|
|
|
|

دلالات إقبال الأمازيغ على اللغة العربية في الغرب
أ. شريف السليماني
يحاول البعض إفساد العلاقة بين الأمازيغ واللغة العربية،عبرمغالطات مفادها أن اللغة العربية غريبة على الأمازيغ، تعلموها عن طريق الإكراه الذي مارسته السلطات الحاكمة عبر تاريخ المغرب، أو عن طريق" التدليس والخداع" الذي مارسه ويمارسه رجال الدين. فاللغة العربية -عند زعمهم- بمثابة مادة سامة تسللت إلى الجسم الأمازيغي فسببت له الكثير من التشوهات والعاهات التي لا يتعافى منها إلا إذا تخلص من هذه اللغة الغير مرغوب فيها. فهي التي تعرقل تقدم الأمازيغية، وهي السبب وراء رداءة التعليم، وهي أصل كل المصائب... وإذا توفرت للأمازيغ استقلالية القرار وحرية الاختيار فإنهم سيهجرون اللغة العربية ويتركونها وراء ظهورهم.
هذا ما يروج له هؤلاء المتطرفون، وهذا ما يتمنونه أيضا. فما مصداقية هذا الطرح؟
سآخذ في هذا المقال الوضع في الغرب نموذجا، نرى من خلاله مدى اهتمام الأمازيغ باللغة العربية، ومدى إقبالهم على تعلمها. ففي الغرب لاتوجد حكومات "عروبية قومجية" تفرض اللغة العربية على الأمازيغ، ولا حركات وأحزاب "إسلاموية" تحتكر الشأن الديني وتدلس على الناس وتبيعهم" الأوهام"،- كما يقول هؤلاء- وإنما هي الحرية التامة والقناعات الشخصية. فالحالة في الغرب مناسبة تماما لوضع أفكار هؤلاء وادعاءاتهم على المحك.
فهل تخلى الأمازيغ عن اللغة العربية حين توفرت لديهم حرية الاختيار واستقلالية القرار في الغرب؟
لقد أمضيت ما لا يقل عن سبعة عشر سنة في الغرب. أقمت في بعض الدول كهولندا وبلجيكا وألمانيا مددا متفاوتة، وزرت البعض الآخر زيارات خفيفة، كالدنمارك وإسبانيا وفرنسا. ومعلوم أن أغلبية الجالية المغربية القاطنة بهذه الدول تنحدر من شمال المغرب، من أهل الريف، الذين لا يشكك أحد في أمازيغيتهم، والذين يعتزون بها وبثقافتهم، وذلك حقهم بل واجبهم. لكن هذا الاعتزاز بالثقافة واللغة الأمازيغية لم يمس أبدا ارتباطهم الوثيق باللغة العربية.
وبصفتي إماما، كانت الأماكن التي أتردد عليها وأزورها كثيرا خلال فترة مقامي في أوروبا هي المساجد. هذه المساجد التي تعد بالمآت (والتي يتحمل الأمازيغ القسط الأكبر من المسؤولية في بنائها وتسييرها)، لا يكاد يخلو مسجد منها من وجود مدرسة لتعليم اللغة العربية.
أصبحت مرافق تعليم اللغة العربية تحظى باهتمام لا يقل عن الاهتمام الذي تحظى به قاعات الصلاة، بل إننا نرى مساجد تضم أقساما ومرافق للتعليم تفوق في مساحا تها وتكاليفها قاعات الصلاة.
و أصبح شأن تعليم اللغة العربية يأخذ الحيز والاهتمام الأكبر من حديث الجالية، فأثناء كل اجتماع يعقد في أي مسجد تطفو هذه القضية على السطح، حيث يستفسر الناس ويقترحون وينتقدون، بغية تطوير وتحسين مستوى تعليم اللغة العربية في المساجد.
وإنه لمنظر تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ويدعو إلى الدهشة والاعتزاز، وأنت ترى مآت الأطفال مصطفين صبيحة يوم السبت والأحد أمام أبواب المساجد، غايتهم وغاية أوليائهم تعلم اللغة العربية، لغة القرآن، حيث يضحي الأولياء براحتهم وراحة فلذات أكبادهم فيصطحبونهم إلى المدارس أيام العطل وخارج أوقات الدراسة النظامية، وهم واعون بحاجة أطفالهم إلى قسط من الراحة خلال تلك الأوقات، لكن تعلم اللغة العربية بالنسبة لهؤلاء الأولياء أمر تهون دونه أموالهم وأوقاتهم وراحتهم وحتى راحة فلذات أكبادهم.
ومن لم يأخذ نصيبه من تعليم اللغة العربية أثناء الطفولة، تجده متلهفا راغبا في تعلمها في فترة الشباب، يتساوى في ذلك الذكور والإناث.
