزج بين مناظر ولقطات لا رابط بينها ولا علاقة لها ايضا بموضوع الاغنية. وهكذا ساهم التلفاز عن طريق ترويج هذه النوعية من الاغنيات التي اصبحت هي السمة الغالبة في برامج المنوعات في انحدار اللغة واضعافها, فاذا ما اضفنا الى ذلك اسلوب مذيعي ومذيعات برامج المنوعات التي تعرض هذه الاغاني واعتمادهم التام على العامية مع تطعيمها بالمفردات الاجنبية ثم تأثر فئة الشباب خصوصا وتقليدهم لهؤلاء المذيعين والمذيعات, اذا ما اضفنا كل ذلك الى مستوى تلك الاغنيات عرفنا حجم الخطر الذي يحيق بلغتنا العربية ويغزوها من خلال الاغاني والبرامج التي تقدمها للمشاهدين. رابعاً: الاعلانات التجارية تلعب الاعلانات دورا لا يقل اهمية عن دور الاغاني في نشر مصطلحات ولغة من نوع خاص بين أفراد المجتمع, ولعل اهمية دور الاعلانات تأتي من كونها عبارة عن رسائل قصيرة موجهة تتكرر بشكل مكثف على اذن المستمع وعينه على نحو يجعلها ترسخ في ذهنه بحيث يمكن ان يرددها دون وعي او بمجرد ان يسمع لزمتها الموسيقية او يشاهد صورة الاعلان دون سماع الجمل المستخدمة فيه. ونظرا لما للاعلان من اهداف ترويجية ترمي الى تسويق السلعة ودفع المشاهد الى شرائها فان مصممي الاعلان ومؤلفيه يحرصون على انتقاء الالفاظ التي تحقق لهم هذه الاهداف, وفي غمرة الاندفاع نحو ذلك ربما لا يحرصون كثيرا على استخدام العربية الفصحى في هذه الاعلانات خاصة اذا ما تضمنت جملا حوارية فيرون انه من الافضل اللجوء الى العامية لتوصيل الفكرة, وقد يستخدمون بعض الالفاظ المستهجنة من العامية حسب طبيعة الفئة التي يتوجه اليها الاعلان. ولذلك فان التلفاز سيقدم خدمة كبرى للفصحى لو التزم ببث الاعلانات التجارية بها للاسباب التي ذكرناها آنفا والتي يأتي على رأسها كثرة تكرار الاعلان وترديده على أسماع المشاهدين وسرعة حفظهم له. منافذ أخرى للخلل رغم تركيزنا على المنافذ الاربعة السابقة للخلل إلا أن هناك منافذ أخرى لا تقل أهمية عنها نسوق منها على سبيل المثال البرامج الارشادية التوعوية كالارشادات الطبية والزراعية والبيئية والاجتماعية, حيث تمثل هذه البرامج مرتعاً خصباً لاساءة استخدام اللغة العربية وتشويهها وتقديمها بشكل تكتنفه الاخطاء من كل جانب, أخطاء في النطق, وأخطاء في التشكيل, وأخطاء في استخدام الكلمة المناسبة للمعنى المناسب, فحينما تلجأ الاذاعة المسموعة او المرئية الى طبيب لتقديم نصائح طبية او مهندس زراعي لتقديم ارشادات زراعية ظنا منها انهما اكثر اقناعا دون ان يكونا سليمي النطق والمنطق فانها على الجانب الاخر توجه طعنات قاتلة للغة تضعف من شأنها وتصيب الغيورين عليها بالغم والحسرة, وقد كان الاجدر ان تكتب هذه الارشادات ثم يقوم بتوصيلها للمستمع او المشاهد اصحاب الاختصاص من المذيعين سليمي اللغة قويمي اللسان. والحقيقة انه قبل انتشار الفضائيات كانت منافذ الخلل اقل وكانت امكانية محاصرتها وسد ثغراتها ايسر, اما اليوم وبعد هذا الانتشار الواسع للفضائيات وتعدد لهجاتها بعدد الدول العربية فقد أصبحت المهمة اصعب خاصة بعد هذا التسابق الواضح المتعمد بين هذه المحطات لنشر لهجة البلد التي تبث منها, ولم يقتصر الامر على ذلك, اذ غزت بعض اللهجات دولا اخرى واصبحت هي الطاغية والمطلوبة في اجهزة الاعلام المسموعة والمرئية في الوقت الذي تراجعت فيه اللغة الفصحى واصبح من يحرص من المذيعين على التحدث بها غريبا بين اقرانه, وقد تكررت هذه الشكوى على لسان اكثر من واحد وواحدة من مذيعينا ومذيعاتنا الذين يسعون الى تجويد استخدامهم للفصحى من خلال الحرص على استخدامها رغم اعترافهم بعدم تمكنهم التمكن التام منها, وهذه ـ دون شك ـ روح يجب تشجيعهم على التمسك بها والعمل على تنميتها فيهم لنعيد للغتنا قيمتها ومكانتها وسط طوفان اللهجات العامية وطغيانها على شاشاتنا العربية التي غدت لغتنا غريبة فيها. الخـلاصـة: يمثل التلفاز اكثر وسائل الاعلام استقطابا للجمهور وجذبا له لما يتميز به من عامل الصورة والحركة واللون والقدرة على احداث التأثير المطلوب, ولاننا نعيش في عالم وعصر الصراع فيهما محتدم وحتمي بين الامم, ولان اللغة عامل من عوامل قوة الامة, وضعفها مرتبط بضعف الامة, وكي يكون لنا مكان بين الامم القوية فان علينا ان نستخدم كافة الوسائل التي تحقق لنا ذلك وتؤمن لنا عوامل القوة التي تحفظ لامتنا كيانها وتماسكها, واللغة عامل مهم وأساسي من هذه العوامل, ولذلك فان علينا ان نستخدم (التلفاز) أقوى وسائل الاتصال وأكثرها قدرة على التأثير في نشر (اللغة الفصحى) أقوى وسائل التواصل بين الأمة وأكثرها قدرة على توحيد الشعور والمحافظة على تراث الأمة وموروثها الديني والأدبي عبر آلاف السنين, هذا الموروث الذي ساهمت في تكوينه الرسالات السماوية وقرائح الشعراء وأقلام الادباء وعقول العلماء حتى تسلمناه منهم كنوزاً غنية ان لم نحافظ عليها نكون قد أهدرنا ثروة ستحاسبنا عليها الاجيال القادمة يوما ما, وعندها نكون قد أخذنا من الحضارة قشورها وتركنا اللب غير آخذين العبرة من شعوب وأمم افقر منا حضارة وأقل شأنا تتمسك بلغاتها وتنتصر لها على دنو شأنها وموت جذورها, فمتى نفيق من هذا السبات وننزع عن اعيننا هذه الغشاوة وننتصر للغتنا.. لغة القرآن الكريم, تلك المعجزة الالهية الكبرى التي تحدى المولى عز وجل الكفار بها فعجزوا ان يأتوا بآية من مثله, وعجزنا نحن أن نحافظ عليها فكانت الخسارة من نصيبنا.. أما اللغة العربية فستظل قوية كما كانت وسيهيىء الله لها من يحافظ عليها إن لم نستطع نحن القيام بذلك.. وما ذلك على الله بعزيز.
البيان
|