|
|
|
|

تغيير الهوية الجغرافية العربية
أ. نواف مشعل السبهان
الى وقت قريب كان يطلق على المنطقة الجغرافية من المغرب غربا الى البحرين شرقا ‘الوطن العربي’ بجناحيه المشرق العربي ويضم الدول العربية الآسيوية والمغرب العربي ويشار به للدول العربية الافريقية، الا انه في السنوات الاخيرة.
غيب هذا المسمى الجغرافي الجامع للأمة العربية من الخطاب السياسي والإعلامي بما فيه العربي بكل اسف، وحل محله مسمى دول الشرق الأوسط بدلا من المشرق العربي وشمال افريقيا بدلا من المغرب العربي، ولا أظن ان ذلك يحدث ببراءة، بل بخبث سياسي وإعلامي لدفن الهوية العربية الجغرافية للوطن العربي .
الوطن العربي مصطلح جغرافي/ سياسي يطلق على هذه المنطقة ذات التاريخ اللغوي والثقافي والديني المشترك، والواقعة ما بين المحيط الأطلسي غربا وبحر العرب والخليج العربي شرقا بطول ستة آلاف كيلو متر وعرض يقدر بأربعة آلاف كيلو متر، وعدد سكاني يتجاوز 338 مليون نسمة، وهو مسمى ومصطلح يمثل كتلة جغرافية متصلة بهوية مشتركة لمكونه السكاني، وهذا المشترك الديموغرافي كون شعورا قوميا جامعا يتبدى في الأحداث والأزمات كما في العدوان على غزة مثلا، واعتبار القضية الفلسطينية قضية قومية.
الانتماء العروبي الجامع للشعوب العربية من المحيط للخليج مثل دوما هاجسا لكل القوى الطامعة في ثروات الوطن العربي ومنها موقعه الجغرافي الاستراتيجي، ولهذا برزت منذ أوائل القرن الماضي محاولات حثيثة لفك وحدة الانتماء العربي بدءا من محاولات القضاء على وحدة العرب اللغوية من خلال تشجيع استخدام اللهجات العربية المحكية، باكذوبة حل صعوبة اللغة العربية اوتطويرها لتحل محل اللغة العربية الفصحى لعزل الشعوب العربية عن بعضها قوميا، أو استبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية لمحاربة الجامع الديني ممثلا في القرآن الكريم حتى لا يستطاع قراءته بلسان عربي مبين، وكان الهدف من ذلك هو إزالة وجود لغة جامعة ورابطة للعرب جميعا، إلا أن هذه المحاولات كان مآلها الفشل دوما، فقد تمسك العرب بلغتهم إلى درجة استعادتها في دول المغرب العربي بعد زوال الاستعمار الفرنسي ومعه الفرنسة التي سعى من خلالها لإحلال اللغة الفرنسية محل اللغة العربية.
اليوم تبرز محاولة جديدة مختلفة ولكنها في نفس السياق ولنفس الهدف والغاية وبطريقة ملتوية من خلال تفكيك مسمى الوطن العربي الجامع لامة واحدة لمسميين يشطره لشطرين، ومما يكشف هذا البعد التأمري انه بات المسمى المعتمد في توصيف المنطقة العربية لدى العديد من الدوائر الرسمية الغربية تحديدا ومنها وزارة الخارجية الامريكية، بدلا من مسمى يضفي على المنطقة هويتها القومية الواحده، بل حتى لم يعد يستخدم مصطلح ”العالم العربي” الذي يصفه البعض بمصطلح وضعه الاستعمار البريطاني بديلا لمصطلح ”الوطن العربي” لذات الغاية والهدف.
الهدف من ذلك واضح ولا يحتاج لكثير فطنة وذكاء، فالغاية من تغيير مسمى المنطقة الذي يعبر عن وحدتها الثقافية وهويتها القومية هو لإلغاء الصفة العربية عنها، وإعطائها صفتين لا رابط بينهما أحداهما هويتها إفريقية والآخرى شرق أوسطية.
الغريب أننا لم نجد جهة عربية واحدة وخاصة جامعة الدول العربية تعترض على هذا العبث بهوية الوطن العربي وترفض تسميته بمجرد دول شمال إفريقية ودول شرق أوسطية من قبل آخرين يريدون تغييرها بل وطمسها، ولا يقول لنا أحد إن ذلك مجرد مسمى ولا غير، فالمسميات وخاصة السياسية والإعلامية هي مفاهيم ومصطلحات لها دلالات مهمة ترتبط بالهوية، ولهذا وجدنا إيران مثلا تثير الضوضاء والصخب من أجل تسمية الخليج العربي بالفارسي، فهل الأهم مسمى خليج أم أمة كاملة يراد حتى طمس هويتها الجغرافية على الأقل..!!؟.
ارجو ان لا يؤخذ هذا الامر بتسطيح، لانه يأتي ضمن تفكيك كيان الأمة العربية كما تناولته في مقال سابق، ويندرج في سياق نزع الصفة القومية للمنطقة العربية، وان لا يحال لنظرية ‘المؤامرة’ والتي وان كان فيها بعض من التهويل ففيها قدر من الحقيقة أيضاً.
القدس العربي
|
|
|
|
|
|