ذات مرة وأنا أتجاذب أطراف الحديث مع شاب من أصل أمازيغي، ولد في هولندا وترعرع فيها، وحصل على أعلى الشواهد، يمارس وظيفة هامة، ويمتلك سيارة فاخرة ومسكنا راقيا. لكنه ومع كل ما يملكه من متاع الحياة الدنيا، كان يحس بحسرة كما يقول، لكونه لا يقرأ اللغة العربية. دللته على بعض الطرق علها تساعده في نيل مبتغاه، وبعد مدة غير طويلة إذا به يتصل بي قائلا: "إن اليوم هو أسعد يوم في حياتي، إنني أحس فرحة ما أحسستها من قبل"، سألته عن سبب سعادته العارمة فأجابني: "لقد استطعت قراءة سورة الفاتحة دون أية مساعدة، وكانت تلك أمنيتي منذ زمن بعيد، لقد بكيت من شدة الفرح"، يضيف هذا الشاب.
إن هذا الإقبال المنقطع النظير من قبل الأمازيغ في دول المهجرعلى تعلم اللغة العربية له دلالات عدة، منها:
- أن ارتباط الأمازيغ باللغة العربية ارتباط وثيق، لن يتأثر بحملات التضليل التي يمارسها بعض المتطرفين، وأن الأمازيغ إذا أقبلوا على اللغة العربية فإنما يفعلون ذلك بمحض إرادتهم، وبكامل اختيارهم، لأنهم يعتبرون ذلك تقربا إلى الله.
- أن الدافع الأساسي للأمازيغ لتعلم اللغة العربية هو ارتباطهم الوثيق بالقرآن، حيث من المعلوم أن تراجيم القرآن للغات غير العربية لا تعد قرآنا، ولا ينال المسلم فضل تلاوة القرآن كاملا، إلا إذا قرأه باللغة التي أنزل بها، أي العربية. ومن المعلوم كذلك أن صلاة من لم يقرأ شيئا من القرءان لا تصح - مادام قادرا على ذلك طبعا-. فهذا الإقبال المكثف من الأمازيغ على تعلم اللغة العربية، هو في الحقيقة دليل على إقبالهم على الإسلام. ومن الصعب تصديق شخص يدعي محبة القرآن وهو يبدي الكره والحقد على لغة القرآن.
- هذا الاقتناع بأن التدين يقوي ارتباط الأمازيغ باللغة العربية، هو ما يجعل بعض المتطرفين من دعاة الأمازيغية يعلنون إلحادهم، ويهاجمون الدين والتدين والقرآن، لأنهم يعلمون يقينا استحالة فك ارتباط الأمازيغ باللغة العربية ماداموا مرتبطين بالإسلام. وفي هذا الإطار يجب أن نفهم حملاتهم المغرضة على كل ما له علاقة بالإسلام.
- أن إعطاء اللغة العربية مكانة خاصة من بين باقي اللغات، لا يعني إعطاء نفس المكانة للناطقين بها، أي العرب، فمن المعلوم أن مكانة الإنسان عند الله إنما تتحدد بعمله، يقول تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ، ويقول صلى الله عليه وسلم: (لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى)،وإذا أبطأ بالإنسان عمله لن يسرع به لسانه ولا نسبه ولا لونه ولا جنسه، ولأن ألقى الله أبكم قوي الإيمان ، خير لي من ألقاه عربيا قحا خاليا من الإيمان، فما أغنت عن أبي لهب وأبي جهل عروبتهما من الله شيئا. فتعامل الناس مع بعضهم يجب أن يكون على أساس العدل والإحسان (بمفهومه القرآني) لا على أساس الإستعلاء والاحتقار، أو الظلم والعدوان.
- أن الحفاظ على الهوية الأمازيغية والاعتزاز بها لا يبرر بحال معاداة اللغة العربية. فبالإمكان الجمع بينهما كما هو الحال باالنسبة للأمثلة التي ذكرتها، والتي تعكس العلاقة الطبيعية للغالبية العظمى من الأمازيغ مع اللغة العربية.
أما تلك الفئة القليلة العدد الكثيرة الصياح وربما النباح أحيانا، والتي أعلنت الحقد والحرب على كل ما هو عربي حتى القرآن، وحتى نبي الإسلام، بدعوى الدفاع عن اللغة والعرق، وكأن الأمازيغية لا تعيش إلا على أنقاض العربية والإسلام، فقد ضلوا ضلالا بعيدا، حيث باعوا آخرتهم بأوهام وشعارات لن تنفعهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، وقد كانوا في غنى عن ذلك لو كانوا يعقلون. لقد مزقوا دينهم من أجل ترقيع (هويتهم)، فلا دينهم بقي، ولن يبقى ما يرقعون.
هسبريس
|
|
|
|
|
|