|
|
|
|

مجلس الوزراء وحماية اللغة العربية
د. يعقوب أحمد الشراح
سبق أن تحدثنا عن مكانة اللغة العربية في زمن كثر فيه التنافس بين عدد كبير من اللغات المنتشرة في العالم. فالإنكليزية تنافس الفرنسية أو العكس، والفرنسية تبذل أقصى الجهود لإحراز الصدارة ناهيك عن اللغات الأخرى كالإسبانية والألمانية وغيرها من لغات العالم والتي تجد شعوبها أن اللغة الخاصة بها أكثر أهمية من غيرها. والتنافس على الريادة اللغوية وإحراز مكانة لغوية عالمية لا يأتي من فراغ أو بالتمنيات، وإنما ببذل الجهد ومواصلة العمل في مجال تنمية اللغة وتطويرها ونشرها بين الناس.
لقد أدرجت الأمم المتحدة اللغة العربية في قائمة لغاتها الرسمية الست، ووضعتها مع مراتب اللغات المتقدمة كالإنجليزية والفرنسية والإسبانية وغيرها. ومع ذلك لا نهتم باللغة العربية مثلما تهتم بها الأمم المتحدة بها، فالكثيرون منا لا يترددون في محاربة اللغة وتهميشها واستخدام اللغات الأجنبية؟ ولقد وصل السخف واللامسؤولية درجة تعكس الأسى عندما يتحدث بعضنا باللغة الإنجليزية في المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة بينما تعد اللغة العربية لغة مدرجة ويوجد مترجم لها شأنها شأن اللغات الأخرى.
إن البحث في تاريخ تطور اللغة العربية ميدان آخر ليس هنا المجال للخوض فيه، لكننا نشعر بالحزن من الحال الذي وصلت إليه هذه اللغة من إهمال وتجنٍ عليها. فليس من الصعب أن يتحدث الأطفال أو الكبار بلغتين متداخلتين، العربي والإنكليزي مثلاً، وفي آن واحد، وعلى شكل سمفونية هزلية مضحكة، بينما من السهل التعبير عن الفهم أو المراد بلغة واحدة؟ كما لا نعرف مبررات العبارات الأجنبية المنتشرة في البلاد كاللوحات الإعلانية على المحلات التجارية أو المطاعم مكتوبة باللغة العربية ووفق سياق الترجمة الحرفية للغة الأجنبية المضحكة وكتابتها بالعربية مثل كتابة «كوزمتيك سيرجري»، «هبي دي»، «كوفي شوب»، و«محلات نايس دي» وهكذا...
إشكالية اللغة العربية ليست في اللغة ذاتها وإنما بأهلها وبابتعادهم عنها، وضعف الحكومات العربية في التصدي للعوامل المؤثرة في سيادتها وانتشارها. القرارات الصادرة عن القمم العربية والخليجية تؤكد على العناية باللغة الوطنية، وبالحفاظ عليها وتطويرها لأنها تعبر عن هوية الأمة ومكانتها بين الأمم، فضلاً عن أنها لغة الدين. ومع ذلك فإن واقعنا مع اللغة العربية مخزٍ عندما لا تهتم مؤسسات التعليم والأسرة ونظام العمل والرواتب ونظم الترقي باللغة، وتسود النظرة العامة لمن يجيدوا «رطنة» اللغة الإنجليزية، فتقدم لهم الأولوية في العمل والاحترام والثناء...
لقد أشارت الصحف الصادرة يوم 6 /5/ 2014 أن مجلس الوزراء قرر إنشاء مجمع للغة العربية في الكويت كهيئة علمية ذات كيان اعتباري يهدف إلى النهوض باللغة العربية وتمكينها من مواجهة التحديات العصرية. وإذا كان ذلك صحيحاً فإننا نشيد بهذا القرار رغم تأخره، ونعتبره إنجازاً يصب في حماية اللغة العربية والاهتمام بها، وسيكون له صدى علمي وسياسي ليس فقط في الإقليم العربي، وإنما العالمي الذي يؤكد دائماً من خلال منظماته كاليونسكو على العناية باللغات الأم والاهتمام بها من كافة القطاعات التربوية والدينية والإعلامية والأسرية وغيرها من مؤسسات ثقافية وبحثية ينبغي أن تتفاعل مع اللغة الأم وتجعلها نصب اهتماماتها ومسؤولياتها.
إن حماية اللغة العربية مسؤولية كل الأفراد، فلا يكفي القول إن القرآن الكريم هو الحافظ للغة بينما يساهم الفرد في تدمير لغته باتباعه لسلوكيات لا تتناسب مع تعاليم دينه وحياته. إن هذه الحماية تتطلب قانونا للغة يساير ما يؤكد عليه الدستور من أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، وبالتالي ليس لأحد سلطة في أن يغير من ذلك كما يلاحظ اليوم في تطبيق مناهج التعليم الجامعي والتدريس باللغة الأجنبية لطلاب لغتهم الأم هي اللغة العربية...
الراي
|
|
|
|
|
|