|
|
|
|

اللغة والحضارة
أ.د. صلاح جرّار
خلال مشاركتي في مؤتمر عن حوار الحضارات في تركيّا في المدة من الرابع إلى السابع من شهر أيّار الحالي، التقيت بمجموعة من المفكرين العرب والأجانب كان من بينهم عالم آثار هندي مشهور يدعى البروفسور راكش تيواري مختصّ بآثار ما قبل التاريخ، وبينما كنّا في الحافلة التي تنقلنا من مكان الإقامة إلى مكان عقد المؤتمر كنّا نقرأ الإعلانات واللافتات في الطرقات وعلى البنايات، وكنت بين الحين والآخر أخبر البرفسور تيواري بأنّ هذه الكلمة أو تلك هي كلمة عربيّة الأصل، وما أكثر الكلمات العربيّة في اللغة التركية، فكنت أفاجأ به في معظم الأحيان يقول لي إنّ هذه الكلمة العربية المستخدمة في اللسان التركي مستخدمة أيضاً في لغة أهل الهند، ومن أمثلة ذلك كلمة: وَقْف التي تجمع على أوقاف، وكلمة هواء، وكلمات: دنيا وحياة ووطن وملك وجواهر وقانون ووالي ومَقَام وسواها. ولو كان لدينا وقت كافٍ لوقفنا على كلماتٍ كثيرة جداً عربيّة الأصل ويشترك في استخدامها العرب والأتراك والهنود. وربّما لو أجرى أحدهم دراسة في المشترك اللغوي بين هذه الأمم الثلاث لوصل إلى نتائج مهمّة.
لكنّ ما يهمُّ في هذا الأمر أنّ اللغة العربيّة بلغت أصقاعاً شتّى من الأرض، وأن انتشارها في تلك البقاع له دلالات واضحة، أهمّها أنّ اللغة العربيّة سهلة التعلُّم وليس كما يتوهّم كثير من الناس أنها صعبة وعويصة. وثانيها أنّه وإن كان انتشار الدين الإسلامي سبباً في انتشار اللغة العربيّة لأنّ العربيّة هي لغة القرآن، إلا أنّه توجد مفردات عربيّة كثيرةٌ انتشرت في أقطار العالم ممّا ليس ذا طابع دينيّ، كالمصطلحات الإدارية والعلمية والقانونية، ممّا يدلّ على أنّ الحضارة العربيّة قد حملت معها اللغة العربيّة حيثما وصلت، لأنّ التقدم الحضاري هو أهمّ ناقل للّغة مثلما هي اللغة معبّرة عن الإنجاز الحضاري.
وهذا يعني أنّ انتشار المفردات العربيّة في لغات كثير من الأمم هو دليلٌ على تاريخ حضاريّ عربيّ عريق في مختلف المجالات، وعلى أنّ الحضارة العربيّة بأبعادها الإنسانية والماديّة كانت جاذبة لكثير من الأمم في مشارق الأرض ومغاربها، وممّا يؤكّد ذلك أننّا إذا استعرضنا المفردات العربيّة المنتشرة في اللغات العالمية: الإنجليزية والإسبانية والإيطالية والتركية والأذربيجانية والأردية والفارسية وسواها فإننا نجد كثيراً منها يندرج تحت المفردات العلمية من طبية ورياضية وفلسفية وإدارية وسياسية وزراعية وقانونية وغيرها. وهذا يدلّ أيضاً على أن تراجع مكانة اللغة العربية في البلدان التي استخدمت هذه اللغة أو مفرداتها ذات زمن، هو دليل على تراجع الدور الحضاري للعرب. ومن هنا فإن العربيّة لن يعود لها ألقها ومكانتها سواءً بين أبنائها أو خارج حدودها الجغرافية ما لم يعد للعرب دورٌ في الحضارة الإنسانية. وليس أدلّ على الارتباط بين انتشار اللغة ونشأة الحضارة لدى أصحابها من انتشار كثير من الكلمات الأجنبية مؤخّراً على ألسنة العرب لكون هذه المفردات تعبّر عن منجزات علميّة وحضارية لدى أصحابها. والأمثلة على ذلك ماثلةٌ في كلّ ما نتعامل به من وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة.
الرأي
|
|
|
|
|
|