|
|
|
|

قراءة في جائزة محمد بن راشد للغة العربية
د. خالد الخاجة
لا شك أن اقتران اللغة بكلمة الأم له مغزاه، حيث يطلق أهل العلم على لغة الوطن دائما «اللغة الأم»، وهو ما يشير إلى ذلك الحبل السري الذي يربط بين اللغة وأهلها رباطا لا فكاك منه ولا تحول عنه، فهل من الميسور أن يتبرأ الفرد من أمه؟ ولكنه قد يهملها أحيانا ويتولى عنها ويدير لها الظهر، وهنا يكون عاقا لها لكنها لم تزل أماً له.
كذلك الشأن مع لغتنا، التي إن تعلق لساننا بغيرها، فإننا لا نستطيع أن نفكر إلا بها، وأن نبدع إلا باستلهامها، وأن يكتمل تواصلنا مع غيرنا إلا عبر مفرداتها، وأياً كانت اللغات التي نتحدث بها فإننا دوماً سنكون ضيوفا عليها، ذلك أن اللغة ليست مجرد رموز نستخدمها لنتواصل في ما بيننا أو مع غيرنا، بل هي أداة للتفكير والإبداع، وبها يرقى السلوك وتهذب النفس وتتكون لدينا قيم الجمال.
ومن المقطوع به أنها الهوية التي تتمايز بها الشعوب وتُعرف، وهي خط الدفاع الأخير عن المنظومة القيمية للمجتمع، وبتآكلها وضعفها نكون قد عبّدنا الطريق للسيطرة على ما عداها، كما أنها أهم معالم قوة النسيج الاجتماعي، وبها تستطيع الدولة الحفاظ على قدرتها على التوجيه الاجتماعي لمواطنيها، هذا النسيج الذي يجعل الدول التي تتعدد فيها اللغات تفرض لغة رئيسة في التعليم والإعلام والتعاملات الرسمية للحفاظ على هويتها.
تدافعت على فكري هذه الخواطر وأنا أطالع مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بإطلاق جائزة عالمية للغة العربية، وتوقفت أمام الرؤية التي تقف وراء هذه الجائزة وملامحها الرئيسة مع تأمل تفاصيلها الدقيقة، ذلك أن الجوائز تستمد قوتها، وتقدير العالم لها، وحرص الكثيرين على نيل شرف الحصول عليها، وأن تحفر أسماءهم ضمن لوائها، من مصدرها وصاحب فكرتها ومطلقها.
ولا شك أنه عندما يطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مبادرة أو يرصد جائزة أو يطرح رؤية، نتوقف ومن حولنا في محيطنا الإقليمي والدولي، لأنها بلا ريب تحمل فكرا ورؤية مختلفة، وهذا هو شأن هذه الجائزة التي ولدت كبيرة، فلم تقف عند إطار وطني أو اعتبار الجوار الإقليمي، ولكنها استوعبت أبناء كوكبنا، وهو بُعد مهم، ذلك أن اللغة العربية تحمل مقومات العالمية، وهنا تبدو أهمية أن تكون جوائزها على قدرها.
وكما أنها لغة كتاب حمل بين دفتيه الخير للعالمين، ولم يفرق بين البشر واستوعبهم جمعيا، فاستلهمت الجائزة روحها من روحه، وهنا تأتي أهمية عالمية الجائزة التي لم تقتصر على الناطقين بالعربية، بل شملت كل من ساهم في الحفاظ عليها ونشرها، سواء من أهلها أو ممن تخصص في دراستها.
إن إطلاق جائزة محمد بن راشد للغة العربية، ترجمة فعلية لفكر صاحبها في وضع آليات محددة لتمكين اللغة العربية ونشرها، والسعي لأن تتبوأ المكانة اللائقة بها كلغة حضارة امتدت عبر العصور، ومازالت إسهامات أصحابها في مختلف العلوم شاهدة على ذلك.
وحفظ الله لها لا يعني أن نتهاون في الحفاظ عليها، ذلك أن الحفاظ عليها هو من أهم أبواب حماية أنفسنا وأبنائنا في عالم انفتحت فيه الأبواب وتعددت المشارب الفكرية، وهو ما يجعل الحفاظ على اللغة أداة للدفاع عن ثقافتنا وتاريخنا وما يميزنا، وهو ما أكد عليه سموه حين قال: «إن الحفاظ على اللغة العربية هو ترسيخ لهويتنا وحفاظ على تراثنا وفكرنا وثقافتنا.
وحماية لأجيالنا الجديدة من فقدان أهم أداة ثقافية وتعليمية ولغوية نمتلكها»، وهو ما تعكسه المجالات الخمسة التي اشتملت عليها الجائزة؛ وهي مجالات التعليم والإعلام والتعريب والتكنولوجيا وحفظ ونشر التراث اللغوي العربي، والتي يحتاج كل مجال منها أن نفرد له أبحاثا خاصة به، غير أنها تعبر عن وعي شديد بمدى تأثيرها، وأهمية أن تكون اللغة العربية منها في القلب.
ومن الإشكاليات الكبيرة أن هناك من أصحاب التخصص من يتعامل باستعلاء لغوي، متناسيا اختلاف المستوى الثقافي لجمهورها، فزادت الشقة بين الأجيال الجديدة وبين تراثهم اللغوي الذي بات غريبا عنهم، كما أن المجامع اللغوية ظلت تدور في قضايا لغوية قاصرة على المتخصصين، ولم تستطع أن تبسطها للعامة، وهو ما أفصح عن نتائج نعاني من آثارها في الجامعات، حين يستعصي على الطالب أن يتحدث فضلا عن أن يكتب فقرة وإن صغرت بلغة عربية صحيحة.
كما أن ضم مجال التكنولوجيا للجائزة، يفسح المجال أمام المتخصصين في نحت مستوى لغوي يستوعب تكنولوجيا العصر ومتطلباته.
وقد تعاملت الجائزة مع لغتنا الجميلة بأدوات العصر، فاشتملت فروعها البحثية على التطبيقات الذكية وتعليم اللغة العربية عبر برامج حاسوبية، إضافة إلى موقع إلكتروني لنشر اللغة العربية.
ولا شك أن ضم الجائزة للأعمال الفردية إلى جانب الجهود المؤسسية، والناطقين بالعربية وغير الناطقين بها، والتراث، جنبا إلى جنب مع تكنولوجيا العصر، والأعمال العربية الأصيلة فضلا عن الأعمال المترجمة، يجعل منها انطلاقة كبرى لاستنهاض الهمم في الداخل والخارج، لكي نعود إلى منابعنا الأصيلة في الوقت الذي ننفتح فيه على العالم.
وهذا هو سر المعجزة التنموية الإماراتية في أنها عندما تضع الرؤية تعرف كيف تصل إليها وتحدد آليات تحقيق ذلك.
البيان
|
|
|
|
|
|