|
|
|
|
العربي بنجلون يحاضر في عمان بعنوان الأدب المغربي.. المخاض والولادة
ناجي ابولوز
ألقى الأديب المغربي "العربي بنجلون" محاضرة حول المشهد الثقافي المغربي، قدمه فيها الروائي صبحي فحماوي، الذي استعرض السيرة الذاتية للكاتب بنجلون، في مقر المنتدى بحضور عدد كبير من الأردنيين والعرب.
وقالت رئيسة المنتدى هيفاء البشير أهمية مثل هذا اللقاء انها تتيح لنا التواصل برغم بُعد الجغرافيا، وهذا ما يعمق المشهد الثقافي العربي ويقصّر المسافات، ويضيء المبدعون الدرب لنا، درب الثقافة ودرب الإبداع ودرب التواصل الإنساني.
وتحدث بنجلون بشهادات عربية عن حال الأدب المغربي وقال "لو يُقَدَّر أن تعود بنا آلةُ الزمن إلى فجر القرن الماضي، فنسألَ قارئا عن حال الأدب المغربي، فسيجيبنا فورا: إنّ المِصريين يكتبون، والمغاربة يُصَحِّحون، واللبنانيين يطبعون!
ويتابع العربي بنجلون هذه المقولة التي كانت تتردد على ألسنة القراء، وأصبحت الآن خبرَ كانَ، تدل على مسألتين: الأولى أن المغاربة، وسائرَ سكان دول المغرب العربي، لَمْ يشهَدوا ـ إلى حد كبير ـ نَهضةً أدبيةً قائمةً بذاتِها، على شاكلة شقيقتها في الْمشرق العربي. وإنْ كانت هناك مُحاولات، إلا أنَّها لَمْ تتطور لتصبح تيارا متميزا، أومدرسة تؤسس لِهذه النهضة. فقد ظلتِ (الْمُحاولاتُ) حبيسةَ الشعر في أغراضه الضيقة؛ الْمَدحي والديني والغزَلِي والإخوانِي، والقصة في شكلها الْمَقامي، فضلا عن الأدب الشعبي. وإن نضِجَتْ ـ في بعض الْحُقول الْمعرفية والعلمية والصوفية ـ ثَمراتٌ كان لَها أثر كبير في الفكر العالَمي، كرحلة ابن بطوطة، ومؤلفات الإدريسي في الْجُغرافيا والفلك، وابن البَنّاء في الرياضيات، وابن خلدون في علم الاجتماع، والْحَسَن الوزّان في طب النفس والْجُغْرافيا. وهل يغفُل عنا أن الأمير سيلفيسْترْ الثاني، درس بِجامعة القرويين، ومنها نقل الأرقام العربية إلى أنْحاء العالَم في القرن التاسع الْميلادي، ومازال هذا العالَمُ يعتَمِدُها في رياضياته؟!..وسواها من الْمُحاولات التي أشاد بِها الْمُفكر أرنست كلنر بقوله: "إن الْمغرب أفاد أوروبا بِما ساعدها على إدراك الْمُجتمع الإنساني، وأن الْمغرب يُعتبر حقا مرآةً للعالَم". غير أن هذه الْمساهَمات القليلة، تنحصر في مَجالات العلوم الإنسانية، ولا تَمتد لتشمَل الأدب، كما أنّها لَمْ تستمرَّ وتتطورْ لترتقي بالفكر والْمُجتمع.
والْمسألة الثانية، هي تَوَجُّهُ الْمغاربة إلى خدمة قواعد اللغة في النحو والصرف والإعراب، فألفوا فيها العديد من الْمؤلفات، ولَمْ يكتفوا بذلك، بل كانوا يضعون لَها الْحَواشيَ، تعليقا عليها، أو تشذيبا وتَهذيبا لَها، أو تكملة وسَدّا لنقص فيها، وقَلّما نَجد كتابا يَخْلو من حاشية، وحاشية على الْحاشية. وهنا أستشهد بقَوْلة للكاتب الرائد الراحل مُحمد التّازي في كتابه "يوميات صِحافي":" لعلنا من أبرع الشعوب الْمُتكلمة باللغة العربية في معرفة القواعد النحوية والصَّرفية لِهَذه اللغة، وبراعتُنا أغْرَتْ كثيرا من مؤرِّخي الأدب على الزعم بأن وضْعَنا الْجغرافي والاجتماعي صَدَّنا عن النُّبوغ في الأدبيات، وأهَّلَنا لنكون نوابغَ الفقه والنحو والصرف".
