|
|
|
|

سلطة اللغة وأثرها
د. أحمد الغامدي
اللغة أداة ساحرة لنقل المعاني والأفكار والموجودات والمفاهيم ولإقامة روابط الاتصال والتقارب والانسجام بين أهلها، فاللغة فكر ناطق والتفكير لغة صامتة، وكلاهما معجز، وقد حاز العرب من اللغات أرقاها وأدقها وأقواها وأفصحها، وتملك العربية أوسع مدرج صوتي عرفته اللغات، تتوزع مخارج الحروف فيه بين الشفتين إلى أقصى الحلق بخلاف اللغات الأخرى، وتتوزع هذه المخارج في هذا المدرج بصورة عادلة يؤدي إلى التوازن والانسجام بين الأصوات، ويراعي العرب في اجتماع الحروف في الكلمة الواحدة وتوزعها وترتيبها حدوث الانسجام الصوتي والتآلف الموسيقي، وقد تميزت العربية بالموسيقية فجميع ألفاظها ترجع إلى نماذج من الأوزان الموسيقية، والكلام العربي نثراً كان أم شعراً هو مجموع من الأوزان ولا يخرج عن أن يكون تركيباً معيناً لنماذج موسيقية، واستثمر الشعراء والكتاب العرب هذه الخاصة الموسيقية فقابلوا بين نغمة الكلام وموضوعه مقابلة لها أثر من الوجهة الفنية.
إن العربية تحتفظ بالمعاني الأصلية الدالة على أمثال هذه المسميات، فألفاظها معللة على عكس غيرها من اللغات التي لا تحتفظ بهذه المعاني، ولها طريقة في تصنيف الموجودات، فمفرداتها تدل على أن العرب صنفوا الوجود تصنيفاً شاملاً دقيقاً منطقياً يدعو إلى الدهشة والتعجب، ويدل على مستوى فكري قلما وصلت إليه الأمم، ولم تقتصر العربية على الحسيات، ففيها ما لا يكاد يحصى من الألفاظ الدالة على الحسيات والمعنويات.
إن في العربية سعة وغزارة في التعبير عن أنواع العواطف والمشاعر الإنسانية، كما أنها تشتمل على الكلمات الدالة على الطباع والأفعال والمفاهيم الخلقية وعلى المفاهيم الكلية والمعاني المجردة.
لقد جمع العرب في لغتهم بين الواقعية الحسية والمثالية المعنوية، فالمادية دليل الاتصال بالواقع، والتجريد دليل ارتقاء العقل.
وللعربية باع في الدقة والخصوص والعموم، إذ تمتاز برقة تعبيرها والقدرة على تمييز الأنواع المتباينة، والأفراد المتفاوتة، والأحوال المختلفة في الأمور الحسية أو المعنوية.
وفي العربية منـزلة للتخصيص والدقة والتعميم، وما فيها من الدقة والتخصيص قرينة على أن أصحابها بلغوا درجة عالية في دقة التفكير ومزية وضوح الذهن وتحديد المقصود والدلالة.
والمستعرض للشعر الجاهلي يجد نماذج من الوصف تتضمن الجزئيات والتفصيلات في الألوان والأشكال والحركات والمشاعر إلى جانب شعر الحكمة الذي يتضمن قواعد عامة في الحياة ومعاني عالية من التعميم والتجريد.
إن دقة التعبير والتخصيص من سبل تكوين الفكر العلمي الواضح المحدد، والتخصيص اللغوي والدقة في التعبير أداة لا بد منها للأديب لتصوير دقائق الأشياء وللتعبير عن الانفعالات والمشاعر والعواطف.
إن العرب لما حملوا الإسلام إلى العالم، حملوا معهم العربية لغة الوحي فاستعربت بالإسلام شعوب تركت لغاتها وآثرت لغة القرآن، وأخرج منهم علماء دونوا ببراعة مفردات اللغة وأدبها وشعرها ونحوها وصرفها وبلاغتها واشتقاقها وكل ما تعلق بها من علوم، ولذلك ظلت اللغة العربية دهرا طويلا اللغة الحضارية الأولى في العالم.
إن الأمة العربية أمة بيان، فالعمل فيها مقترن بالتعبير والقول، وللغة في حياتها شأن كبير وقيمة أعظم من قيمتها في حياة أي أمة من الأمم.
إن اللغة من أفضل السبل لمعرفة شخصية أمتنا وخصائصها، وهي الأداة التي سجلت منذ أبعد العهود أفكارنا وأحاسيسنا. وهي البيئة الفكرية التي نعيش فيها، وحلقة الوصل التي تربط الماضي بالحاضر بالمستقبل. إنها تمثل خصائص الأمة، وقد كانت عبر التاريخ مسايرة لشخصية الأمة العربية، تقوى إذا قويت، وتضعف كلما ضعفت.
لقد غدت العربية لغة تحمل رسالة إنسانية بمفاهيمها وأفكارها، واستطاعت أن تكون لغة حضارة إنسانية واسعة اشتركت فيها أمم شتى كان العرب نواتها الأساسية والموجهين لسفينتها، اعتبروها جميعا لغة حضارتهم وثقافتهم فاستطاعت أن تكون لغة العلم والسياسة والتجارة والعمل والتشريع والفلسفة والمنطق والتصوف والأدب والفن.
فاللغة في الأمة العربية من أهم أسس وحدتها، ومرآة حضارتها، ولغة قرآنها الذي تبوأ الذروة فكان مظهرا لإعجازها.
والقرآن بالنسبة إلى العرب جميعا كتاب لبست فيه لغتهم ثوب الإعجاز، وهو كتاب يشد إلى لغتهم مئات الملايين من أجناس يفخرون بأن يكون لهم منها نصيب.
اليوم
|
|
|
|
|
|