وخلص العربي إلى نتيجة هي أننا لا نستـطيع أن نستدل على بداية الأدب بالْمغرب بِخطبة يتيمة كما يقول ، ولا بنصوص قليلة، قيلتْ في مناسبات دينية أو وطنية أو إخوانية، وفي أغراض ضيقة، لَمْ تُشَكِّلْ تراكُما فرديا ولا جَمعيا، ولا إبداعا فنيا متميزا. ولعل هذا من الأسباب التي جعلتِ الكاتبَ أحْمد حسن الزيات يتجاهل الأدب الْمغربي في كتابه الرائد (تاريخ الأدب العربي) وكذلك كُلٌّ من أنيس الْمَقدسي وطه حسين وإحسان عباس، والقائمة طويلة!
وكل هذا الْجَدَل حسب الأديب، يدل على أن الْمغاربة عاشوا مَخاضا عسيرا وطويلا في سبيل الْحياة والوجود والكينونة، وكانوا يُدْركون جيدا ألاّ أدبَ ولا فكرَ ولا ثقافة ولا علم من دون توحيد الألسنة أولا، والأفئدة والأنفس حول القيم الدينية والوطنية ثانيا!
وقدم بنجلون تفسيرا أوسع شمل فيه الأندلس والمشهد الثقافي كما استحضر الْمَثل العربي السائر (مصائبُ قومٍ عند قوم فوائدُ) فإن سقوط الأندلس كان له دور كبير في بداية النهضة الأدبية والفنية والْحضارية. فبعد زوال مُلْك العرب من الأندلس في القرنِ السادسَ عشرَ، تفرق أهلُها الثَّلاثُمِئَةِ ألفٍ في الْمَغرب، فيقول أحْمد الْمَقَرِّي في كتابه (نَفْح الطِّيب) : (لَمّا نُفِّذ قضاءُ الله تعالى على أهل الأندلس بِخُروج أكثرهم عنها، تفرّقوا ببلاد الْمغرب الأقصى وافريقية، فأمّا أهل البادية فمالوا إلى البوادي، فاسْتَنْبَطوا الْمياهَ، وغرسوا الأشجار. وأما أهلُ الْحواضر فمالوا إلى الْمدن، فكان منهم أهلُ الأدب، والوزراء والكُتّاب.. وفاق أهْلُ الأندلس أهلَ البلادِ في الصَّنائعِ…). وهكذا نشأتْ حضارةٌ، زَها فيها العمران من قصورٍ ودورٍ ومدارسَ، وحدائقَ مازالت لِحَدِّ الساعة ناطقةً بتلك الْخُطى الأولى للأندلسيين، وتَجَسّمتْ فيها هندسةُ البناء والتشييد، وآياتُ الزّخرفة والنّقش والرسم والْخَط في الْخَشَب والْجِبْص. وهذه موسيقى (الآلة) أو الأندلسية، التي لَمْ تكن فنا للمتعة والتسلية، ولكن، كانت علاجا للأمراض النفسانية والعقلية في مستشفى سيدي (فَرَجٍ) بسوق الْعَطّارينَ في فاس، حتى إن دولا أوروبية وأمريكية أرسلتْ أطباء وصِحافِيَّين وجواسيسَ لِـ(قَرْصَنة) الطرق والوسائل الْمستعملة في العمليات العلاجية.
والعربي بنجلون من مواليد مدينة فاس سنة 1947 شارك في تحرير صحيفة الشعب المغربية بين 1969 حتى 1975 ،أصدر صحيفة الطفل في أكتوبر 1971 ، هيأ لمجلة الثقافة” السورية عددا خاصا بالأدب المغربي في 1981. له كتابات بمجموعة من الصحف والمجلات: العلم، البيان، الكاتب العربي، الموقف العربي، الثقافة السورية، الطليعة الأدبية.
العربي اليوم
|
|
|
|
|
|